الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : منتدى الدوحة .. وأزمة حقوق الإنسان العالمية

العين .. الثالثة : منتدى الدوحة .. وأزمة حقوق الإنسان العالمية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كان يفترض أن نكون في هذه اللحظات في العاصمة القطرية، الدوحة، تلبية لدعوة لحضور منتدى الدوحة ومؤتمر إثراء المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط، لكن ظروفا حالت في اللحظة الأخيرة دون ذلك، ويحضر ويشارك في هذا الحدث المتعدد الأنشطة رؤساء دول وحكومات وشخصيات سياسية وفكرية عالمية تنتمي لمختلف الأيديولوجيات السياسية والفكرية، يجمع لمدة ثلاثة ايام، صناع القرار السياسي والاقتصادي والمؤثرين فيه والمؤطرين ومشكلي الرأي للتباحث حول أهم القضايا التي تهم الشرق الأوسط، وهذا يعني تداخل السياسة مع الاقتصاد في مكان وزمان واحد، فمنتدى الدوحة سيعنى بقضايا سياسية، بينما المؤتمر سيعنى بالجانب الاقتصادي في ارتباط منطقي وموضوعي يعكسان لنا الوعي السياسي لمنظمي المنتدي والمؤتمر بمدى تلازم البعدين السياسي والاقتصادي وتلاقيهما وجوبا خلال المرحلة الجديدة التي تمر بها للمنطقة.
ومن بين أهم القضايا التي تستحوذ على اهتمام المنتدى والمؤتمر، موضوع الديمقراطية، بناء ما بعد التغيير، وسوف يحاضر فيه شخصيات عالمية على رأسهم دومنيك دوفيلبان رئيس وزراء فرنسا الاسبق وجاسيك بروتاسويتش نائب رئيس البرلمان الأوروبي، وموضوع حقوق الإنسان، وموضوع التنمية، وسوف يتحدث فيها عدد من الشخصيات أبرزهم، ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا الأسبق، وشاهد مالك وزير التنمية الدولية السابق البريطاني، وموضوع الإعلام، اي سلطة رابعة رقمية ودورها في خلق الاستقرار أو الفوضى السياسية، وهناك كذلك قضايا سياسية معاصرة سيتم التباحث بشأنها مثل، الاستقرار الاقليمي ودور الدول في ترتيبات الأمن والتعاون الإقليمي، والصراعات الدينية والطائفية المتطرفة والمستقبل، والسياسات الجديدة في الشرق الأوسط في ضوء تراجع الديمقراطية والتحالفات المضادة للإصلاح، كما أن هناك ورش عمل سوف يتم عقدها على هامش هذين الحدثين، ابرزها، تشغيل الشباب، وتعزيز الوظائف للنساء، والزيادة الاجتماعية وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، ولم نكن نتطلع لحضور المنتدى والمؤتمر في نسختهما (14) مثل ما نتطلعه الآن، لماذا؟ لأن قضية حقوق الإنسان وحرياته لم تعد اشكاليتها تطرح داخل منطقتنا فقط، وإنما كذلك العالم كله بما فيه الدول الغربية، بحيث يمكن القول الآن، بأن العالم يعيش الآن في أزمة حقوق الإنسان، وهي أزمة حقيقية، تعيشها حتى أقدم الديمقراطيات العالمية، بل هذه الأخيرة هي التي فجرتها تحت دواعي الأمن اولا، فماذا سيكون ثانيا؟ طبعا لم تكن حقوق الإنسان ثانيا، كما لم تحتل اية مركز متقدم في الأولوية، وكأن الدول ونشطاءها السياسيين قد كفروا بها، وقد تأكد للواهمين حقيقة ان دفاع دولا كأميركا وفرنسا وبريطانيا لحقوق الانسان وحرياته سابقا لم يكن سوى بمثابة ضغوطات على الأنظمة العربية من أجل ابتزازها سياسيا واقتصاديا، وقد نجحت بامتياز طوال القعود الماضية، واللافت في أزمة حقوق الإنسان تراجع فعالية مؤسسات وادوات حقوق الإنسان التقليدية سواء العالمية منها أو الخاصة، بحيث لم نر أو نسمع اصواتها منذ فشل ديمقراطية ما يسمى بالربيع العربي، كيف اختفت فجأة؟ فعلا كما قال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، لقد تغيرت فعلا قواعد اللعبة، فالغرب هم منشؤها ـ اي اللعبة ـ وهم مغيروها حسب امزجتهم السياسية ومصالحهم الاقتصادية، فحقوق الانسان لم تكن في السابق سوى لعبة اسم على مسمى، تلعبها الدول الكبرى للابتزاز، ويلعبها النشطاء السياسيون المحليون والعالميون ـ ليس الكل طبعا ـ من أجل المال أو المنصب، لكن اللعبة على مستوى الدول قد تغيرت تماما، فأصبحت ازمة حقوق الانسان وحرياته أزمة حقيقية تعاني منها حتى الدول الكبرى، وتهدد عروش انظمتها، مما دفع بهولاند في فرنسا إلى تشكيل حكومة حرب بعد أن فقد الملايين من الفرنسيين حقهم في العمل، ودراسة بريطانية تكشف أن (40) في المئة من الباحثين عن العمل الشباب واجهوا أعراضا نفسية من بينها التفكير في الانتحار، ومشاعر كراهية الذات، ونوبات الفزع، كنتيجة مباشرة لمشكلة الباحثين عن العمل، فعلا اللعبة تغيرت، فأصبحت الدول الكبرى شأنها شأن الدول النامية الأخرى بل أسوأ، ليس هناك افضلية لأحد هنا، الكل سواء، فدول المنطقة كانت تتحجج بالأمن في قمعها الحقوق والحريات دون أن تعطي للمتهمين والمشبوهين اية حقوق وحريات، والشيء نفسه يقدم عليه الغرب الان اثناء مكافحته الارهاب مما ادى إلى الحاق أضرار جسيمة بحقوق الانسان، والامثلة الجديدة التي نقدمها هنا كثيرة، مثل تسليم المعارضين لدولهم مما قد يعرض حقهم في الحياة للخطر والتعذيب والمواقع السوداء، وانحسار الحريات المدنية في رد فعل الدول على الهجمات الإرهابية .. ما بدا لنا ان العصر الذهبي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية في الغرب وكأنه قد انتهى أو في طريقه إليه.
من هنا نتساءل، هل ستصبح حقوق الإنسان بمثابة ديكورات أو كما يسميها البعض بالإكسسوارات خالية من أية قيمة جوهرية؟ هذا التساؤل نطرحه في ظل تزايد الانتهاكات مما قد يعمق أزمة حقوق الإنسان في أوروبا التي أصبح أهم تداعياتها السياسية صعود الأحزاب المتطرفة وتأثيرها على السياسة العامة، فإلى أين يسير الغرب بحقوق الإنسان؟ وكيف يظل صامتا وأحيانا مساهما في فشل ديمقراطية ما يسمى بالربيع العربي؟ وكيف ذابت فجأة مؤسسات حقوق الإنسان التقليدية التي كانت تشكل عنصر انزعاج لحكومات المنطقة؟ وكيف يتوقع من الاستبداد الجديد أن يخلق ديمقراطية حقيقية جديدة؟ تساؤلات كثيرة كنا سوف نطرحها بصوت مرتفع على منتدى الدوحة ومؤتمر إثراء المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط وورش عمله المتخصصة، لكن رحلة الفجر المباشرة من صلالة إلى الدوحة لم تكن في صالحنا.

إلى الأعلى