الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة يوسف (19) يوسف (عليه السلام)

سورة يوسف (19) يوسف (عليه السلام)

كان مُخلِصاً في طاعة الله مُستخلَصاً لرسالة الله تعالى لما رأى برهان ربه هرب منها فتعادى مع زليخة، هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها

اعداد ـ أم يوسف:
قال تعالى:(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
البرهان غير مذكور في القرآن
قوله تعالى:(لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، (أن) في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه والجواب محذوف لعلم السامع، أي: لكان ما كان، وهذا البرهان غير مذكور في القرآن، فروي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة، فقال يوسف: أنا أولى أن أستحي من الله .. وهذا أحسن ما قيل فيه لأن فيه إقامة الدليل، وقيل: رأى مكتوباً في سقف البيت (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء ـ 32)، وقال ابن عباس: بدت كف مكتوب عليها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) (الانفطار ـ 10)، وقال قوم: تذكر عهد الله وميثاقه، وقيل: نودي يا يوسف! أنت مكتوب في ديوان الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! وقيل: رأى صورة يعقوب على الجدران عاضّاً على أنملته يتوعده فسكن، وخرجت شهوته من أنامله، قال قتادة ومجاهد والحسن والضحاك وأبو صالح وسعيد بن جبير. وروى الأعمش عن مجاهد قال: حل سراويله فتمثل له يعقوب، وقال له: يا يوسف! فولّى هارباً، وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: مثّل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله، قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكراً إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان، ونقص بتلك الشهوة ولده، وقيل: غير هذا، وبالجملة: فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه وامتنع عن المعصية.
قوله تعالى:(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، فالكاف من (كذلك) يجوز أن تكون رفعاً، بأن يكون خبر ابتداء محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويكون نعتاً لمصدر محذوف أي: أريناه البراهين رؤية كذلك، والسوء: الشهوة، والفحشاء: المباشرة، وقيل: السوء: الثناء القبيح، والفحشاء: الزنى، وقيل: السوء: خيانة صاحبه، والفحشاء: ركوب الفاحشة، وقيل: السوء: عقوبة الملك العزيز، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (المخلصين) بكسر اللام، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله، وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف (عليه السلام) بهاتين الصفتين، لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مستخلصاً لرسالة الله تعالى.
اختصار القرآن المعجز
قوله تعالى:(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى:(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) قال العلماء: وهذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني، وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا، هي لترده إلى نفسها، وهو ليهرب عنها، فأدركته قبل أن يخرج، وحذفت الألف من (استبقا) في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، كما يقال: جاءني عبدالله في التثنية، ومن العرب من يقول: جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير همز، يجمع بين ساكنين لأن الثاني مدغم، والأول حرف مد ولين. ومنهم من يقول: عبدا الله بإثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف.
قوله تعالى:(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) أي: من خلفه، قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص، والاستباق طلب السبق إلى الشيء ومنه السباق، والقد القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً، قال النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه
وتوقد بالصفاح نار الحباحب
والقط بـ (الطاء) يستعمل فيما كان عرضاً، وقال المفضل بن حرب: قرأت في مصحف (فلما رأى قميصه عط من دبره) أي: شق، قال يعقوب: العط: الشق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح.
والثانية: في الآية دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة، لما ذكر من قد القميص مقبلاً ومدبراً ، وهذا أمر انفرد به المالكية في كتبهم وذلك أن القميص إذا جبذ من خلف تمزق من تلك الجهة، وإذا جبذ من قدام تمزق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب.
قوله تعالى:(وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) أي: وجدا العزيز عند الباب، وعني بالسيد الزوج، والقبط يسمون الزوج سيداً، يقال: ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد، فلما رأت زوجها طلبت وجهاً للحيلة وكادت فـ (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: زنى، (إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ) تقول: يضرب ضرباً وجيعاً و(ما جزاء) ابتداء، وخبره (إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ)، (أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) عطف على موضع (أن يسجن) لأن المعنى: إلا السجن، ويجوز أو عذاباً أليماً، بمعنى: أو يعذب عذاباً أليماً، قال الكسائي.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى