الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الأموال الساخنة خطر يهدد الاقتصادات الناشئة
الأموال الساخنة خطر يهدد الاقتصادات الناشئة

الأموال الساخنة خطر يهدد الاقتصادات الناشئة

لا يثمر الاستثمار إلا اذا رافقه استقرار ولا تواصل الاقتصادات نموها بعد نشؤها إلا بتعاملات جادة في أسواقها.. تعاملات لا تدخل بأموال تزيد من سخونة مؤشرات البورصات عند اخضرارها لتغادرها مفاقمة خسائرها حال التحول للون الأحمر لتبحث هذه الأموال الساخنة عن سوق جديد توجد فيه فقاعة جديدة.
فالأموال الساخنة هي السيولة الأجنبية التي تدخل إلى أسواق المال في دولة ما غالبا ما يكون اقتصادها من الاقتصادات الناشئة ذات النمو المتسارع او تلك التي تحظى بدعم حكومي في أسواقها.. ولا يكون لهذه الأموال هدف الا جني ربح سريع معتمدة على الارتفاع المفاجئ للأسهم، والسندات.
وتختفي هذه الأموال مع أول موجة لتصحيح الأسعار مخلفة ورائها انهياراً في السوق.
ويطلق عليها خبراء المال والاقتصاد اسم الأموال الساخنة لأنها تنتقل من مكان لآخر في فترات زمنية قصيرة يساعدها على ذلك عدم وجود تشريعات لتقنين عملها كما أن ضخامتها تجعل منافسة المستثمرين المحليين والأجانب الجادين، لها غير متكافئة لتحقق هذه الأموال الساخنة أرباحا خيالية في أزمنة قياسية، دون أن تشارك في أي استثمار مفيد، أو تنمية حقيقية ما يعقد مهمة الحكومات في تحقيق خطط وبرامج التنمية.
ومع توسع حركة رأس المال العالمي وعولمة الاقتصاد والتجارة صاحب ذلك ايضا اتساع الفرص التي من الممكن أن تقتنصها الأموال الساخنة خاصة في الأسواق المالية الناشئة والتي تتلقى رعاية من الحكومات التي ايضا يتع استجابتها لدعوات تحرير الاقتصاد والخصخصة, وفتح الأسواق.
فقد يدخل المستثمر الأجنبى برأسمال لا يوجهه إلى الصناعة أو التجارة بل يستثمره فى الأوراق المالية دون أن يكون العائد تحقيق نمو للاقتصاد الحقيقى للدولة المضيفة من زيادة إنتاج السلع أو الخدمات بل يكون شغله الشاغل هو تحقيق الأرباح من خلال المضاربة. ولعل اشهر سوابق تأثيرات الأموال الساخنة كانت في الانهيار المفاجئ الذي شهدته النمور الأسيوية أواخر تسعينيات القرن الماضي.
فبعد سنوات من الازدهار الاقتصادي شهدتها دول جنوب شرق آسيا ابتدء من الثمانينات جاء يوم الثاني من اكتوبر عام 1997 والذي عرف بالاثنين المجنون ليعصف بهذا الازدهار الاقتصادي.
ففي هذا اليوم شهدت الأسواق المالية لدول جنوب شرق آسيا التي عرفت وقتها بـ(النمور الآسيوية) انهيارا كبيرا قضى على مدخرات العديد من المستثمرين.
وابتدأت الأزمة من تايلاند ثم امتدت نيرانها لتشتعل في بقية دول المنطقة حينما سجلت أسعار الأسهم فيها معدلات منخفضة بشكل حاد في انهيار غير متوقع لهذه الأسواق من حيث درجته وسرعته نظرا لما سجلته اقتصاديات هذه الدول من معدلات نمو مرتفعة اضافة الى تنوع قاعدتها التصديرية، واندماج أسواقها واقتصادياتها في الأسواق العالمية.
فمنذ ازدهار الثمانينيات سال لعاب أصحاب الأموال الساخنة على هذه البلدان التي صعدت مؤشراتها الاقتصادية وساد انطباع بأنها تملك اقتصادا قويا تواجه به اقتصاديات الدول المتقدمة اضافة إلى تبنيها سياسات انفتاحية منها تحرير التجارة الخارجية وتعويم العملة الوطنية وفتح الأبواب الخاصة أمام الاستثمار الأجنبي بعد سنوات من الانغلاق.
وقد شجع ارتفاع سعر الفائدة في هذه البلدان المتعطشة للاستثمار الأموال الساخنة على الدخول بكثافة مع تدفقات رأس المال الأجنبي وذلك للاستفادة من سعر الفائدة المرتفع بالمقارنة مع الأسواق الأخرى وقتها.
كما كان لأسواق المنطقة نصيب من الأموال الساخنة حيث يعزي البعض أسباب الانخفاض الشديد الذي شهدته الأسواق الخليجية مع اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008 (فيما عرف بأزمة الرهن العقاري) الى هروب الأموال الساخنة من أسواق الخليج بعد حالة الهلع التي انتابت الأسواق في ذلك الوقت والانخفاض الشديد في المؤشرات الذي حدا بالبعض الى تسييل أموالهم واخراجها من السوق.
وفي مصر عانت سوق المال من الأموال الساخنة التي انقضت على السوق مع الارتفاع في طرح أذون وسندات الخزانة التي تطرحها وزارة المالية غالبا لتمويل عجز الموازنة. فقد استطاعت هذه الأموال جني أرباح طارئة وفي فترات قصيرة خاصة بعد الهزات السياسية المتلاحقة بعد الـ25 من يناير 2011 وخرج معظمها بعد أن تسببت في خسائر كبيرة لبعض المتعاملين في البورصة خاصة صغار المضاربين.
فقد وصل استحواذ الأجانب الى 90% من عمليات اكتتاب وفشلت البنوك المحلية في منافستها.
ورغم تحقيق الأموال الساخنة سيولة نقدية في الأجل القصير تزيد من حجم التعاملات المالية إلا أن أرباحها تصب في النهاية لحفنة من المضاربين المحترفين على حساب صغار المتعاملين في سوق المال الذين يكون اغلبهم محليون عديمو الخبرة، كما أن حركة الأسهم التي تبدو نشطة بسبب الأموال الساخنة تعطي توجهات غير حقيقية عن السوق كما تعطي انطباعات غير حقيقية عن حجم المشروعات، والوضع الاقتصادي، مما يـؤدي الى عدم وجود تفسيرات اقتصادية لحركة السوق وصعود وهبوط الأسهم. وتشهد الأزمات المالية الكبيرة على ان الانهيارات تكون أكبر في الأسواق الناشئة. وتزداد خطورة الأموال الساخنة نظرا لقدرتها علي التحرك من نشاط إلي آخر وعندما تستشعر الخطر على أرباحها تنسحب فورا من الأسواق، وهو ما يؤدي الي ازمات اقتصادية، بعد أن تتسبب في حدوث انهيارات مفاجئة في أسعار الأوراق المالية.
كما تتعاظم هذه الخطورة عندما تدخل الأموال الساخنة لشراء شركات حكومية تخضع لبرامج الخصخصة حيث يضمر أصحابها تحقيق ارباح خيالية مما تمتلكه هذه الشركات من أصول تتمثل في أراض أو عقارات عكس ما يظهروه من أحاديث حول الإصلاح وإعادة الهيكلة. ويرى خبراء أن أساليب مواجهة الاعيب أصحاب الأموال الساخنة تتمثل في خفض أسعار الفائدة في الأذون والسندات الحكومية اضافة إلى إجراءات مالية وحكومية مثل تدخل شركات القطاع العام لشراء الأسهم وإخضاع الشركات المالية لقواعد الحوكمة لتحقيق الشفافية والتدخل التشريعي لحسم حركة انتقال الأموال وإخضاعها لرقابة مؤسسة مالية رقابية على أن تلتزم أسواق المال بهذه القواعد.
كذلك لابد من السيطرة على المضاربات اللحظية وخاصة التي تتم عبر احدى الحيل حينما يقوم المضاربون بشراء كميات كبيرة من ورقة مالية منخفضة السعر لتسجل ارتفاعا ومن ثم يتم بيعها فورا لتنخفض مرة أخرى.
كما لا بد من وجود تشريعات تضبط دخول وخروج الأموال من الأسواق وتحديد كميات التداول في فترات محددة مع توعية صغار المستثمرين بأساليب وحيل المضاربين.

إلى الأعلى