السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : حيلة الإسقاط النفسي

رحاب : حيلة الإسقاط النفسي

أحمد المعشني

كان المسافرون في أحد المطارات يتأففون ويتذمرون، وأطلق بعضهم العنان لألسنتهم ينتقدون ويوبخون. كل ذلك حدث نتيجة خطأ غير مقصود بدر من بعض الفنيين في المطار. لم يطل التأخير أكثر من دقائق، ولم يحدث مكروه. فقط تأخر العمال قليلا في ربط خرطوم قاعة المغادرة بالطائرة، تخلل ذلك قيام عمال النظافة بعملهم من أجل جعل الطائرة نظيفة وجاهزة لاستقبال المسافرين. عندما اشتد نقد أحدهم كان ينتظر أن أشاركه نقده الهدام. هدأت من روعه، وطمأنته بأن ذلك الموقف لا يمكن اعتباره تأخيرا، فمثل هذا وأكثر منه بكثير عشته في مطارات عالمية كثيرة من الصين إلى الولايات المتحدة؛ فذات ليلة تأخرت رحلتنا من ولاية ميتشغان إلى نيويورك دون أن يلتفت الينا أي شخص للاعتذار أو التبرير، ونفس الأمر حدث في مطار جوانزو في الصين قبل أشهر. وحدث موقف فظيع في مطار خليجي في أحد الصيفيات الماضية بعد أن صعد المسافرون إلى الحافلة متجهين الى قاعة القادمين، لكن الحافلة تسمرت مكانها بسبب ضعف تنسيق حركة الحافلات مع هبوط وصعود الطائرات، كانت مكتظة بالركاب، وصار جميع المسافرين على تلك الرحلة القادمة من ماليزيا ضحايا الإهمال وتعالت أصوات التذمر والاحتجاج بلغات كثيرة. قد يحدث الخطأ أحيانا، والمسوغات قد تكون منطقية ومبررة جدا، للحفاظ على أرواح الركاب. لماذا ننتقد بدون حكمة أو دليل، لماذا لا نعمل؟ على كل إنسان يعاف الخطأ والتقصير أن يجتهد ويتحول من إطار التوبيخ والنقد إلى إطار العمل والمبادرة والإتقان والإخلاص. إن المخولين بالنقد والتقييم يجب أن يكونوا مفوضين بذلك في إطار اختصاصاتهم ومهنهم أو ممن أختارهم المجتمع لهذا الغرض. فهم من يمثلون المواطن أمام جهات الخدمات ومؤسسات النفع العام والقطاعين العام والخاص. وتابعت كلامي مع المتحدث الذي يعمل في مجال المحاماة قائلا: أنا وأنت مهنيون علينا أن نرتقي بعملنا، يجب أن نجود أداءنا، وعلينا أن ننقد أنفسنا، ليس من قبيل جلد الذات، بل من أجل الارتقاء بالأداء. منذ سنوات حضرت دورة في تطبيقات الطاقة الروحية في مجال العمل الإداري، وتعلمت شيئا مهما جدا، وهو أن كل تذمر أو نقد يتحول إلى طاقة سلبية مدمرة تلحق الضرر بالذين يشتكون ويتذمرون دائما، وقد تنتشر تلك الطاقة السلبية كالنار في الهشيم وتلحق الضرر من حيث لا يقصد الذين يقدحون زنادها. إن من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ومن لم يقل خيرا فليصمت، وطوبى لمن شغلته عيوب نفسه عن عيوب غيره.
إن من مظاهر الرقي والانتماء والدفع في الاتجاه الإيجابي هو التركيز على العمل المفيد، والتناصح ونبذ التهجم والنقد المدمر. وعلى كل شخص يرغب في الانتقاد أن يفكر قليلا، هل النقد هو الأسلوب السليم لمعالجة أخطائنا. لم نمكث طويلا ونحن على تلك الحال، فقد دخل جميع الركاب الطائرة بهدوء وتناغم وانسجام، بينما استمر صاحبي يوزع النقد يمينا ويسارا بدون ضوابط ومن غير موضوعية. وعندما لاحظت استماتته في سرد الأخطاء والعيوب، أعرضت عنه فورا وأشحت بوجهي بعيدا.
يعتبر علماء النفس سلوك التشهير وسرد أخطاء الآخرين؛ نوعا من الحيل النفسية اللاشعورية التي يطلق عليها “الإسقاط” وهي من الآليات الدفاعية اللاشعورية التي يمارسها من يفشلون في إدراك أنفسهم ومعرفة خبايا دوافعهم اللاشعورية. فالشخص الذي ينتقد يحتال من حيث لا يشعر على عقله الواعي، فيصرف انتباهه من التأمل في أخطائه، ويلصق التهم جزافا ومن حيث لا يدري ولا يريد بالآخرين، وذلك لحماية ذاته أمام نفسه.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى