الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نحو بيئة معافاة

نحو بيئة معافاة

علي عقلة عرسان

الذين لم يخدموا بلدانهم بما يساوي قلامة ظفر أو شروى نقير، وهدموا فيها ما استطاع جهلهم واستهتارهم أن يهدم، وعرقلوا كل بناء سليم وكل جهد بنَّاء بصلف وتخلف متعالٍ على المعرفة والعقل والعقلاء، وخلطوا الأوراق لتضيع الموازين وتختل القيم وأسس الأحكام القويمة والتقدير المنصف، ووضعوا الوطن في خدمتهم بكل ما استطاعوا تسخيره من أدوات وتسبيبه من أسباب ونشره من وادعاءات وتوظيفه من إمَّعات ليكون في ركابهم ومسخرًا لمصالحهم ونزواتهم وشخوصهم بوصفهم “عباقرة؟!” .. هؤلاء لماذا وعلامَ وبأي حق يكونون بمكانة مُلاكٍ للوطن، ويُكال لهم المديح ويقدم التكريم والتعظيم والتبجيل، ويطوف حولهم المبخرون بأنواع الطيب المجلوب ليغطوا عفنهم، ويطفون على سطح المجتمع أعلامًا، ويُرفعون “رايات!! لا أرك الله” فوق السياج الوطني الذي يقيمه غيرهم بالدم ويحافظ على بنيانه بالتضحيات الجسام ويمده بالإمكانيات والاقتدار والجهد والجهاد والاجتهاد وعرق الجسد وخير العمل؟! هل يتم ذلك يا ترى لغباء مستحكم في الناس المحيطين بذلك النفر الفخور بلا مفاخر، أم يكون لقدرة فائقة لدى أولئك على فعل الشر وتفعيله والإنذار به وتوظيفه لاستقطاب من يخدمون شخوصهم ويحققون مصالحَهم، أم أنهم يُخشون لتعلقهم بالإيذاء واختياره سبيلًا للترهيب، ولقيامهم بنشر التهديد والوعيد بطرق يسلكونها للابتزاز، أم لذكاء يمكنهم من تضليل الآخرين أو استغفالهم وخداعهم بما يعد “ذكاء الشُّطَّار” .. وما ذاك في واقع الأمر إلا نتاج الإفلاس بالمقاييس الحقيقية الفارقة بموضوعية وعلمية بين ذي الغنى الروحي والمعرفي وبين العقيم ذي الإفلاس المقيم، الطاعم الكاسي بلا مآسٍ .. أم أن ذلك كله يُهيأ ويتم لذلك النفر أو يسهُل عليهم بلوغه لفساد في البنية السياسية ـ الاجتماعية، ولخلل عميق في الوسط الحاكم والبيئة الحاضنة لحكم الناس بالناس، أم لرعب يشيعه اختلال نهج الأمن المنحاز إليهم بين فئات المجتمع، ولكثرة الانتهازيين والوصوليين الذين يرون من خلال اتساع الخلل وتهافت المعايير، يرون في ذلك النوع من البشر أشخاصًا بارعين مرهوبي الجانب، “واصلين” قادرين على إيصال من يخدمهم وينفخهم ويتبعهم إلى ما يريده، فيتكاثرون عليهم يرتمون على أعتابهم بصورة من صور الارتماء يضاعفها الترويج والعجرفة والادعاء؟!
تلك أسئلة تُطرح على هامش سواقي الدمع والدم وضفاف الأنين والحنين في مجتمعات هشَّة وأوطان تحترق، ورغم كل ما جرى ويجري فيها مما يحزّ الوتين، ما زال الطفيليون والانتهازيون والمدعون والوصوليون واللصوص ومن يضعونهم في خدمتهم من صغار النفوس .. يسرحون ويمرحون فيها، ويعبثون بمقدرات الناس، وبالقيم والبنى والمصائر المتصلة بشعب ووطن، ويطفون على السطح الاجتماعي والسياسي والثقافي، ويقدِّمون أنفسهم أو يقدمهم التابعون والموالون لهم، بوسائل وأساليب تنطلي على الناس من خلال إعلام يحاصر الناس، يقدمونهم: زعماء وعظماء وفطاحل ومبدعين وخلاقين وأبطالًا وخلاقين ومنقذين، ولأولئك في نهجهم ذاك سلف على شاكلتهم، ولهم من بعد مماتهم مستقبل في تبع يسيرون على نهجهم ويبقونهم “رموزًا” لتكريس النهج المدمر، وليصلوا إلى ما وصل إليه سابقوهم بالأساليب والأدوات و”العنطزة” ذاتها؟! ..
تلك أعاجيب لا نجدها إلا في بلاد تنتج الأعاجيب وتدخل فيما يسمى بلاد العجائب، وتحتاج إلى طب وتطبيب نادرين ليسا مما يعرفه تاريخ الطب ولا كل طبيب، ولا الكثيرون من أهل الخبراء من الأعاريب .. وأولئك البشر طفاوة اجتماعية تزدهر في مجتمعات يسقط فيها معيار القيمة وقيمة العمل ومعنى الخُلُق وفضل الصدق، ويتلاشى فيها العمل بالعلم والرجوع إلى الإيمان وكل ما يتصل بأصول النجاح الحق من مشاهد وفصول، ويصبح فيها الجهل والفساد والإفساد والادعاء قدوة وقيمة حاكمة وحكمة دائمة، بل يصبح ذلك كله هو معايير القيم وأساس التكوين والتقييم والتقدير للأفعال والأشخاص والإنجازات والقدرات والأفكار والإبداع؟!!
إن هذا النوع من أنواع مرجعيات الحكم والاحتكام وأشكالها ومفرزاتها ونتاجها، ومما يدخل في أبواب الترفيع والتنصيب ومسبباتهما، وما يؤهل للارتفاع في فضاءاتهما بلا أجنحة حسب عجائب الترقيع .. كل ذلك يودي بالمجتمعات إلى السقوط، والدول إلى الدمار، والثقافات إلى التهافت، بفعل تفشي الدجل والغش والسطحية و”الفهلوة” في الأوساط الاجتماعية وتلك النافذة سياسيًّا وإداريًّا وإعلاميًّا وعلى المستويات كافة، لا سيما تلك الحاكمة بالتحكم، المزمنة بالتسلط، الآخذة بالتعصب الفئوي وسواه، والمعزولة بأسيجة من الوصوليين وبأساليب من فنون تدمير الأصول وتآكل الثقة والمجتمعات والمؤسسات والدول، حيث بذلك وبأولئك يعشى البصر وتعمى البصائر ويموت حدس القلوب والعقول فتتآكل الصلات والحقوق والحريات والإرادات الخيرة، لا سيما حين يتم اعتماد معايير وقيم وأخلاقيات ومرجعيات واستشارات ليست علمية ولا عادلة ولا إنسانية وليس لها صلة بالإيمان والاحترام.
وسوريا المنكوبة اليوم بالكثير من الأرزاء وبسيول البؤس والدماء، تأتي في مقدمة المجتمعات والدول المصابة بهذا الداء المزمن الذي زادته الأزمة انتشارًا وحدَّة واستنسارًا حتى لتكاد تكون من بين البلدان الأنموذج: “اجتماعيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا على الأقل” في هذا المجال. وهذا مما يوجب الوقوف أمامه بشجاعة ومسؤولية وطنية ـ أخلاقية ـ وتاريخية وبصراحة وصرامة تطولان الذات بالحساب قبل أن تطولا غيرها بالمساءلة والمحاسبة، لأن عدم القيام بذلك يسنِّم الأخفاف والحوافر، ويفاقم الأزمات باحتجاب الحكمة والقدرة والنفرة، ويفتح الباب للتدخلات، ولأن القيام به مدخل المداخل إلى العدل والحق والمعالجات الجذرية للأزمات المستحكمة حيث يعري التكوين والمكونات الفاسدة التي قامت وتقوم عليها سياسات وتوجهات وبنى وأحكام ومؤسسات وإدارات، ويتم وفق منطقها ومنظورها وحساباتها وتقويمها إعلاء شخوص ورفع رايات، مما يؤدي زيادة في المقيت ومزيد من الداء والبلوى وأشكال الابتلاء.
ولا بد لذلك كله من إصلاح يتعمق ويتوسع شاقوليًّا وأفقيًّا ليصل إلى الجذور وإلى ما هو بنيوي في التكوين الروحي والمادي، وفي السلوك وسبل الوصول إلى الغايات والأهداف والمصالح والمراتب .. وقد يطول بعض الإصلاح السطوح ويلامس القشور، ويتم بنصوص تُنتهك عند التفسير أو التطبيق فلا تُصلِح ولا تَصْلُح، وقد يتم إصلاح النصوص والشكليات بتعجل ليرضي عابري طريق الأمم ويمسّد سطح الداء فيتخدر من الجلد والجسم ما يتخدر دون برء، وهذا نوع من الإصلاح مبتَسر متسرع ناتج عن ضغوط ويرمي إلى امتصاص غضبات وإلى إرضاء واسترضاء أو إلى مسح سطوح جروح، أو يتم استجلابًا لاهتمام وسحبًا لذرائع ورغبة في كسب العوام من الأنام وصرف حوادث الأيام .. على أن هذا النوع السريع البسيط من الإصلاح مطلوب وغير كافٍ، ولا بد من القيام به، وحتى إذا دخل في الشكلي من الأمور والصيغ فإنه لا معدى عنه، ولكن الأكثر أهمية وضرورة منه في حيزه ومجاله هو حسن الفهم وسلامة التطبيق وعدم الكيل بمكاييل، حسب الأشخاص والمقامات والارتباطات والانتماءات .. أمَّا الإصلاح الأهم الأجدى الذي يحكم كل إصلاح ويحميه ويذهب به إلى أبعد من القشور والسطوح فهو إصلاح الأنفس والأرواح، وهو الأعمق الأشمل الأدوم الذي يطول التكوين الفردي والجمعي بوعي وشمول، ويتصل بالإيمان والمعرفة والأخلاق والوجدان والانتماء والشخصية “الهوية”، وبالتربية أولًا قبل التعليم بمستوياته والعمل وسلوكياته. ولا ينفع اليوم لإصلاح الحال ادعاءُ الصحوة لمن كان في غفوة أو لمن ادعى أنه كبا وسها ولها وغفا وهو في واقع الأمر متضلع في معرفة الداء إن لم نقل إنه ضالع في كل تفاصيله ومراحله .. كما لا ينفع الركض والتسرع باتجاه الإصلاح الأفقي دون الشاقولي، لرفع العتب أو للتلطي خلف السعي للبراءة من مسؤولية الخراب والاستجابة للمطالب .. لأن ذلك النوع من العمل يدخل في باب ما يسميه إخوتنا المصريون “الهقص أو التهقيص”، وهو ألزم لباب العويص من الرأي الذي ينتج العويص من المشكلات ويضيف عويصًا إلى عويص .. وعندنا في عرفنا أن المختِمر أفضل، وهو في خبزنا خير من عويص يعلَق في الحلق ويصعب هضمه، ولا يقارن مع الخمير بأي مقياس، ولأن تطبيب الأعاجيب يحتاج إلى حكمة أكثر من طبيب لبيب من نوع قد لا يتوفر لدى المتعجلين المتلهفين المستميتين من أجل الوصول إلى غاية أو ولاية أو سلطة بالغَلَبة والتحشيد المذهبي والنكاية .. وفي بعض ما كان من عرف العرب المضمِّرين لخيول السباق والغارات المفاجآت “أن العَلِيْق ـ أي تقديم العلف يعلَّق بمخلاة إلى رؤوس الخيل وأعناقها ـ هو عند الغارة خسارة”، وأن في العجلة الندامة وأنها من الشيطان .. وفي عرف المسلمين في بعض العهود عند تولية الولاة أن “طالب الولاية لا يُولى”. والإصلاح الحقيقي الناجز الناجع في هذه الحالات والمجالات أصعب من البناء البكر بكثير، لأنه يحتاج إلى أن يبدأ المصلح بنقض الأساسات العائبة التي قام عليها البناء المنهار أو الآيل إلى السقوط، ويقوم بترحيل الركام والتخطيط للإصلاح والترميم بحكمة خبير فهيم