الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / محمد عيد العريمي في حديث لأشرعة

محمد عيد العريمي في حديث لأشرعة

- الاشتغال الروائي العماني مازال في طور “التجريب”، وهي مرحلة إرهاصات مرت بها معظم مشاريع الكتابة الإبداعية في العالم

حوار ـ خميس السلطي
محمد عيد العريمي لأشرعة:
- “يونس حيم” تترك للقارئ حرية التأويل وملء الفراغات وتركيب الصور كيفما شاء
- في الصحراء القاسية المحفوفة بالترقب والخطر، تشكلت طفولتي وبعض من ملامح سنوات صباي وبلغت مبلغ الرجال قبل أواني

عندما نتحدث عن الروائي محمد عيد العريمي، هنا وبلا شك سنقف برهة من الوقت مع تدفق أدبي أتى في سلوك روائي مبهر، ومن خلال هذا السلوك سنكتشف العديد من المحطات الإنسانية الذاتية التي تتجاذب أطراف الحكايات مع الفكرة والحدث، وبعد هذا التوقف سنذهب بعيدا حيث الجمال مع تلك الروايات التي تكاد لا تنتهي في أحاديثها وتفاصيلها، هذه التفاصيل مبنية على وقائع تلامس الواقع وتشد الروح إلى أمكنة مضاءة، لكن ومن خلال هذا الحديث القادم سنترك لكم التواصل مع العريمي ورواياته المتعددة كي يكون الحضور أكثر ألقا …

* بداية دعنا نطل على القارئ من خلال روايتك الأخيرة “حكايات يونس حيم”، حيث التفاصيل المتداخلة والأحداث المتعددة، المؤلمة حقا في مساراتها، ترى كيف أردت لهذه الرواية أن تكون؟ وما مدى انعكاس حقيقة الشخوص على واقعنا الحالي؟
- أردتها أن تكون إدانة صارخة ضد التحول الذي أحدثه المال في المجتمع، فاستفحل تأثيره وتضخمت سيطرته في النفوس، وأصبح يحدد علاقات الناس ويرسم مسار حياتهم وفقا للمصالح المادية. إنها عن اللعنة التي حلت بشـريحة واسعة من أصحاب النفوذ وأرباب المال، فغدا المرتشون والفاسدون والمحتكرون وجهاء وشرفاء، وعداهم لا! إنها صرخة في وجوه كل من أصبح الوصول إلى مقاعد السلطة بالنسبة لهم غايات تُبرر السبل، حيث تُستغلْ مسئولية القرار وتوظف لخدمة المصالح الخاصة. “يونس حيم” شخصيات حكاياتها كما أحداثها واقعية، بيد أن الرواية لا تتناول مفردات حَيَوات أشخاص بذاتهم ولا أحداث بعينها؛ وانما تترك للقارئ حرية التأويل وملء الفراغات وتركيب الصور كيفما شاء!
إنها حكايات “يونس حيم” الشاب الذي تمرد على أسرته؛ فتحرر من قبضة المال وسطوته، واتخذ لنفسـه موقفاً في الحياة حيث لا دَينٌ يُطَوِّق رقبته ويحول دون قول كلمته. إنها حكايات الفتاة “تيجان” التي تقول عن نفسها: “فبمجرد أن خلعت عن جسدي مريول المدرسة، وبدأت قوارض الأرض وقطعان الماعز تقضم كتبي وقراطيسي في السكة خلف نوافذ حجرتي، حتى أخذت عيون شباب البندر ونظراتهم الشرهة تنهش جسدي، وكلماتهم الفاحشة تمزق ثيابي وتعريني. كنت في نظرهم مجرد ملهاة.. فتاة الوقت الضائع كأرض مباحة للعابرين ينصبون عليها خيامهم ليلاً، وفي الصباح يقلعون أوتادها ويمضون”.
* في مثل رواية “حكايات يونس حيم” أحداث جسدت في ظروف درامية مشاهدة، وأقصد بعضها مما حوّل إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، ألا تجذبك يشتكي المبدع العماني من أن أعماله لا تجد طريقها إلى الترجمة إلى لغات أخرى.. هل تعتقد أن الإشكالية في النتاج العماني أم في عدم وجود الاهتمام الكافي من المترجمين للالتفات لهذه التجارب؟
- دعني أولا اتحدث عن ترجمة النصوص الأدبية العربية إلى اللغة الإنجليزية، فهذه تستدعي أن يكون المترجم ضليعا في اللغة وعلى اطلاع ومتابعة واسعة للأدب الانجليزي الحديث، ويتمتع بحس أدبي يتيح له نقل روح النص قبل شكله. أضف إلى ذلك أن الترجمة تتطلب تفرغا ودعما ماديا للأسف الشديد نحن نفتقره. وعلينا أن نتذكر أن الكتابة “لا تطعم خبزا” فما بالك بالترجمة.أما عن تحويل نصوص سردية عمانية الى أعمال درامية؛ فهذه يسأل عنها القائمون على صناعة الدراما في عمان، والمؤسسات المعنية بالإنتاج الدرامي العام منها والخاص.أما فيما يتعلق بنصوصي؛ فكانت هناك محاولة لتحويل “مذاق الصبر” إلى عمل درامي (فيلم) تعود لثماني سنوات، فإثر تعثرت جهود إحدى مؤسسات الإنتاج الفني المحلية بسبب غياب التمويل، تبنى العمل المخرج التونسـي الطيب لوحيـشي، الذي فاجأني بالاتصال من فرنسا وأبدى استعداده للبحث عن شركة إنتاج، وفعلا عرض الفكرة على شركة مغربية التي أبدت حماساً لتمويل الفيلم، لكن شاءت الأقدار أن يتعرض المخرج لحادث سير خطير أثناء وجوده في الإمارات وقبل وصوله إلى السلطنة ببضعة أيام!.

* المتتبع للرواية يرى أن هناك إسقاطا محليا لعبارة “يونس حيم” وأنت تدرك هذه العبارة خاصة وأنك تقطع المسافات من وإلى مسقط رأسك ولاية صور، لماذا هذا الإسقاط بالتحديد؟
- لكل قصة عنوان، لذلك يقال الموضوع يقرأ من عنوانه.. ومن الطبيعي ان يعبر العنوان عن موضوع الرواية والا أصبح هناك انفصام لعله يعبر عن أزمة الكاتب.
يختلف الكتاب في اختيار العنوان المناسب. منهم من يؤجل العنوان الى الاخير بعد ان تكتمل الصورة وتتضح تفاصيلها. بالنسبة لي أضع لكل مشروع كتابة ـ طال أم قصر ـ عنوانًا مؤقتًا.. أبقيه حتى آخر كلمة في النص، ثم أبقيه أو استبدله. وهذا ما حدث لهذا النص حيث حمل عنوانًا مؤقتا “كمَنْـزار” ثم قررت استبداله بـ”حكايات يونس حيم”. و”كمَنْـزار” هي القرية التي أتت منها أسرة “آل حيم”، والتي ظلت حاضرة في نفوس أبناء الأسرة على الرغم أن بعضهم لم يرْها بأم عينه! أما “يونس حيم”، الذي اخترته اسما لبطل الرواية ومن ثم عنوان لها مستوحى من اسمي قريتين، تقعان على يمين طريق العامرات ـ قريات، وكان اسماهما مكتوبين على لوحة واحدة، حيث تظهر “تونس” في الأعلى و”حيم” أسفلها، فتُقرأ: “تونس حيم”، أعجبني الاسم، فوظفته في الرواية، بعد أن سحبت نقطتي التاء ووضعتهما أسفلها، فغَدَت “يُونس حيم”.

