الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا بعد تحرير الموصل…؟!

ماذا بعد تحرير الموصل…؟!

” بعد تحرير الموصل لابد من عمل وطني ديمقراطي يرد على المشككين والمتخوفين، ويجمع كل الطاقات والإمكانات الوطنية المخلصة، الساهرة فعلا لبناء العراق على مختلف الصعد والمستويات واعادة النظر في خطط الاقتصاد والاجتماع والاستفادة من افاق التقدم والعمران، ويضع العراق في مكانته الواقعية في المنطقة والعالم.”

كاظم الموسوي

اغلب المؤشرات والقراءات التي تنشر علنا من مراكز دراسات أو شخصيات فاعلة، عسكرية او مدنية، تؤكد أن قضية تحرير الموصل اصبحت بحكم المنتهية، والاعلان عن الحسم فيها لا يعدو الزمن المنظور كثيرا (خلال العام الحالي 2017 ). بعد انتصارات واضحة للقوات العسكرية بمختلف صنوفها وتقدم ادارة الميدان على كل الحسابات والخطط المبيتة للموقف، علنية او سرية، وتصارع السيناريوهات المرسومة لما حصل ويحصل على الارض. وفي الوقت نفسه تتسابق التساؤلات من تلك الجهات وغيرها من اطراف تراهن او تتراهن عما يحصل بعد التحرير. ومختصرها في السؤال المحوري والمهم لكل المنشغلين في شؤون العراق والمنطقة، العاملين في زعزعته او في استقراره، ماذا بعد التحرير؟!.
بعد انطلاق العمليات العسكرية التي تأخرت لأكثر من عامين في الاستعداد والاعداد والتخبط في القرارات والنداءات والتدخلات المعروفة في سيرها وإعطاء فرصة لما يسمى إعلاميا بداعش بادارة الموصل خلالها، تم الآن ولو بشكل غير مكتمل فهم وتفهم ما جرى وحصل، رغم انه لم يكن مخفيا، لاسيما وأن وسائل الإعلام والتواصل محتفظة بأرشيفاتها ومحتوياتها لتلك الفترة كلها، قبل احتلال ” داعش” وما بعدها، حتى البدء بعمليات التحرير واستمرارها. هذه المعطيات تبين أدوار ووظائف من ساهم وعمل على ما حصل ومن مازال يعمل ويساهم فيما يراد ان يكون في ما بعد تحرير الموصل. ولهذا لا يستغرب من كل الاتجاهات التي تطرح مشاريعها، الموزعة بين دعاوى التقسيم والتفتيت، ومعلوم من خطط لها ويسعى لها، أو بالونات الفيدرالية ومعروف من يرغب بها ويحرض عليها، وبين محاولات ومساع للتسوية والمصالحات المجتمعية، وهو ما يعمل عليها ويراد استمرارها، كما حصل في قرار للبرلمان العراقي في الاصرار على وحدة الأرض والشعب في العراق كله، وخصوصا في محافظة نينوى، بما فيها مركزها مدينة الموصل. وفي كل الأحوال تظل هذه العناوين البارزة اليوم مداخل لما سيكون عليه وضع البلاد وحكم العباد.
هناك من يشكك في عملية التحرير ويوجه آلته الاعلامية للتضليل وتشويه الوقائع وباسماء عراقية او عربية، وهناك من يخطط لاحباط العملية برمتها ويدعو الى مشروعه التوسعي على حساب المصالح الوطنية والقومية للعراق ويعمل من خلال التدخل المباشر، العسكري او بشراء الذمم بمليارات الدولارات، وبالتعاون مع اطراف كانت ومازالت عاملة في دعم ” داعش” وتوفير الخدمات اللوجستية له ولمن يسانده بمختلف الطرق والوسائل. وما يلفت الانتباه هنا خاصة هو التناقض الصارخ بين الأفعال والاقوال، ففي الوقت الذي يفتح اراضيه وحدوده لعصابات الارهاب واحتضانها او يجمع لها التبرعات تحت مسميات مختلفة، او يجهزها بما يلزمها، يزعم انه يشارك في الحرب على الارهاب، ويطالب في قبوله عضوا في التحالفات القائمة تحت هذا العنوان، وهو يعلم ايضا انها لا تختلف عنه في التستر على الإرهاب ومساندته واستثماره لخطط اوسع واكبر مما تدعيه وتذيعه من مخاوفها منه.