حكيم، والتعامل في هذه الأحوال مثل التعامل مع العلل والأورام الخبيثة في الأجسام يحتاج إلى عمليات استئصال تطلعًا إلى الشفاء التام، مع ما يرافق ذلك وما قد يترتب عليه من مضاعفات وعقابيل وانتكاسات تزيد في الطين بلة. ولا يكون إصلاح إلا برفض الفساد والإفساد والادعاء والتشويه والتزوير والتطبيل والتزمير والتلميع.. إلخ، وفضح كل ذلك وما يتصل به ويرتكز عليه ويشتق منه وينتسب إليه ومن يطلبه ويقوم به، حيث لا مندوحة لأهل البناء الراسخ من نقض العائب من العمران لكي يقام بدلًا منه وعلى أنقاضه عمران، بالمعنى الخلدوني الشامل للعمران، على أسس علمية صحيحة قوية وسليمة ووفق أصول هي في المعنوي والروحي من العمران البشري ثوابت ومبادئ تشاد عليه/عليها بنى متينة لمجتمع ودولة وحضارة لبناتها أشخاص بناؤون مؤهلون ثقاة تقاة، ويتم ذلك بتصاميم وعناصر ومواد وحسابات وهندسة تجعل البناء يصلح لحمل بنية وطن وشعب قابلين للبقاء والنمو والازدهار والارتقاء، وقادرين على ذلك وفق منهج قويم وتقويم سليم يؤهلان دولة وأمة لما يجعلها تأخذ وتعطي بثقة، وتقارع من يقارعها من الدول والأمم بندية، وتؤسس لنهضة حضارية وإبداع بعلم ومعرفة وقوة تحمي وتصون، وتَصلح لأن تكون حاضنة للعلم والتقانة والفكر والإبداع الأصيل، ومؤهلة لأن يتفتح فيها العقل وتزدهر فيها الحضارة ويعيش فيها البشر فرح الروح وحياة الفرح، توازنَ الماديّ والمعنويّ، الخاصَّ والعام، وفاعليةَ كل الثنائيات الخيّرة البناءة القادرة على البقاء والإحياء والتأسيس للخير والإحساس بالجمال والتمتع بهما .. ومؤهلة أيضًا لما يجعلها قادرة أيضًا على إفساح المجال أمام الأجيال الصاعدة لتتفتح طاقات خلاقة وقدرات بناءة ومتعة خلابة، تحمل البنيان الصالح وتُقبل على الإصلاح إقبالها على الحياة، وتلفظ الطغيان والطغاة والفساد والادعاء وكل متخاذل وجاحد وحاقد وراكع من العباد، وكل ما يُمرِضُها ويمكن أن يقوضها.
وحين يتعلق الأمر بقيم قومية ووطنية وإنسانية وأخلاقية، وبأحكام وثقافة ومعايير اجتماعية وإدارية وتنظيمية، وبتطبيقات سليمة لكل ذلك وللقوانين والتشريعات والشرائع في كل مجال وعلى المستويات كافة، فإن الأمر يستدعي الوعي المعرفي، والخبرة والتجربة، والعلم والنزاهة، وسعة الأفق، والقَبول بمعالجات جذرية لأمراض فتاكة أيًّا كان مصدرها .. ويدخل في ذلك نقد العمران والمعمار “الثقافي والتربوي والسياسي” الذي كُونت على أساسه أجيال وفق معايير وقيم وممارسات وعلاقات فاسدة سببت الفساد، لكي يتم نقض ما ينبغي نقضه وترميم ما يحتاج إلى ترميم وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وتعزيز الصالح الجيد من البُنى كمًّا ونوعًا. وينبغي التدقيق أصلًا وأساسًا في الفعلين التربوي والثقافي ـ المعرفي والعلمي، نظريًّا وتطبيقًا، لا سيما تلك التي قد تكون سببت تدهورًا أو جمودًا أو شللًا، ومن ثم مواجهة أسئلة عديدة على رأسها مدى الإقبال على العلمي والثقافي، وبأية نوعية وكيفية ومنهجية، ومدى التواصل والتفاعل مع ذلك بإيجابية، وكيف كان الترويج والتفعيل والاختيار والتعليم والتطبيق المتصل بذلك كله جملة وتفصيلًا وما الذي حققه .. لأن فساد المشهد العام بدأ/يبدأ بإفساد المفاهيم والمعايير والمصطلحات وأسس الاختيار وأشكال التطبيق ومن ثم في الأولويات والتراتبيات الاستثمار في المعرفة والتربية، وفي التربية قبل التعليم لأنها مدخل توظيف المعرفة سلبًا أو إيجابًا، والتدقيق في نوع التواصل والتفاعل وبكيفية مقاربة هذا أو ذاك من الفكر والأدب والفن والعلم والتقانة والعمل والمناهج والمنتَجات .. بقدرات علمية ـ تقنية ـ مهنية، وبأخلاق تأخذ بالاعتبار القول المفيد “إن الله يحب إذا عمل أحدُكم عملًا أن يتقنه” .. ولا بد من معرفة الخيارات ومسوِّغاتها والطريق إلى تحقيقها وكيفية بلوغها، ومعرفة على أي أسس تم الأخذ بهذا وترك ذاك، ولأية بنى اجتماعية وغايات وأهداف وطنية وقومية وإنسانية ومعرفية تم وعلى أي وجه؟! وهل كان/يكون الوصول إلى ذلك وفق خطط ومنهج وبرامج وتصور عام مرحلي ومستقبلي، أم أنه فعل عشوائي من الخيارات إلى التطبيقات ويتم الترويج له وفق الرؤى والممارسات “الميليشياوية” بأنواعها وأمراضها وأهدافها ووسائلها وقدراتها وأدواتها، تلك التي لا تكون إلا متناقضة ومتضاربة وعشوائية حسب المزاج ومصلحة التنظيم أو الشخص المالك النافذ القابض على زمام أو أكثر من أزمة خيول تحسِن الركض في الميدان أو.. أو.. إلخ، أم ذلك كان/يكون حسب ما تقرره نظرة قاصرة ضيقة تضيق بما لا يلائم صاحبها من آراء ورؤى وأشخاص ومصالح ومعطيات وتوجهات وأفكار ومعتقدات، أو كانت/تكون بتسلط جهل على العلم، وعنترية قاحلة على التواضع الخصب، وخمول وفشل على النشاط والنجاح .. أم كان ذلك بطغيان طائفيات وعصبيات وعصبويات وارتباطات مشبوهة، وهيمنة أصحابها وأمرائها على أنفس وعقول وإرادات، ومن ثم على شعب ووطن، من خلال ما لها من صولات وجولات وما تستلبه من قرارات بالمال والسطوة والشبهات، حيث تفرض إرادتها بالقوة لتبقى صاحبة شأن ونفوذ وقرار في مجالات الاختيار والترويج والتعويم والتقويم وما يتصل بهذا الشأن ويتممه؟!
ويتطلب أمر الإصلاح أيضًا مراجعة شاملة للمستقر من أحكام القيمة وأشكال التقويم للأشخاص والأفعال والإنجاز والإبداع.. إلخ، ومراجعة نقدية مسؤولة للمعايير والقوانين والقيم التي أدى اعتمادها والعمل بها إلى تكريس أفكار ومفاهيم وأحكام غير صحيحة، بسبب فساد الأحكام وانعدام منهجية النقد التي أفسدت أوضاعًا وتراتبيات وملكات ومواهب، ولا بد أن يتم ذلك ابتداء من الفهم والتذوق الأدبي والفني والجمالي وانتهاء بالتربوي والاجتماعي ومفاهيم الوطني والقومي والديني والإنساني، من دون أن نستثني من ذلك في أثناء المراجعة النقدية الموضوعية الممحِّصة البناءة الشجاعة ما استقر وترسخ من أحكام قيمة تتعلق بالأشخاص والإنتاج والإبداع والأفكار مما داخَله تشويه وعطب، حيث ساهم ذلك بدوره في تكوين المشوه والمعطوب، والشيء ذاته ينسحب على التنظيمات والسياسات وضوابطها وعلى ما حكمها ويحكمها وما تحتكم إليه، مما له التأثير ذاته الذي للمجال الثقافي بشموله.
لقد وجدت في مجتمعنا سياسات وتنظيمات وتوجهات وممارسات كانت في مجملها عوامل ساهمت في إنتاج بيئة غير صحية، نمت وتنمو فيها الكثير من الأمراض التي تتفاعل عقابيلها “مبدعة” “أمراضًا” ومخاطر شديدة منها ما نراه اليوم في طول البلاد وعرضها .. ولا بد من تنقية البيئة من الأمراض ومسبباتها، وتهيئتها لتصبح صحية ينمو فيها المعافى من السلوك والتوجهات والأفعال، وتساعد المصابين بأدواء وعلل على التعافي منها .. ولا يُصلِح البيئة من أفسدها، ولا الفاسد الذي تكاثرت جراثيم فساده وترعرعت فيها فسممتها، ولا يجوز أن يوكل أمر إصلاحها إلى جاهل ذي حماسة وغطرسة واندفاع وادعاء، ولا إلى ذي ثقافة وعلم يصبان في غلو وتعصب شيطاني النزوع والسلوك لأن ذاك يسخر المعرفة للإيذاء أو للانحراف بالأمور إلى ما ينفعه وما يصب في تيار شيطنته أو فئته، ولا يوكل أمر الإصلاح إلى مصاب بفيروسات التطرف المذهبي أو الطائفي أو العرقي أو الأيديولوجي لأن صاحبه يغلق الأفق أناني النزوع لا يرى غير نفسه وهواجسه ووساوسه وما يشغله ويشكل مفاهيمه ويتحكم بأدائه ويستقطب اهتمامه .. فذاك النوع من الأشخاص هو المرض وحامله هو حامل الجرثوم والفيروس الممرضين في هذه الحالة .. ولا يمكن أن يتم التوصل إلى حسن الاختيار وسلامته، فيما يتعلق بالعناصر والأساليب والأدوات والمواد التي تُصلِح وتبني باقتدار ووعي ومسؤولية وإخلاص وثقة وديمومة، ولا إلى تنظف البيئة المطلوب تنظيفها والتأسيس للتعافي والعمران بمعناه الأوسع فيها .. من طرف أشخاص مرضى أو توطنوا في بيئة المرض فتوطن المرض فيهم وتفشى، وارتسمت معالمه ومعالمها فيهم على نحو لا يمكن إصلاحهم فكيف بالإصلاح بهم أو بجعلهم يختارون المصلحين؟! ولا يكون ذلك أيضًا من طرف أشخاص هم خصوم لأشخاص أو لفئات وشرائح اجتماعية وقيم وعقائد وثقافة وهوية عامة للشعب والوطن .. لكن لا يوجد ما يمنع من أن يكون لهم رأي، وأن يكون لكل الفسيفساء الاجتماعية حضور تحدده النسبة ويبقى محكومًا بالموضوعية والتفتح الذهني وقبول الآخر شريكًا بالقرار والمصير، لكي تتسع دائرة الشركاء في صنع القرار فلا يحتكره أو يتحكم به أحد .. هذا إذا أردنا وطنًا يقبل التنوع، ويحترم الاختلاف، ويأخذ بالأكثرية وفق ديمقراطية نزيهة، ويحكم على الفكر والقول والعمل بمعايير علمية ـ اجتماعية ـ ثقافية أخلاقية ووطنية بناءة، وبرؤية شاملة لا شائبة فيها، تعلى شأن الوطن ومصلحة الشعب على كل مصلحة ونزوع، مهما كانت المصلحة ومهما كان نوع النزوع ولونه وأصحابه وأيًّا كانت ذرائعهم، لأن البنيان الذي يُبنى على أسس متينة راسخة سليمة يستوعب الجميع، ويبقى راسخًا، ويقبل الزيادة عليه، وهذا لا يقيمه إلا مقتدرون بالمعنى التكاملي للكلمة ولمفهوم التكامل .. وما يقيمه العلم والعدل واحترام أسس المواطَنة وقيمها، أو يقام بمراعاة تلك الأسس بموضوعية ودقة ووضوح، هو الذي يبقى ويحمي، وهو ما ينبغي أن يُحمى من أشكال الخطأ والخطر والعيوب والمفاسد والفساد والإفساد، ومن أشخاص لا يعيشون إلا في مناخ فساد وإفساد، لكي يبقى البناء للجميع ومن أجلهم: وطنًا وبيتًا ومقامًا وحصنًا ومثابة.

إلى الأعلى