* رواية “مذاق الصبر” بوح ذاتي مؤلم، أو بمعنى تجربة سيرة تأخذنا إلى أن نقف بهدوء بين أروقتها، والقارئ الفذ لها يرى أنها سيرة ذاتية موجعة، كيف وجدت نفسك في هذه السيرة الإنسانية؟ ما هي قراءاتك لردة فعل المتلقي اتجاهها؟ وكيف تصوّر بزوغ طموحك الكتابي من خلالها؟
ـ في مناسبات كثيرة قلت إن “مذاق الصبر” كتبتني. فمنذ الأسبوع الأول لتوزيع الكتاب في معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يحضـره كثير من المثقفين والأدباء العمانيين، استقبل بحفاوة ملفتة للنظر. وتلقيت الكثير من المكالمات التي تثني على العمل، وكتب الناقد العراقي الكبير أ. د. ضياء خضير مقالة في جريدة الخليج استهلها بهذه العبارة “هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة”.
وفجأة وجدت نفسي كاتباً، أو مطلوب مني أن أكون كاتبا، فقد كُتب الكثير من الدراسات والقراءات حول هذا العمل، ودعيت للحديث عن هذه التجربة في مؤسسات عديدة داخل السلطنة وخارجها، كما طبع جزء من هذا الكتاب في منهاج اللغة العربية في الشهادة العامة، كنموذج للسير الذاتية، وصدرت منه خمس طبعات وترجم إلى اللغة الإنجليزية في غضون سبع سنوات.
لن أدعي تواضعًا مصطنعًا وأقول لك إني لا أجيد الحديث عن نفسـي، وبالتالي أستشهد بما قاله الآخرون عني، ولكن أجد فيما قاله الصديق المبدع سليمان المعمري، ما لا أستطيع قوله عن نفسـي: “هذا الروائي يشكل ظاهرة فريدة ومُلهِمة في الأدب العُماني قد يمضي زمن طويل قبل أن تتكرر: الشق الأول من هذه الظاهرة كونه قَدِم إلى الكتابة من منطقةٍ أخرى غير منطقة الكتابة، أما الشق الثاني انه بدأ الظهور الكتابي وهو في الخامسة والأربعين من عمره واستطاع خلال عدة سنوات أن يوجد له مكاناً في الساحة الأدبية العُمانية”.
النجاح الذي حققه “مذاق الصبر”، دفع بعض المعنيين بالكتابة يتساءلون “وماذا بعد؟” فأصبحت مطالباً بمواصلة الكتابة، ولم أكن مستعدًا لها، ولكن وعلى غرار كثير من التحديات التي واجهتني في حياتي كان لا بد من الاستجابة لهذا التحدي، فكتبت رواية “حز القيد”.
مثلما كان “مذاق الصبر” وسيلتي لتحدي الإعاقة من خلال كشف تداعياتها المختلفة على جوانب كثيرة من حياتي، كانت “حز القيد” تحديا لقدرتي على كتابة نص طويل يحقق بعض ما حققه “مذاق الصبر”، بيد أن التصدي لهذا المستوى من الكتابة يستدعي مقومات كنت أفتقر للكثير منها، فكما هو معروف، “الرواية هي الأدب الصعب”، واشتغال أدبي عصي المنال، ليس اقلها عمق الثقافة الروائية أو التراكم المعرفي عن فن كتابة الرواية، ووعي الكاتب، وامتلاك رصيد حياة واسع، بالإضافة إلى حس الكاتب بأهمية المادة. ومما لا شك فيه انني استمعت بكتابة “حز القيد” رغم معاناة الكتابة، وكنت اشعر بمتعة عظيمة وانا اصنع الأحداث بالكلمات وارسم الشخوص، وبالكلمات أيضا أشكل ملامح حياتهم بكافة ابعادها!
* عن روايتك “بين الصحراء والماء” كتب الدكتور صبري مسلم رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة ذمار باليمن، مقدمة جميلة حيث وصف بأن صلة “ود عيد” الذي هو أنت بالصحراء هي صلة الأم بولدها فإنه يتماهى بقيمها وعاداتها التي تغلغلت إلى أعماق ذاته، ويأتي على لسانك “أنا بدوي عجنته صحراء الربع الخالي بقسوتها ملول وصعب المراس، شبيه بالبيئة التي جاء منها، تلك التي استنفدت كل ما لديه من طاقة على الصبر”؟ هذا الرسم الجميل بينك وبين الصحراء، كيف لنا أن نقرأه؟
- علاقتي بالمكان واحدة من المفارقات الكثيرة في حياتي، فأنا من أب بحار وأم بدوية، فعشت فترة صباي مشتت الانتماء بين الصحراء والماء. كان صبيان قرية “وادي المر” يلقبونني بـ “راعي بحر” على الرغم من أني ولدت بينهم وترعرعت، ومعهم شربت الماء نفسه ولم أر البحر بعيني، في حين ظل صبيان المدينة لوقت طويل، بعد انتقالنا إلى صور والإقامة فيها، يلقبونني بـ “البدوي”. لقد تَرَكتْ سنيني الأولى، وتجربة حياتي في الصحراء، في نفـسي تقديرا كبيرا للبدو والبادية، فسُكنتُ بحب ذلك المكان وتاريخه، وتقاليد أهله وأسلوب حياتهم. فهناك سهرت في ضوء القمر، ونمت تحت فوانيس النجوم، وتدربت على ركوب الجمال، وتصويب البندقية والضغط على الزناد.. هناك عرفت البادية: خصبها وجدبها.. حكاياتها وأساطيرها، واكتسبت مهارات خوض الصراع من أجل البقاء، وأولها الولاء للعشيرة فهي طوق النجاة!
في هذه البيئة القاسية المحفوفة دوما بالترقب والخطر، تشكلت طفولتي وبعض من ملامح سنوات صباي وبلغت مبلغ الرجال قبل أواني! وما استحضـرته من ذكريات الماضي ودونته في صفحات السيرة الروائية “بين الصحراء والماء” لا يُعبر في الحقيقة عن الصورة الكاملة لذلك المكان وسكانه! ، حيث يقول ناصر الغيلاني في ورقة له بعنوان “سيرة الذات والمكان”: “إن محمد عيد هنا يكتب وهو ممتلئ بحب المكان مسكون بناسه وتاريخه، لهذا جاءت الكتابة ملتحمة بالهواء والتراب، بالبحر والسماء، بالكثبان الرملية والأماسي المضيئة، برائحة الحارات والنباتات، بمرافئ السفن وألوان الأشياء. لهذا يكتسب المكان أهمية كبيرة وحضورا جميلا وفريدا”.

