الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نقش على حجر فلسطيني ـ اللجوء

نقش على حجر فلسطيني ـ اللجوء

نواف أبو الهيجاء

”الليلة طالت .. والطفل لا يدري ما يفعل. تعب ابوه وتعبت أمه من الثقل. جواد ابي مصباح كان قربهم. الرجل حمل الطفلين ووضعهما على ظهر الجواد .. وفي عتمة الليل كان الناس يعبرون (عارة وعرعرة) واحيانا تحت ازيز رصاص ما يلب ان يصمت. انبطاح ثم نهوض وبكاء ومناداة ومناجاة وادعية: يارب سلم .. يا لطيف ويا حفيظ.”
ـــــــــــــــ
في الذاكرة الطرية لطفل السنة الخامسة والنصف من العمر انه حمل ذات صباح في مايو 1948 وان شقيقته الأصغر منه لعامين حملت ايضا. الوالد حمل الولد والام حملت البنت.
كان كل شيء مبهما في ذهن الطفل الفلسطيني سوى امر وحيد: هم ذاهبون إلى (الدالية) عند رجل شيخ اسمه (ابو نواف). وان المسافة يجب ان تقطع مشيا على الاقدام. لم يكن الاب يحمل أي شيء ولا الام سوى الطفلين. الهم الوحيد كان انقاذ الطفلين. وانتظار الفرج ـ للعودة إلى الدار في (عين حوض).
الآلاف من أبناء القرى المجاورة كانوا يتهيأون للخلاص من حمى المجازر التي تصل انباؤها من انحاء فلسطين: الشتيرن والهاغاناه والارغون وغيرهم من العصابات الصهيونية يقترفون الفظائع والمجازر .. يقتلون ويدمرون ـ ويلوثون شرف البنات .. (كله الا العرض): كان الوالد يردد.
بداية الهجرة هي ـ بداية اللجوء ـ في مايو 1948.
في تلك الليلة السوداء ليلة 15 مايو أعلنوا قيام (دولة اسرائيل). وفي الوقت عينه أعلنت العرب ان جيوشها ستدخل الحرب … سبعة جيوش عربية. الوالد يردد المسألة على ما يبدو لن تطول. علينا الانتظار هنا في الدالية.
الصدور استقبلتنا في الدالية بحرارة. كان الوالد قد أسهم مع شقيقيه في بناء عدد من الدور في الدالية ومن بينها دار (الشيخ) وكان ابنه (نواف) ولما كان الوالد قد احب الطفل نواف فلقد اسموه (ابا نواف) قبل ان يتزوج.
وحين تزوج وانجب بعد ست سنوات ابنه اسماه (نواف). وسعادة كبيرة للشيخ ان يستقبل الصغير وسعادة لابن الشيخ ان يستقبل الصغير.
والهم الكبير كان: أين يذهب أهل القرية؟ انهم في الوعر الآن بعد ان تم احتلال (عين حوض) للمرة الثانية. لم تستطع النجدات ان تحررها فالقرى القريبة (اجزم وجبع وعين غزال) كانت تتعرض للهجمات. و(الطيرة) تدافع وتقدم في معركة واحدة سبعين من ابنائها. عين حوض قدمت ابنها (عطا) المسلح الوحيد من ابنائها. كان (شرطيا) ومعه بارودة. قاتل ودافع حتى النفس الأخير. قبل الهجوم الأخير على القرية كان الأهل يحرسونها ليلا وهم يحملون (العصي) وقد حفروا ( الاستقامات ـ الخنادق). وكانوا يتناوبون في الحراسة. ولم يسأل أي منهم عما يمكن للعصا فعله في مواجهة البنادق والرشاشات.
لكن القوة تغلبت على الصدور العارية. تساقطت القرى الواحدة تلو الأخرى وتجمع الناس في البرية. سمعوا ان الجيش العراقي استعاد (جنين) فقرروا التوجه جميعا إلى (جنين). جاء من الأهل من يبلغ الدالية ان الجميع قرروا التوجه ليلا إلى (جنين).
التحقنا بالناس .. كانت كأنها ليلة الحشر، الازدحام .. والصراخ والبحث عن مفقودين. الخلق كلهم معا في فوضى مرسومة تماما والدليل يقودهم إلى طريق آمنة في اتجاه جنين. البشر والأنعام وكل ما يستطيع الانسان حمله من متاع قليل هو لكنه كان ضروريا.
الليلة طالت .. والطفل لا يدري ما يفعل. تعب ابوه وتعبت امه من الثقل. جواد ابي مصباح كان قربهم. الرجل حمل الطفلين ووضعهما على ظهر الجواد .. وفي عتمة الليل كان الناس يعبرون (عارة وعرعرة) واحيانا تحت ازيز رصاص ما يلب ان يصمت. انبطاح ثم نهوض وبكاء ومناداة ومناجاة وادعية: يا رب سلم .. يا لطيف ويا حفيظ.
اكان فجرا عندما اجتاز الالاف شارعا كانت تحرسه مدرعتان وثمة اصوات من مكبر تصرخ: لا تخافوا … نحن نحرس عبوركم إلى الجانب الآخر.
اللجوء كان تحت الشجر في جنين. وليس ثمة الا العراء والبكاء والقهر. ولم يكن الطفل يدري ان اول اللجوء لجوء وربما يتكرر اكثر من مرة وحتى آخر العمر.

إلى الأعلى