الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فصحانا المهددة بين عرب 48

فصحانا المهددة بين عرب 48

في صبانا، أعني جيلي من الخمسينيين والستينيين، كان الخامس عشر من مايو يمثل في الذاكرة موسما شديد الخصوصية، حيث تترعرع في حقول الذاكرة أشجار الحزن، لكننا سرعان ما نتجاوز أحزاننا، ونردد في غضب، في طوابير الصباح، بكل مدرسة من المحيط إلى الخليج، ومع أقراننا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين: عائدون .. عائدون.
الآن زف الخامس عشر من مايو ـ وأخشى ألا يجد في الذاكرة ما يتماس معه سوى بقايا باهتة من حدث رأيناه يوما مروعا ـ اغتصاب فلسطين، الجغرافيا والتاريخ، فما أكثر تواريخ المآسي التي حلت بأمتنا خلال الـ66عاما التي تشطرنا عن الخامس عشر من مايو 1948، ذلك اليوم الذي أعلن فيه الصهيوني بن جوريون عن قيام دولة إسرائيل وسارعت القوى الكبرى بالاعتراف بها.
وما كانت سرقة الجغرافيا والتاريخ من الشعب الفلسطيني سوى مقدمة لجرائم أخرى أكثر بشاعة، إنهم ـ الإسرائيليون ـ يحاولون انتزاع اللغة العربية من على ألسنة أبنائها من الشعب الفلسطيني.
هؤلاء الذين نطلق عليهم في أدبياتنا الإعلامية عرب 48 وأحيانا عرب إسرائيل، لكنهم يقاومون بشراسة، يكابدون لتبقى ألسنتهم سكنا للعربية، والصراع مرير، فالجانب الإسرائيلي لا يكف عن محاولاته لـ”عبرنة” اللسان العربي، وتلك المحاولات يرصدها الباحث الفلسطيني أسامة عثمان في بحثه “اللغة العربية في فلسطين .. الحاضر والتهديدات” حيث تقوم السلطات الإسرائيلية بممارسات عملية من شأنها طمس الوجه العربي للمكان ولمعالمه، من مدن وبلدات، ومن شوارع وغيرها، فجعلتَ الحرفَ العبري فوق الكلمات العربية في الإعلانات وحرّف أسماء المدن، قصداً، وتعمّد الإسرائيليون تسمية المستوطنات بأسماء كنعانية قديمة، بعد ادعاء انتمائها للعبرية، بحيث تبدو الأسماء العبرية الجديدة مقاربة لأسماء البلدات العربية المقامة تلك المستوطنات على أراضيها، مثل “قدوميم” بجانب كفر قدوم، و”بركان” قرب بروقين و”تسوفيم”، بجانب منطقة شرقي قلقيلية تسمّى صوفين.
ويقول الباحث إن إسرائيل لا تُعلن عن عقيدة عدائية تجاه اللغة العربية، ولكنها تضبط إيقاعها وتحدِّد حجمها، من خلال مؤسّساتها التعليمية، والمؤسّسات اللغوية العربية، كـ”مجمع اللغة العربية”، الذي صدَّق الكنيست الإسرائيلي على تأسيسه سنة 2007، وهو يخضع لـ:رعاية حكومية إسرائيلية”، وتعيّن الحكومة الأعضاء الـ 15 الأوائل فيه، ولا يجري أيُّ تغيير إلا إذا صادق عليه وزير المالية.
ومع أن “المَجْمَع” ـ يستطرد الباحث ـ يُصدر أبحاثاً لغوية علمية وأدبية، وتصدر عنه مجلةٌ علمية حولية محكَّمة، فضلاً عن نشرات المصطلحات التي تقرّها هيئاته في الجريدة الرسمية، ويتعاون مع مؤسّسات التعليم العالي، إلا أن كل ذلك يجري من دون استقلالية، وبالتعاون مع “وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية”، وإلى جوار “مجمع اللغة العبرية”، بالتعاون وتبادل المعلومات، ومنهما إلى البلاد والعالم،
وفي إطار مخطط عبرنة اللسان العربي.
ناقش الكنيست عام 2011 مقترحا يقضي بإلغاء التشريعات التي وضعت في عهد الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1922 واعترفت باللغات العربية والعبرية والانجليزية كلغات رسمية، وذلك بهدف تحويل اللغة العربية إلى لغة ثانوية.
لكن على الجانب الآخر، لا يكف العرب عن المقاومة، حيث يخوض أعضاء الكنيست العرب معارك للحفاظ على اللغة العربية، مطالبين باحترامها، بل أن منهم من دعا إلى حكم ذاتي ثقافي للعرب، ولا يكف التربيون، بل وأعضاء الكنيست من عرب 48 على إبداء غضبهم من المناهج المدرسية المكتظّة بالأخطاء اللغوية، وعلى إصرار وزارة المواصلات على تثبيت لافتات على الطرق تشوّه أسماء القرى والمدن والمواقع العربية.
وإذا كان “الكنيست الإسرائيلي” قد صادق سنة 2010 على قانون بالقراءة الأولى يلزم المواطنين العرب بكتابة إعلاناتهم التجارية واللافتات باللغة العبرية، فلا يزال العرب في الداخل يكتبونها بالعربية.
