الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يعمل من أجل أزمة المناخ؟

من يعمل من أجل أزمة المناخ؟

كوفي عنان

”إن الانسحابات التي لم يسبق لها مثيل في محادثات المناخ بوارسو ـ أولا، من ممثلي معظم الدول النامية، ثم من قبل جماعات حماية البيئة والمنظمات غير الحكومية ـ تكشف عن وجود مستوى متزايد من الإحباط بسبب ما يتصوره كثيرون من عدم وجود قيادة سياسية في وقت تشتد الحاجة إليها أكثر من غيرها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفقة اللحظة الأخيرة في مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ في وارسو تبقي الآمال حية في التوصل إلى اتفاق شامل يخلف بروتوكول كيوتو لعام 1997. ولكن لنكن صرحاء: ستكون هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسما بكثير إذا أردنا أن نحصل على أي فرصة لصد أخطار تغير المناخ.
لدينا الآن فرصة أخرى، في العام المقبل في بيرو، لإحراز تقدم نحو اتفاق أكثر موضوعية قبل مؤتمر باريس 2015 الحاسم. حتى قبل ذلك، سيكون من المهم بالنسبة للحكومات وضع المصالح الوطنية الضيقة جانبا من أجل ضمان الوفاء بالتعهدات التي قدمت في مؤتمر كوبنهاجن 2009 ـ للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 2 درجة مئوية، أو 3.6 درجة فهرنهايت، مقارنة مع مستويات ما قبل التصنيع.
إن الانسحابات التي لم يسبق لها مثيل في محادثات المناخ بوارسو ـ أولا، من ممثلي معظم الدول النامية، ثم من قبل جماعات حماية البيئة والمنظمات غير الحكومية ـ تكشف عن وجود مستوى متزايد من الإحباط بسبب ما يتصوره كثيرون من عدم وجود قيادة سياسية في وقت تشتد الحاجة إليها أكثر من غيرها. وكان واضحا قبل هذه الجولة الأخيرة من المحادثات في العاصمة البولندية أن حكومات العالم يجب أن تحرز تقدما حقيقيا باتجاه اتفاق مناخ طموح وعالمي وملزم قانونا لاعتماده في عام 2015.
من الضروري أن تبدأ الحكومات الإلغاء التدريجي للدعم المخصص للوقود الأحفوري، والذي يمثل حاليًّا حوالي 485 مليار دولار سنويا، ويفوق بكثير الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة. ولئن كان خفض الدعم يشكل قضية بالنسبة للبلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، فإنه يبقى صحيحا أن مجموعة دول الـ20 تمثل 78 في المئة من انبعاثات الكربون العالمية الناتجة عن احتراق الوقود في عام 2010.
ماذا بعد؟ إذا كانت الحكومات غير راغبة في أن تقود عند الحاجة للقيادة، فعلى الشعوب أن تقود. نحن بحاجة إلى حركة شعبية عالمية تتعامل مع تغير المناخ وانعكاساته. في أستراليا، ثمة مبادرة تهدف إلى الوصول إلى عضوية مليون امرأة لاتخاذ خطوات صغيرة في حياتهن اليومية لخفض الانبعاثات. في الهند، هناك مشروع لجلب الطاقة الشمسية للأحياء الفقيرة، مما يخلق أيضا فرص عمل خضراء. في جواتيمالا، تتجه المزارعات لغرس الأشجار لعزل الكربون وتحسين تقنيات الزراعة. في المكسيك، تم تدشين برنامج صديق للبيئة لتوفير أموال لبناء مساكن موفرة للطاقة.
على الرغم من هذه المبادرات المشجعة، لا بد للمواطنين من الضغط على حكوماتهم من أجل التوصل إلى حلول مستدامة وطموحة، وليس فقط مؤقتة. تغير المناخ يجب أن يدخل في أي سياسة جديدة، سواء في التنمية أو قطاع الطاقة، بل يجب أن يحدد الطريقة التي نبني بيوتنا والطريقة التي تتم بها هيكلة اقتصادنا. التفكير الأخضر لا يمكن أن يكون مسؤولية حصرية لبعض الناشطين بيئيا، في حين أن بقيتنا يذهب للعيش كما لو أنه ليس هناك غد.
في نهاية المطاف، العلم وراء تغير المناخ واضح جدا. فكما أوضح الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، وهي الهيئة العالمية الرائدة لتقييم تغير المناخ، بشكل لا لبس فيه: “احترار النظام المناخي لا لبس فيه، ومنذ الخمسينيات في القرن الماضي، حدث العديد من التغيرات الملحوظة التي لم يسبق لها مثيل على مدى آلاف السنين. فقد ارتفعت حرارة الغلاف الجوي والمحيطات، وتضاءلت كميات الثلوج والجليد، وارتفع مستوى سطح البحر، وازدادت تركيزات الغازات المسببة للاحتباس الحراري . ”
وردا على أولئك الذين يجادلون بأن ظاهرة الاحتباس الحراري هي مجرد عمل من أعمال الطبيعة ولا تتصل بأي شكل من الأشكال بالنشاط البشري، قالت الهيئة: ” من المرجح جدا أن التأثير البشري كان السبب المهيمن للاحترار المرصود منذ منتصف القرن الـ 20 .” إنه السبب المهيمن وليس فقط احد الاسباب .
نتيجة لذلك، من المنتظر أن نشهد أنماط طقس أكثر حدة مثل الجفاف والعواصف والفيضانات وموجات الحرارة. وكما رأينا، قبل أيام قليلة من مؤتمر وارسو، الآثار المدمرة لإعصار هايان في الفلبين، فإن أولئك الذين تحملوا وطأته هم الفئة الأكثر فقرا وضعفا. وأقول ينبغي لنا أن نتوقع أن نشهد زيادة كبيرة من الأمراض المعدية المختلفة، وخاصة الأمراض المنقولة بالنواقل مثل الملاريا أو حمى الضنك .
في نهاية المطاف، كل واحد منا، سواء من الدول الصناعية أو النامية، سوف يشعر العواقب. في الواقع، لقد بدأ ذلك بالفعل، مثل أولئك الذين شهدوا حرائق الغابات الأخيرة في أستراليا وكاليفورنيا والفيضانات التي شهدتها أوروبا هذا العام. إن تغير المناخ يهدد أمننا، مما أدى إلى تفاقم التوترات التي تؤدي إلى الصراعات العنيفة بينما التدافع على الموارد يتصاعد بشكل خارج نطاق السيطرة.
ولكن اسمحوا لي أن أختتم بنبرة من التفاؤل الحذر: إذا كان العلم يخبرنا بأن النشاط البشري هو المحرك الرئيسي لظاهرة الاحتباس الحراري، فإن عمل الإنسان أيضا يمكن أن يأتي بعكس ذلك. ولكن يجب أن يحدث هذا قبل أن تصبح العواقب المناخية غير قابلة للتعديل، والفشل في التصرف سوف يكون كارثيا.

إلى الأعلى