الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مسيرة العقل

مسيرة العقل

أ.د. محمد الدعمي

”إن تباين فلسفات التربية والتعليم في العالم العربي على نحو عمودي من عام لآخر، زيادة على تباينها الأفقي من دولة لأخرى يقود إلى مشاكل ثقافية وفكرية شائكة تكون مسؤولة عن “أزمة المثقف العربي” المسكين الذي يلقن شيئاً في المدرسة الإبتدائية، وسرعان ما يلقن شيئاً معاكساً في المدرسة الثانوية، حسب ما مر ذكره من متغيرات سياسية واجتماعية.”
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد قضاء أكثر من ربع قرن بالخدمة في المؤسسات الجامعية العراقية والعربية، من بين سواها، لم أتمكن من الظفر بمسببات تخرج شبيبتنا العربية على النحو غير الواعد الذي نراه في أحيان كثيرة. إذ يكون المتخرجون نماذج للارتباك وعدم التيقن، ناهيك عن ظواهر التحولية والتقلب والمزاجية. وإذا كان المرء قادراً على وضع الافتراضيات لتفسير هذه الحال المؤسفة، فإن له أن يركز على الافتراضية الأقوى المتمثلة في ارتباك “مسيرة العقل” في العديد من دولنا العربية التي عانت وتعاني من التذبذب وعدم الاستقرار.
إنه لمن الطبيعي أن يربط المرء مسيرة العقل الفتي والناشء بالكتب والمناهج الدراسية التي “ضخت” محتوياتها نحو ذلك العقل عبر مراحل الدراسة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية؛ ومن ثم الجامعية وما بعد الجامعية الأولية. وإذا كنا نتذمر، في ستينيات وسبعينيات القرن الزائل، من أن كتب الأدب العربي التي ندرسها من صف إلى صف كانت من تأليف أسماء معينة، تتكرر في كل مرحلة، فإن هذه الحال، برغم سلبياتها، أفضل بكثير من تحطيم الأعمدة الفكرية والنظرية في دواخل العقل الناشء عن طريق التغيير المتتالي (شبه السنوي) للمناهج، تناغماً مع متغيرات الفلسفة التربوية التي يعتمدها الوزير أو حكومته، هذه معضلة تلقي بظلالها على التوازن النفسي والعقلي للشبيبة والنشء لأن عقول هؤلاء الفتية، بكل ما تكمن عليه من فطنة وذكاء، بل وحتى دهاء أحياناً تعجز عن المحافظة على توازنها بعد كل تغيير جذري يتم إجراؤه على الكتب المدرسية ولجان تأليفها وأطقم تدريسها: فكيف تتأمل من الخريج الذي تعرض لأنواع “الضخ” المتذبذب المعرفي والتربوي، حسب تقلبات الوضع السياسي والاجتماعي وأهواء أولي الأمر، أن يكون خريجاً متوازناً يمتاز بالاستقرار النفسي والفكري؟
وإذا كانت أغلب مناهجنا المدرسية مستوحاة من “حلم وسيط”، وأقصد به الحلم الذي يقودنا المعلمون بموجبه إلى التسليم بمثالية الماضي العربي الإسلامي، فكيف يمكن أن نتوقع من ذكاء أبنائنا وإبداعهم أن يحاول الإتيان بالجديد، اي بالمبتكر؟ هذا محال لأنك عندما تعده لاحتضان مسلمة أن الماضي كان أفضل من الحاضر، فلا ينبغي أن تتوقع منه أية شذرات ابتكار أو تفكير مبدع، لأنه سيبقى حبيساً في صومعة مظلمة لا تضيئها الشمس، يتشبث بالماضي الطللي.
إن تباين فلسفات التربية والتعليم في العالم العربي على نحو عمودي من عام لآخر، زيادة على تباينها الأفقي من دولة لأخرى يقود إلى مشاكل ثقافية وفكرية شائكة تكون مسؤولة عن “أزمة المثقف العربي” المسكين الذي يلقن شيئاً في المدرسة الإبتدائية، وسرعان ما يلقن شيئاً معاكساً في المدرسة الثانوية، حسب ما مر ذكره من متغيرات سياسية واجتماعية.
بل إن الأخطر يتمثل في أن المخرجات النهائية لعملية هضم وتمثيل هذه المدخلات المتغيرة تلقي بظلالها على طريقة تفكير شبابنا وشاباتنا الذين يمكن أن يلوذوا بالتقلب وبالخلل بناء على ذبذبة غير متواترة أو مستقرة فرض عليهم التعاطي والتناغم معها عبر المراحل الدراسية المتنوعة.
إن “مسيرة العقل” تمثل أهم تحدِ أمام كل مخطط تربوي وقائد تعليمي، ليس فقط في البلد العربي المعين، وإنما على مستوى جميع البلدان العربية، إذ ينبغي لجامعة الدول العربية إذ تخطو الخطوات الأولى والأساس على سبيل توحيد الفلسفات التربوية في الدول العربية، ثم إعتماد الناتج الموحد لتأليف كتب مدرسية ترقى بنفسها فوق النزوات المتقلبة والأهواء المتغيرة، خاصة في عالمنا العربي الذي تجتاحه العواصف الهوجاء من كل حدب وصوب. خير لـ”بيت العرب” العناية بمثل هذه الأساسيات القومية مما شاب اهتماماتها من نكوص توافقاً مع المؤقت والزائل.

إلى الأعلى