* عندما نقرأ رواياتك الأربع “حز القيد” و” مذاق الصبر” و “بين الصحراء والماء” و “يونس حيم” نرى أن هناك سردًا مباشرًا لوقائع تصل بأهدافها إلى حقائق تغلب عليها الذاتية، في المقابل لا نجد حضور اللغة بصور مكثفة، ولا نشاهد إسقاطات التخيل وإنما تعتمد كثيرا على الواقعية في السـرد، ما مدى اتفاقك معي في هذا الرأي؟ وما أهمية حضور الواقعية بعيدا عن التكثيف اللغوي والخيال في الرواية بصورة عامة؟
- تقصد أن اللغة المباشرة تطغى على أعمالي السـردية! نعم اتفق معك، ولا أجد حرجًا في الاعتراف بذلك، ولكن لو تابعت الاعمال السـردية الحديثة (زمنا لا شكلا).. أي بعد فورة التجريب التي طغت على الاعمال السـردية في تسعينيات القرن الماضي، سترى أن هناك عودة الى اللغة المباشرة، التي يتكلم بها الناس، فالرواية ـ كما يوحي اسمها ـ ليست شعرًا ولا فلسفة ولا موضوعًا ينحاز للغة فقط، إنها حكاية ناس بلغاتهم المختلفة وتعبيرًا عن خلفياتهم الثقافية المتباينة ومنها اللغة التي تعتبر جسـر التواصل مع الآخرين. وما دامت اللغة التي أرسم بها شخوص قصـصي تحقق الغاية من فعل الكتابة، لا أجد ضرورة للبحث عن لغة أخرى قد يطول بحثي عنها فلا أجدها فيمضي بي الزمن دون أن أقول كلمتي. وأعتقد أن الإبداع في الكتابة لا يتحقق فقط من خلال الحذلقة والتغريب اللغوي، وإنما من خلال طرح فكرة ذات بعد إنساني تمس الناس وتلامس أحاسيسهم. وهذا ما تعاني منه بعض النصوص الحديثة حيث أصبح النص القصصـي خاليا من الحدث، ويعتمد على المتن اللغوي فقط.

* الروائيون العمانيون قلة، مقارنة بغيرهم من العرب، وفي السلطنة هناك من يكتب الرواية ولكن ليس لدينا الظهور الذي يرضي غرور المتلقي، وهنا أقصد الدخول إلى عالم التنافس على الجوائز العربية، ومن بينها البوكر العربية، لماذا كل هذا التأخر؟ هل نقول بأن تجربة كتابة الرواية في السلطنة لم تصل إلى مرحلة النضج؟ أم أن هناك أسبابا تحول دون ذلك؟
- إن التطرق إلى موضوع الكتابة الإبداعية العمانية.. لاسيما السـردي منها، يستدعي بطبيعة الحال الوقوف عند الأساس الذي قامت عليها والبيئة التي نشأت وترعرعت فيها. فقبل عام 1970 عاشت عمان في عزلة طالت كل مناحي الحياة، وكان من الطبيعي أن يفتقر الإنسان العماني لجميع أشكال الإبداع، ففي ظل وضع بشـري يفتك به الثالوث الرهيب: الفقر، المرض، والجهل، يصبح الإبداع أيا كان نوعه ضربا من المستحيل، فلا إبداع حقيقيا دون حرية، فكيف إذا كان الناس يفتقرون إلى اولويات الحياة من تعليم ورعاية صحية وكرامة انسانية، وسواها من الضـروريات.
ولا شك أن الانفتاح الذي شهدته عمان خلال العقود الأربعة الأخيرة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية أعاد لعمان وجهها الحضاري، فتهيأت بيئة مناسبة لانطلاق حراك إبداعي على أصعدة عدة: أدب وفنون تشكيلية ومسـرح وموسيقى وخلافها، بيد أن الكتابة الإبداعية كانت الأقل حظا بين هذه الفنون باستثناء الشعر الذي برع العمانيون في قرضه طوال القرون الماضية، وكان نِتَاجُهم لا يقل ـ كما وكيفا ـ عن نتاج سائر الشعراء العرب.
الاشتغال الروائي العماني، والذي لا يمكن اصباغ صفة النضج عليه واستفائه للاشتراطات الفنية والسـردية، حسب ظني، مازال في طور “التجريب”، ولا عيب في ذلك، فهذه مرحلة إرهاصات مرت بها معظم مشاريع الكتابة الإبداعية في العالم. والحديث لا يزال مبكراً عن وجود روائيين عمانيين يملكون رصيدا كبيرا كما ونوعا يتيح لهم المنافسة على مستوى المشهد الروائي العربي وعلى قدم المساواة مع الروائيين العرب الكبار، ويبقى أن المشهد السـردي العماني حفل مؤخرًا بأعمال قدمت نصوصًا جادة في فن كتابة الرواية، واخص بالذكر رواية هدى حمد “لا شيء في مكانه” التي فازت بالجائزة الأولى في مجال الرواية في مسابقة الشارقة للإبداع العربي ـ الإصدار الأوَّل، في نسختها الثانية عشـرة” والوخز” لحسين العبري، و”بن سولع” التي توج بها علي المعمري، رحمه الله، أعماله السابقة قبل أن توافيه المنية. وإلى جانب قصور التجربة؛ فإن الرواية العمانية تواجه صعوبة في التوزيع الخارجي؛ وهذه مأساة أخرى تجبر الكاتب العماني، حسب إمكاناته المادية، إما لتأجيل طباعة عمله إلى حين ميسـرة، الرضوخ لشـروط وابتزاز دور النشـر الخارجية إذا كانت حالته المادية تسمح بذلك، فلا وسيلة أخرى ـ لإيصال الكتاب العماني ليد القارئ العربي في معظم الدول العربية ـ غير معارض الكتب التي تشارك فيها دور النشر هذه. ولعل ما يثلج الصدر ويثير الفرحة، الحضور الكثيف للكتاب العماني في معرض الكتاب الأخير، وذلك بفضل المبادرات المتميزة لعدد من المؤسسات الثقافية، على غرار “البرنامج الوطني لدعم الكتاب” الذي يتبناه النادي الثقافي، فضلا عن عدد كبير من الإصدارات التي تقدمها الجمعية العمانية للكتاب والأداء. لكن المفاجأة الكبيرة جاءت من “بيت الغشام للنشـر والترجمة”، وهي دار نشر وترجمة حديثة النشأة، التي شاركت بنحو 90 إصداراً عمانياً توزعت على مجالات مختلفة من صنوف الكتابة.
المفاجئة ليست فقط في عدد الإصدارات، وشكل طباعتها، ولكن أيضا مجانية الطبع فضلا عن مكافآت مالية تدفعها الدار للمؤلف. واحقاقاً للحق ـ شعرتُ لأول مرة أن هناك أخيراً من ينصف جهدي ككاتب عماني ـ على تواضع هذا الجهد ـ عندما رأيت بنداً في عقد طباعة وتوزيع النسخة الإنجليزية من كتابي الأول “مذاق الصبر”، من قبل ناشر سعودي معني بترجمة الكتاب العربي وتوزيعه على نطاق واسع في العالم، ينص على دفع مبلغ مجز من المال للمؤلف فضلًا عن اخطاري بنفاد الطبعة الأولى وهم على وشك توزيع طباعة الثانية.

* أنت إلى جانب كونك روائيا، فأنت مترجم أيضا، ومن بين الروايات التي قمت بترجمتها رواية “مزرعة الحيوان” لـ”جورج أورويل” ما الذي دفعك إلى ترجمة هذه الرواية بالتحديد؟ لماذا لا توجد لك مشـروع ترجمة مستقبلا؟ خاصة وإن هذا الأمر يبدو رائعا للقارئ العربي وهو يتوق بشغف لأن يتعرف على الروايات العالمية؟
- قبل أن أبدا كتابة نصوص سردية باللغة العربية، ترجمت بعض القصص القصيرة من الانجليزية نُشـرت في الجرائد المحلية وحظي بعضها باهتمام القراء.. الأمر الذي شجعني على ترجمة رواية قرأتها أثناء دراستي وفتنت بها كثيرا ألا وهي “مزرعة الحيوان” للروائي الانجليزي الكبير “جورج أورويل”، رغم أنها ترجمت إلى العربية أكثر من مرة. حين انتهيت من ترجمتها لم اقتنع بما أنجزت رغم مشقة الترجمة، وانتهى المطاف بالمخطوطة في خزانة المشاريع المؤجلة وهي كثيرة، ثم نسيت أمرها بعد أن شغلت بكتابة “مذاق الصبر” وكتابين سرديين آخرين، وبعد ثماني سنوات اعدت الاشتغال عليها من جديد!
وبالمصادفة قبل بضعة أيام كنت أتصفح الرواية فوقع نظري على هذه الجملة “كل الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر سواسية من غيرها”، وهي ترجمة حرفية للفقرة التالية:
All animals are equal, but there are some animals more equal than others.
فابتسمت! كان الأجدر أن أترجم تلك الجملة على النحو التالي: “كل الحيوانات سواسية لكن هناك حيوانات أكثر رفعة من غيرها”.

* بكل تأكيد أن عجلة الفكر لن تتوقف لديك، خاصة الكتابة في الرواية والقصة أيضا، ما هو الجديد في هذا الجانب؟ هل نقول باننا سنطل على مشروع عمّا قريب؟
- نعم هناك رواية بعنوان “ابن الشيخين” بدأت كتابتها قبل رواية “حكايات يونس حيم”، ولكني توقفت عن كتابتها ـ كعادتي ـ وبدأت كتابة رواية “حكايات يونس حيم”، وأمضيت السنوات الثلاث الأخيرة انتقل بين النصين اعواما، وقبل موعد معرض الكتاب الأخير بمدة تكفي لطبع الكتاب في بيروت بحيث يتاح توزيعه في المعرض، شعرتُ أن رواية “ابن الشيخين” تحتاج إلى بعض الوقت، فدفعتُ برواية “حكايات يونس حيم”.

إلى الأعلى