ويرصد الباحث أسامة عثمان أوجها عديدة لقوة الموقف الصمود الفلسطيني في معركة الحفاظ على الهوية اللغوية، فإذا كانت إسرائيل تستهدف تهويد فلسطين ـ ومن مقتضيات ذلك طمس اللغة العربية ـ إلا أنها، وبحكم فاعلية الاستعلاء وادّعائها بـ”شعب الله المختار” لا تسعى إلى تحويل العرب إلى الثقافة اليهودية، بقدر ما تمارس قهراً وعنجهية احتلالية سافرة ومستفزّة، تتجلّى في تهويد أسماء المدن والأماكن الفلسطينية، فلا تمثّل لغة الدولة المحتلة بذاتها عنصر تفوق على لغة الشعب المحتلّ، ولا تزال اللغة العربية في فلسطين، على الرغم من الضعف العام، وتأثيرات الاحتلال السلبية، تنطوي في توحدها مع الروح النضالية الفلسطينية، على أسباب قوةٍ لا تخفى.
هذه الحالة النضالية ـ يقول الباحث ـ تتغذى بحالة الصراع التي لا تتركها إسرائيل تهدأ، تهويداً واستيطاناً، وهذه العوامل الذاتية الفلسطينية تتقوى بالهُوية الفلسطينية الواضحة المعالم والممتدّة إلى عمق عربي إسلامي.
ومن مظاهر قوة الشخصية الفلسطينية وقوة لغتها أن الأسرى الفلسطينيّين يخرجون من المعتقلات بحالة ثقافية أعلى في الأغلب، وبسويّة لغوية أكثر صقلاً، وذلك بفضل التنظير الفكري والنقاشات السياسية هناك، ولا يخفى كذلك دور الجامعات الفلسطينية في رفع سويّة اللغة، فهي فوق اضطّلاعها بالدور التعليمي، تستوعب النشاطات الثقافية والأدبية، والسِّجالات السياسية، ما يرتقي بالحالة اللغوية.
وكما دخلت مفردات عبرية إلى لغة الحديث، ولاسيّما لدى فلسطينيّين متواضعي التعليم والثقافة يكثر عملُهم عند الإسرائيليّين، فإن الباحث ينوه إلى أن مفردات عربية دخلت إلى لغة اليهود الإسرائيليّين، وحتى في الإعلام، منها على سبيل المثال: “أهلاً، سلامات، يا عيني”، وغيرها كثير.
كما لا يزال الشعر الفلسطيني والأدب والنتاج الثقافي المتنوّع، عبر وسائل نشره المختلفة في الداخل الفلسطيني، وفي مناطق السلطة الفلسطينيّة، يفعل فعلَه في اللغة العربية، يجدّد نهرها، الجاري عبر السهول والمنحدرات، وبالحالة النضالية، إرادية، أو طبيعية، يصونها.
كما أن المئات من الفضائيات العربية التي تدخل كل بيت فلسطيني سواء في الضفة أو القطاع أو عرب 48 تمثل رافدا مهما للأبجدية العربية فلا تتعرض للاغتراب على ألسن أبنائها.
ولقد لفتت الباحثة الفلسطينية الدكتورة جهينة الخطيب انتباهي حين كانت تتحدث من فوق منصة مؤتمر النقد السادس الذي نظمته الجمعية العربية للنقد مؤخرا في القاهرة بما قالته إن العديد من الروائيين من فلسطينيي 48 جعلوا من الرواية جبهة للدفاع عن العربية، من خلال تطرقهم لثنائيّة اللغة العربيّة والعبريّة، لكن ونحن نخوض في ميادين الصراع بين العربية والعبرية لا ينبغي تجاهل وجهة نظر جديرة بالتأمل يطرحها الدكتور سليمان جبر المحاضر في قسم اللغة العربية في جامعة تل أبيب عبر دراسته والمعنونة بـ”على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة” حين يقول: “علينا الاعتراف ان العبرية تطورت فعلا أكثر من العربية في المئة سنة الأخيرة ” ويضيف : ” الدليل على ذلك ان الترجمة من اللغات الأجنبية الانجليزية مثلا إلى العبرية أسهل بكثير من الترجمة الى العربية ، سواء من حيث المصطلحات أو مباني الجمل أيضا”.
وحيثيات الباحث ان العبرية أكثر طواعية من العربية، فالعبرية “تخلصت” منذ عهد بعيد من حركة الآخر وعلامات الاعراب الأخرى ، كما حدث في لغتنا المحكية ، وعلاماتى الاعراب ، كما لا يخفى على كل مهتم باللغة العربية ـ يقول الباحث ـ عبء على الكاتب والقارئ والمترجم. ثم ان نحو العبرية الحديثة سهل طيع ، تكاد تصوغ الجملة فيه كما ترغب ، دونما خوف من الوقوع في “الممنوع” أو غير المألوف، على الأقل”.
ويقول : ” ان نحو لغتنا الفصيحة بقي صارما ، تحكمه القواعد التي وضعها سيبويه وأقرانه منذ مئات السنين ، فيما عدا تغييرات طفيفة أملتها الحياة المعاصرة، ويعتبرها “الغيورون” خروجا على اللغة طبعا”.
أهي الدعوة مجددا لإعادة النظر في قواعد فصحانا، ليس فقط للحفاظ على هوية أبنائنا في فلسطين المحتلة، بل هوية الأمة بأكملها.
أظن أن القضية في حاجة إلى حوار يشارك فيه كل علماء العربية في العالم العربي وخارجه، وبشكل موضوعي للوصول إلى إجابة عن هذا السؤال: هل الخير كل الخير لفصحانا تعديل قواعدها بهدف التبسيط ؟

محمد القصبي

إلى الأعلى