التطورات الجارية في حرب تحرير العراق من الإرهاب المعنون اليوم باسم تنظيم داعش، تتطلب قراءة متأنية ومعالجات جدية، وقد تقع اوساط غير قليلة في اوهام ودوافع لا تخلو من نوازع طائفية واثنية واحقاد دفينة رغم التظاهر بعكسها او بغيرها، حسب الأوقات والمناسبات، ووفق الظروف والمقتضيات والحساسيات التي تعبر عن اصحابها ومن ورائهم او ممولهم لأهدافه ومشاريعه. وهنا خطورة الأوضاع والتوجهات لما بعد التحرير. حيث قد لا يمكن ان تكون كما يجب أن تكون. وما يبرز في وسائل اعلام الأطراف المشتركة بشكل مباشر او بغيره بما هو قائم اليوم في العراق يكشف تورطا ورهانات كثيرة، اغلبها لا يخدم المصالح الوطنية العراقية ولا يدفع باتجاهاتها. في الوقت الذي يعني انها تعمل لمصالحها فقط دون حسابات او اهتمامات بالعراق، شعبا وارضا ومستقبلا. ولعل ما طرح في وثيقة ما سمي بالتسوية الوطنية وبمشاركة الأمم المتحدة بها والتشاور مع القوى الإقليمية والفاعلة يعبر عن واقع ما يدور في العراق، سواء في فقراتها أو اهدافها. وهي بما سرب منها اعلاميا توضح المأزق والرهان. حيث “ترتكز الوثيقة على أربعة أسس رئيسة هي: الالتزام الشامل لا التنازل الأحادي، إقرار مبدأ لا غالب ولا مغلوب، تصفير الأزمات، ورفض العنف كحل للخلافات. وترتكز، كذلك، على جملة ثوابت من بينها: التزام وحدة العراق والنظام الديموقراطي، رفض التقسيم تحت أي ظرف والتغيير الديموغرافي حتى الذي أجراه النظام السابق، الاعتراف الرسمي بالعملية السياسية التي تفرضها نتائج الانتخابات والامتناع عن ازدواجية المواقف إزاءها والتحريض ضدها، والتزام الدستور كمرجعية للقوى المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية، وحسم القضايا الخلافية على أساس الدستور؛ مع إبقاء الباب مفتوحا لإمكانية تعديله….”
ما سبق من نص مختصر ببساطة يعكس الصراعات الدائرة والانشغالات القائمة ولكنه يرسم طريقا لما يزل متداولا بسلمية وحوار مفتوح، ومقدمة اولى لمشروع وطني يؤمن سلما اهليا وبناء دولة القانون والمؤسسات، خاصة لمن يهمه الأمر بعد تجربة التمهيد لتنظيم داعش واحتضانه وقبول سيطرته لتلك الفترة ومأساة نتائجها وتداعياتها واخطارها الراهنة واللاحقة، ويعطي دروسا تاريخية وعبرها الناطقة ويعلن ان خلاص العراق بيد ابنائه اذا صفوا النوايا واخلصوا له وصدقوا في العهود والوفاء لدماء الشهداء الذين تقدموا من اجل عراق موحد ديمقراطي حر ومستقل.
ما بعد تحرير الموصل اليوم وغدا واضح جلي، يستند إلى تكاتف الجهود والقوى الوطنية القادرة فعلا على النهوض بمهمات المرحلة وتقدم البلاد، والانطلاق بقوة العمل على التحرير والبناء والتضحية والايثار، ومحاربة الفساد والخراب والمحاصصات القاتلة، وكذلك تطوير وتحسين العلاقات الخارجية (الإقليمية والدولية) على اساس مبدأ حسن الجوار ووفقا لمبادئ العلاقات الدولية، والدفع فعلا الى خطوات جريئة في الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والى التغيير، لا إلى الترقيع والإصلاح الجزئي المتوافق مع مقاسات الكتل السياسية والاحزاب المتنفذة والتي هي بحاجة الى مراجعات جدية في صفحاتها، لاسيما مع تصاعد حدة الأزمة المالية والسياسية وحجم الدمار والخراب الذي لحق بالمحافظات المحررة من ارهاب “داعش”، والمحافظات التي تتكبد كل بلاوي الادارة المتحكمة بالرقاب.
ختاما بعد تحرير الموصل لابد من عمل وطني ديمقراطي يرد على المشككين والمتخوفين، ويجمع كل الطاقات والامكانات الوطنية المخلصة، الساهرة فعلا لبناء العراق على مختلف الصعد والمستويات واعادة النظر في خطط الاقتصاد والاجتماع والاستفادة من افاق التقدم والعمران، ويضع العراق في مكانته الواقعية في المنطقة والعالم.

إلى الأعلى