الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة القيامة “4″

سورة القيامة “4″

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد: اليوم أيها القراء الكرام نكمل ما بدأناه مع سورة القيامة وهي سورة مكية ، وهي تسع وثلاثون آية تتناول بعث الناس وحسابهم، وعن القيامة وأهوالها، ثم طمأنت الرسول “صلى الله عليه وسلم” على جمع القرآن فى صدره، ووجَّهت الردع إلى مَن يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، ووازنت بين وجوه المؤمنين الناضرة، ووجوه الكافرين الباسرة، وتحدثت كذلك عن حال المحتضر، وما كان من تقصيره فى الواجبات حتى كأنه يظن أن لا حساب عليه، وختمت بالأدلة التى توجب الإيمان بالبعث، نسأل الله سبحانه أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وذهاب همومنا وجلاء حزننا
قال تعالى:(يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ، كَلَّا لا وَزَرَ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ، يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) (10 ـ 13).
قوله تعالى : {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} أي يقول ابن آدم ، ويقال : أبو جهل ؛ أي أين المهرب ؟ قال الشاعر :
أين المفر والكباش تنتطح … وأي كبش حاد عنها يفتضح
الماوردي : ويحتمل وجهين : أحدهما “أين المفر” من الله استحياء منه. الثاني “أين المفر” من جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين : أحدهما : أن يكون من الكافر خاصة في عرضة القيامة دون المؤمن ؛ لثقة المؤمن ببشرى ربه. الثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
{كَلَّا} أي لا مفر ف”كلا” رد وهو من قول الله تعالى.. ثم فسر هذا الرد فقال : {لا وَزَرَ} أي لا ملجأ من النار. وكان ابن مسعود يقول : لا حصن. وكان الحسن يقول : لا جبل. وابن عباس يقول : لا ملجأ. وابن جبير : لا محيص ولا منعة. المعنى في ذلك كله واحد. والوزر في اللغة : ما يلجأ إليه من حصن أو جبل أو غيرهما ؛ قال الشاعر :
لعمري ما للفتى من وزر … من الموت يدركه والكبر
قال السدي : كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال ، فقال الله لهم : لا وزر يعصمكم يومئذ مني ؛ قال طرفة :
ولقد تعلم بكر أننا .. فاضلوا الرأي وفي الروع وزر
أي: “ملجأ للخائف”.
{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} أي المنتهى ؛ قال قتادة نظيره : {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} . وقال ابن مسعود : إلى ربك المصير والمرجع. قيل : أي المستقر في الآخرة حيث يقره الله تعالى ؛ إذ هو الحاكم بينهم.
وقيل: إن “كلا” من قول الإنسان لنفسه إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه: {كَلَّا لا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} .
قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ} أي يخبر ابن آدم برا كان أو فاجرا {بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}: أي بما أسلف من عمل سيء أو صالح ، أو أخر من سنة سيئة أو صالحة يعمل بها بعده ؛ قاله ابن عباس وابن مسعود. وروى منصور عن مجاهد قال : ينبأ بأول عمله وآخره. وقاله النخعي. وقال ابن عباس أيضا : أي بما قدم من المعصية ، وأخر من الطاعة. وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: {بِمَا قَدَّمَ} من أمواله لنفسه {وَأَخَّرَ}: خلف للورثة. وقال الضحاك: ينبأ بما قدم من فرض ، وأخر من فرض. قال القشيري:وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال. ويجوز أن يكون عند الموت.
قلت:والأول أظهر ؛ لما خرجه ابن ماجة في سننه من حديث الزهري ، حدثني أبو عبدالله الأغر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره ، وولدا صالحا تركه ، أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه ، أو بيتا لابن السبيل بناه ، أو نهرا أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته” وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره : من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته” فقوله : “بعد موته وهو في قبره” نص على أن ذلك لا يكون عند الموت ، وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن عمله ، وإن كان يبشر بذلك في قبره. ودل على هذا أيضا قوله الحق : {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} وقوله تعالى : {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال. والله أعلم.
وفي الصحيح : “من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شئ”
والله أعلم ..
.. يتبع بمشيئة الله .
(المصدر : القرطبي)

إعداد ـ ام يوسف:

إلى الأعلى