السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولى (3 ـ 5)
العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولى (3 ـ 5)

العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولى (3 ـ 5)

الإسلام يؤكد على وجود علاقات دولية خاصة مع أو بين غير المسلمين الدين هو الأمر الذي يحكّم مسائل الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامى بصفة عامة
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان (العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولى) .. للاستاذ الدكتور أشرف وفا محمد رئيس قسم القانون الخاص بجامعة السلطان قابوس.
فكرة تنازع القوانين
يقول الباحث: ولما كانت العلاقات الخاصة الدولية متعددة ومتشعبة بصورة كبيرة ولايمكن الاحاطة بها فى هذه الورقة العلمية فإننا سنقتصر على جانب محدد من جوانب هذه العلاقات التى تتم بين الأفراد على الصعيد الدولى وهو الجانب المتعلق بالزواج ذو الطابع الدولى, أى الزواج الذى يتم بين شخصين من جنسيتين مختلفتين بالمصطلح القانونى المعاصر والذى يقابله فى الفقه الاسلامى الزواج التى يبرم بين مسلم وامرأة غير مسلمة، حيث يذهب اتجاه في الفقه المعاصر إلى أن الشريعة الإسلامية لا تعرف فكرة تنازع القوانين، استناداً إلى الحجج الآتية: مبدأ إقليمية الشريعة والتلازم بين الاختصاصين القضائي والتشريعي، وبالتالي لا تقبل الشريعة تطبيق قانون أجنبي على النزاع المطروح أمام القاضي المسلم، وانعدام التكافؤ النظامي بين الشريعة الإسلامية والقوانين الأجنبية (أو غير الأجنبية) بسبب الحروب التي كانت قائمة بين الإسلام والغرب المسيحي، ولأن الإسلام تحكمه شريعة دينية، بينما الغرب الإسلامي تحكمه قوانين وضعية، أي أن التبادل أو الاشتراك القانوني لا يوجد بين شريعة دينية، وشريعة وضعية.
مشكلة تنازع القوانين
موضحاً قائلاً: الواقع أن هذا الرأي لا يمكن قبوله لما يلى: اعترف الإسلام بوجود قواعد تطبق على غير المسلمين في دار الإسلام دون أن تنتمي إلى شريعته (مثال ذلك شرائع أهل الكتاب الخاصة بالأصول الشخصية)، وأكد الإسلام على وجود علاقات دولية خاصة مع أو بين غير المسلمين عابرة للإقليم الإسلامي، الأمر الذي يحتم وجود قواعد تحكمها، واعتراف المسلمين بوجود بلاد غير إسلامية يعني ضرورة وجود قواعد تحكم العلاقات الخاصة الدولية التي تقوم بين المسلمين أو غير المسلمين، أو تلك التي تتعلق بأشياء موجودة عبر الحدود، وهذا هو أساس القانون الدولي الخاص ومشكلة تنازع القوانين: وجود عنصر أجنبي في العلاقة القانونية تتكالب على حكمه قوانين عدة، ومن الثابت أن الزواج بالكتابيات غير المسلمات أمر أباحته الشريعة الإسلامية ومن ثم أجازه المذهب الإباضي، وقد نظم القانون العمانى هذا الأمر فى قانون إقامة الأجانب في سلطنة عمان (المادة 19) حيث نص على أن:”ننتهي إقامة زوجة العماني الأجنبية بانقضاء العلاقة الزوجية، وعليها مغادرة البلاد. ما لم تبد أسبابًا تقبلها السلطة المختصة، ويشترط وجود كفيل لها بالسلطنة”، وسوف نلقى الضوء على الحلول التى تبناها كل من الفقه الاسلامى والقانون الوضعى لمختلف المسائل التى يثيرها الزواج وسوف يتضح لنا من خلال هذه المقارنة مدى التطور الذى وصل إليه الفقه الاسلامى فى هذا الشأن والذى سبق فيه الفقه والقانون فى الدول الحديثة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.
أربعة مطالب رئيسية للبحث
واستناداً الى ما تقدم سوف نقسم الورقة العلمية الحالية على النحو التالى: المطلب الأول: انعقاد الزواج، والمطلب الثانى: آثار الزواج، والمطلب الثالث: انقضاء الزواج.
المطلب الأول ـ انعقاد الزواج: تطبيق القانون الشخصى للزوجين: يعتبر الدين هو الأمر الذي يحكم مسائل الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامى بصفة عامة وهو مايعد تطبيقًا لمبدأ شخصية القوانين، حيث الزواج من الحقوق الأساسية للإنسان، مسلماً أو غير مسلم الذي ورد في أكثر من آية من آيات القرآن الكريم:(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الرُّوم ـ 21)، وقوله تعالى:(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ..) (النحل ـ 72)، لذلك تنص المادة (4) من قانون الأحوال الشخصية في السلطنة:(على أن الزواج عقد شرعي بين رجل وامرأة، غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوج، علي أسس تكفل لهما تحمل أعبائها بمودة ورحمة)، والقاعدة فى القانون الوضعى تطبيق القانون الشخصى لكل من الزوجين: وتنص فى ذلك المادة (12) من قانون المعاملات المدنية العمانى على أن:”يرجع فى الشروط الموضوعية لصحة الزواج الى قانون كل من الزوجين”، ويطبق القانون الشخصى للزوجين على الشروط الموضوعية للزواج دون الشروط الشكلية، غير أنه يلاحظ أنه أحياناً يكون ابرام الزواج فى الشكل الدينى من قبيل الشروط الموضوعية اذا كانت شريعة غير المسلمين تعتبر الشكل أمراً موضوعياً لأن القاعدة أن نترك غير المسلمين وما يدينون فى مجال علاقات الأحوال الشخصية، واذا عرض على القاضى المسلم أمر زواج بين رجل غير مسلم وامرأة مسلمة وكان الزوجان ينتميان بجنسيتهما الى دولة يجيز قانونها هذا الزواج وجب على القاضى المسلم استبعاد تطبيق القانون الشخصى للزوجين, لأن مانع اختلاف الديانة أمر يتعارض مع النظام العام فى الدول الاسلامية.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى