الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (141)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (141)

الـتاريخ مـرآة الأمـم يسـتـدل به عـلى ما سـجـله مـن أحـداث ومـواقـف وعـبر وعـظـات لما رأى المسـلمـون عـدل عـمـر ومحـاسبته لـنفـسه قـبـل عـمـاله ابتعـد الناس عـن الظـلـم

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق ورسـول الحـق إلى الخـلـق (صلى الله عـلـيه وسـلم) وعـلى آله وصحـبه ومـن تبـعـهــم، بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصولاً عـن الصلاح والإصلاح، والـذي لم يـكـن صالحا في نفسه لا يمـكـن أن يصلح غـيره، ففاقـد الشيء لا يعـطـيه، وما أرسـل الله الـرسـل ولا أنـزل الكـتب إلا بالصلاح والإصلاح، قال تعالى:(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعـراف ـ 56) .. نسأل الله أن يجـعـلـنا مـن الصالحـين المصـحـين، الـذين ينفعـهـم الله بـذلك في الـدنيا والآخـرة، وأن يـوفـقـنا للعـمـل الـذي يـقـربنا إلى حـبه، وحب مـن يحـب وما ذلك عـلى الله بعـزيـز.
الـتفـكـر والتـدبـر
إنه لا شـك أن الـتاريخ هـو مـرآة الأمـم، يسـتـدل به عـلى ما سـجـله التاريخ مـن أحـداث ومـواقـف وعـبر وعـظـات، عـلى ما كانت عـليه تـلك الأمـم مـن الـمـواقـف، سـواء منها الإيجـابية أو السلبية، وجـاء قـولهـم:(التاريخ مـرآة الأمـم، والله سـبحانه وتعالى قال في كتابه العـزيـز:(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف ـ 111)، وأمـرنا بالسير في الأرض للـتفـكـر والتـدبـر، وأخـذ العـبرة مـن الـواقـع الـذي عاشه القـوم قـبلـنا، قال الله تعالى:(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النمـل ـ 69)، وقال تعالى:(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) (غـافـر 21 ـ 22).
وحتى لا نبتـعـد كـثيراً عـما مـن شـأنه أن يـقـربنا إلى الله، وحتى نكـون عـلى بينة مـن الأمـر، وقـد قامـت الحـجـة عـلينا بـما عـرضه الله عـلينا مـن سـير وتاريخ تلـك الأمـم، وأن نـدرك بأن الله سبحانه وتعالى رحمة بنا، ما كان عـرضه لـتـلك المـواقـف والأحـداث للتسلي بـل لأخـذ العـبرة والاسـتفـادة في حياتنا الفانية، والله لا يظـلم الناس شـيئاً ولـكـن الناس أنفـسهـم يـظـلمـون، قـال الله تعالى في (سـورة الـعـنـكـبوت ـ الآية 40):(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
ولـقـد فـقه سـلفـنا الصالح مـن هـذه الأمة العـظـيـمة ، تلك المـواقـف العـظـيـمة عـلى أنها معـالم عـلى طـريـق الحـياة القـصيرة الفانية، فاتخـذوا منهـج الحـق طـريقـا يسـيرون حسب أوامـره ونـواهـيه، وسـدوا كل مسـلك مـن سـائر المسالك التي تبعــدهـم عـن الطـريـق المستقـيـم، الـذي لا يـرضاه الله تعالى لعـباده.
قـال الله تعالى:(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام ـ 153).
ونـريـد أن نسـتعـرض بـعـض النماذج مـن مـواقـف الخـلـيـفـة العـادل عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ وشـدة مـواقـفـه مـع عـماله ومحـاسـبتهـم فـلقـد كان أمـير المـؤمنين عـمـر بن الخطاب شـديـد المـراقـبة لـعـماله، كـثير السـؤال عـن سـيرتهـم وأخـبارهـم، ويبـث العـيـون عـليهـم لمـتابعـهـم ومعـرفة أخـبارهـم، لـيـقـيـم الحـجة عـليهـم، فـلا يـتـرك شـيئا من سـوء تصـرفهـم إلا حـاسبهـم عـليه.
التـثبـت في الأمـر
مـعـناه أن لا يتعـجـل في العـقـوبة، حتى يـتيـقـن ويـتـثـبت مـن الأخـبار، فـلا يـدع لـلـشـك مجـالاً، ولا يغـفـل أن يـرسـل إلـيهـم الأوامـر تبـاعـاً أن يـعـدلـوا ولا يظـلـمـوا ولا يأخـذوا أحـدا بالظـنـة، بـل يطـلب منهـم التأكـد قـبـل العـقـاب، وليحـذروا مـن البغـي والعـدوان لهـوى النـفـس، ولما غــدر الهـر مـزان بعــد العـهـد خـشي أمـير المـؤمـنـين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ أن يـكـون ذلـك الـغــدر سـبـباً مـن سـوء مـعـاملة عـماله لـه، أو مـن ظـلـمهـم فاستـقـدم وفــدا مـن البـصـرة فـيهـم الأحـنف ابن قـيـس التمـيمي ، وسـأله عـن غـدر الهـر مـزان أعـن ظـلـم حـصـل له؟ فـقال الأحـنـف: لا فـكـتـب إلى عـتبـة بن غــزوان زيـادة للتـحـري وللـتأكـد ومـبالغـة في التحـري، لأن الله يـقـول في كـتابه العـزيـز:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجـرات ـ 6).
العـدل أساس الملك
فـلما رأى المسـلمـون عـدل عـمـر ومحـاسبته لـنفـسه، قـبـل محـاسـبته لعـمـاله، ابتعـد الناس عـن الظـلـم، وكان يـوصي عـماله بتـقـوى الله ويحـذرهـم الظـلم والغــدر، فـهـو يخـاف أن يـدال عـليهـم لـغــدر أو بـغـي يـكـون منهـم، ويـقـول لهـم: إنـمـا أدركـتم مـا أدركـتم مـن العــزة بالله وحـده، وعـلى عـهـد عـاهــدتـم الله عـلـيه وقـد تقـدم إلـيـكم فـيـما أخـذ عـليـكم من المـواثـيـق والـعـهـود، فـأوفـوا بعـهـد الله وقـومـوا عـلى أمـره، يـكـن لـكـم عـوناً وناصـراً، وخـطـب أمـير المـؤمنيـن عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ الناس يـومـاً، فـقـال:(أيها الناس إني والله ما أرسـل عـمالي إلـيـكـم، ليـضـربـوا أبـشـاركـم ولا لـيأخـذوا أمـوالـكـم، ولـكـني أرسلهـم إلـيـكـم ليـعـلـمـوكـم ديـنـكـم، وسـنة نـبـيـكـم ويقـضـوا بيـنـكـم بالحـق، ويحـكـمـوا بـيـنـكـم بالعــدل، فـمن فـعـل به شـيء سـوى ذلك فـلـيـرفـعـه إلي، فـو الـذي نفـس عـمـر بـيـده لأ قــصـنه مـنه، وكـيـف لا أقـصـنه؟، وقـد رأيـت رسـول الله (صـلى الله عـليه وسـلم) يـقــص مـن نفـسه، ألا لا تضـربـوا المسلـمـين فـتـذلـوهـم، ولا تجـمـروهـم فـتـفـتـنـوهـم، ولا تمـنـعــوهـم حـقـوقـهـم فـتـكـفـروهـم، ولا تـنـزلـوهـم الغـياض فـتـضـيعـوهـم)، وروى أبـو رواحـة قـال: كـتـب أمـير الـمـؤمنـين عـمـر بن الخـطـاب ـ رضي الله عـنه ـ إلى عـماله:(اجـعـلـوا الناس عـنـدكـم في الحـق سـواء، قــريـبهـم كـبعـيـدهـم وبعـيـدهـم كـقـريبهـم وإياكـم والـرشـاء والحـكـم بالهـوى، وأن تأخـذوا الناس عـنـد الغـضـب، فـقـومـوا بالحـق ولـو سـاعـة من نهـار، خـير لـكـم من الـدنيا وما فـيها).
الابــتـعـاد عـن الظـلـم
وكان عـمـر بن الخـطـاب ـ رضي الله عـنه ـ يأمـر عـماله في كل سـنة أن يـوافــوه في المـوسـم، ومن كانـت له شـكـوى أو مـظــلـمة جـاء إلى مـوسـم الحـج ورفـعـها عـلى العـامـل بحـضـرته، وهـناك تـرد إلى المظـلـوم ظـلامـته، ويـنـصـف من خـصـمه، فـكان العـمـال يخـافـون الافـتـضاح في مـوسـم الحـج عـلى رؤوس الأشـهاد، فـيحـد بهـم ذلك الخـوف إلى الابــتـعـاد عـن الظـلـم، ولـقـد أحـضـر عـمـر بن الخـطاب كـثيرا مـن عـماله، الـذين لهـم فـضـل عـظـيـم في الفـتـوحـات الإسـلامـية، وأثـر كـبير في نصـرة الـدين الإسـلامي الحـنيـف، فـهـذا سـعــد بن أبي وقـاص من أخـوال الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، فاتـح القادسـية (الـمـدائـن) والعـراق، اشـتكى عـليه بعـض رعـيته ، فأرسـل أمـير المـؤمنين عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ محمـد بن مسـلمة، يحـقـق في تلك الـشـكايـة عـلناً، وجـاء بسـعــد وخـصـومه إلى عـمـر فـوجـده بـريئـا مـن كل ما نسـب إلـيه، ومـع ذلك فـعـمـر عـزله احـتـياطـاً، وأوصى عـمـر بن الخـطـاب عـنـد وفـاته أن يـولى سـعــد لأنه لـم يـعـزله لخـيانة أو جـنايـة، أوعـن سـوء تصـرف، وهـذا المغـيرة بن شـعـبة كان أمـيرا عـلى البصـرة، وهـو ذو بـلاء في الإسـلام وعـناء في نصـرة الـدين وفـتـوح فـارس .. وغــيرها، اتهـمه بعـض مـن كان مـعـه بتهـمة شـنـيعـة، فـلم يلـبث عـمـر أن أرســل إلـيه كـتابا عـاتبـه فـيه واستحـثه عـلى الـقـدوم وعــز له وأمـر غـيره.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى