الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مسرح الصورة ورهان الحاضر

مسرح الصورة ورهان الحاضر

يُعد “مسرح الصورة” مرحلة تأسيسية، متجددة، متدفقة، متمردة على المدارس النمطية المسرحية، ذات البُعد الجمالي الفلسفي الذي يستلهم مفرداته من التيار الحداثي وما بعده. وهو ينطلق من فضاءات جمالية، أسطورية وطقسية، نابعة من أسس فلسفية عبر محطات الذاكرة الجماعية الإبداعية، حيث تتدفق منه صور مختلفة، منبثقة من حدس برجسون، وجدل شوبنهاور وأفكار السرياليين في بيانات اندريه بريتون، والمساحات اللونية في رسومات الفنان سلفادور دالي، كما أنها لا تخلو من أطروحات في الثقافة والميتافيزيقيا واللغة المسرحية في كتابات انتونان آرتو…جميع ذلك ، يصب في النهاية في بنية واحدة، للإعلان عن سياقات جمالية جديدة، تمثل خطاب مسرح الصورة بمعانيه فلسفته الفنية اللا-محدودة.
ويسعى “مسرح الصورة” إلى هدم قوانين المسرح التقليدية الثابتة التي تعتمد على لغة المعادلات الرياضية التوفيقية، بغية الابحار في عالم الحلم والفنتازيا. وهو في رسالته تلك، يشكل صراعًا ثنائيًّا في زمن العرض الفلسفي بين الجمالي التشكيل البصري والدلالي “المفهوم الذهني”، إضافة إلى ذلك، فهو يكشف عن أطر فلسفية تتجاوز الإدراك الحسي، ليرسم عالمًا افتراضيًّا قائمًا على الوحدة الدلالية التي تشكل مفردات الفضاء المسرحي.
ويعتبر هذا المسرح تجربة فريدة حاولت مواكبة لغة العصر الحديث الصورية في ظل الطفرة الحديثة ، وهو عبارة عن شكل مسرحي تمتد جذوره من عالم الأسطورة والخرافة والطقس إلى العصر الحديث حتى عصر الذرة والطاقة النووية والصورة الرقمية في عصرنا الحالي..
ورغم انتشار هذا النوع المسرحي في الغرب، إلا أنه يزال ضيفًا لطيفًا على الوطن العربي، حيث يميل السواد الأعظم من الجمهور إلى المسرح الحواري، إلى جانب ندرة من يتبنى هذا التيار ويقدم مسرحيات صورية على غرار “مسرح الرؤى” ، وفي الوقت ذاته ، فإن هذا لا ينفي أن هنالك بعض التجارب الحديثة التي قدمها الرواد، كما اقترب منها الجيل الحالي في ظل ما يسمى مسرح ما بعد الحداثة، ومن ضمن التجارب العربية المسرحية المقدمة عرض “حالة” التونسي من إخراج عماد جمعة ، والذي يعتبر من العروض الحداثية التي سعت إلى كسر كل ما هو تقليدي . ويعتمد هذا العرض على الاستعراض والأداء الراقص. وقد شكل هذا العرض تيارا مسرحيا مغايرا للعروض الكلاسيكية السابقة، كانت بمثابة حالة مسرحية تماثلت مع العروض الحديثة ، من حيث تقديم الاداء الاستعراضي الراقص المبهر مع موسيقى “الجيتار والجاز السريعة”، والتي عبرت عن إيقاع العمل السريع ، والحالة العنيفة ، حيث ساد فيه الأداء الحركي والاستعراض والأصوات الصاخبة.
ويفضح هذا العرض بجرأة الحالة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها تونس في ظل سيادة رأسمالية الاقتصاد العالمي .. واستغلال الإنسان كأداة استهلاكية مبتذلة، دون الالتفات لنزعات الإنسان .. إضافة إلى ضعف القيم والأخلاق العامة. ولقد عبر هذا العرض عن أكثر من دلالة، خاصة تجاه الجدار الفاصل “المعدني” والذي سرعان ما بدا حاجزا قويا ، يصعب التخلص منه في أغلب مشاهده طوال العرض المقدم ، كما حاول الممثلون اختراقه بوصفه رمزا للطغيان والجهل والقسوة،التي تمارس ضد حرية الإنسان وفكره.. ولكنهم سرعان ما تراجعوا للخلف وسقطوا الواحد تلو الآخر.. و ظلوا يحاولون جاهدين مررا وتكررا فعل ذلك .. ويرمز هذا الجدار إلى أكثر من دلالة ، قد يمثل حاجزا نفسيا يحول دون فهم الآخر لشخوص العرض في عصرنا الحالي، حتى أصبحت هناك حواجز وهمية خلفتها الرأسمالية ومجالات العولمة ..مع تنامي نبرة العنف على مستوى الوطن العربي . فيما أعلن المخرج أخيرا عن ضعف الإنسان، عندما جعله يتحول إلى قطعة ديكور في عمق المسرح.
ومن ناحية أخرى، فقد ركز العرض على جسد الممثل والأداء الحركي القائم على الحركة والاستعراض، فيما غابت اللغة الحوارية، وغلبت عليها نبرة الموسيقى الصاخبة التي حركت الخشبة ولعبت دورا رئيسا فيه . ولم يرحم هذا العرض المرأة والتي كانت تتراقص وتسحب بقوة وعنف بل وتعذب أيضا!…وتتقارب هذه النوعية مع العروض السائدة لدى الغرب، والتي تجمع بين الأداء الراقص وفنون السيرك والاستعراض السريع . فيما دافع المخرج عن تصوره في إظهار المرأة بصورة عنيفة ، مبررا ذلك بأن أراد أن يعكس حال المرأة في المجتمع التونسي المعاصر ، والتي أصبحت مجرد سلعة استهلاكية يمارس عليها العنف والاستغلال الجسدي!!
ورغم حرص مخرج العرض على تنويع الحركات التعبيرية والجسدية العنيفة مع القفز المستمر على إيقاع موسيقى الجيتار الصاخبة ، إلا أن العرض وقع في فخ التكرار وإعادة الحركات وممارسة الحركات العنيفة القفز ومعاملة المرأة بصورة غريبة.
ولعل توالي الحركات الثائرة الراقصة العنيفة، أحالتنا إلى واقع الثورات السياسية العارمة في الوطن العربي، والتي علت نبرتها العصبية والدينية والحزبية، مع السعي إلى تحويل هذه البلدان إلى شلالات دماء عنيفة، ولم تستطع تلك الدول التخلص من آثارها المدمرة حتى الآن … فيما أعلن مخرج العرض نهاية عرضه بإشارة أصابع النصر الساخرة والخاسرة.
ورغم إقصاء الكلمة، والحوار المنطوق في هذا العرض ، إلا أن الأداء الجسدي والصوري – رغم المبالغة في لغة العنف – استطاع أن يقدم عرضا مسرحيا صوريا ، يخالف المألوف والنمطي السائد.. مع توجيه رسالة واضحة وقوية للمشاهد جسدت حالة الواقع المعاصر بما فيه من صور استهلاكية ومادية تنكرت للقيم والمبادئ الإنسانية.
ومن جانب آخر، لابد من التذكير بأن مسرح الصورة هو مسرح غربي، يناغي حس المشاهد بصريا، والذي يعتمد على أداء الممثلين والرؤية البانورامية للعرض والتي تبهج عين الناظر، لذا كان لابد من ختام هذا الحديث عن مسرح الصورة، بالتحدث عن مسرحية (أياد) البولندية التي سعت إلى تقديم عرض بصري أيضا، تناغمت فيه الألوان والإضاءة مع أجساد الممثلين المعبرة ، بغية تشكيل لوحة مسرحية مكتوبة بلغة السيناريو المرئي، والتي رسمت ملامح المشاهد المسرحية بصورة درامية مكثفة ، وهذا العرض من إخراج البولندية داكمار زابسكا.
وفي بداية العرض يخيل للمشاهد بأن موضوعه بسيط ، خاصة في اعتماده على “السينوغرافيا” البسيطة . فقد كان الديكور في هذا العرض عبارة عن صندوق كبير أسود، زج به وسط خشبة المسرح .. ثم ظهرت أمامه شخصيتان كانتا ترتديان قناعا أسود اللون بحيث لا يمكن مشاهدة ، سوى أيديهما والجوارب البيضاء التي تضعانها مقارنة باللون الأسود القابع أمامهما ، وسرعان ما انغرست الأيادي في الصندوق الأسود لتقدم عرضا بصريا، جماليا استطاع أن ينقل المشاهدين من لوحة إلى أخرى في تتابع بصري ، ما لبث أن كلل ذلك بخروج شخصيات أخرى ترتدي نفس اللون لتجسد شخصية واحدة، استطاعت أن تقدم أداء “سميتريا” رشيقا على الخشبة، رغم إقصاء اللغة الحوارية ، والاكتفاء بالأداء الحركي والتمثيلي.
واستطاعت المخرجة أن تحول أيادي الممثلين – ذات الجوارب البيضاء – إلى أداة مهمة في فن التعبير والحركة، فقد وظفت الأيادي بصورة جعلت المشاهد يستمتع بالحدث ، فيما افتقرت المنصة إلى الحوار. ولم يقتصر دور (الأيادي) على الأداء التمثيلي فحسب …ولكنها تحولت في أحيان كثيرة إلى “ديكور” ، بل وتعدت ذلك لتصبح جزءا من “السينوغرافيا” العامة للعرض المسرحي ، فيما لعب خيال المخرجة والمعدة للعرض دورا مهما في أنسنة “الإضاءة” ورسم أبعاد شخوص خيال الظل، كما استطاعت أن تصنع تصورا لعدد من الأشكال المبهرة التي متعت أعين المشاهدين وجعلتهم يتفاعلون معها .
وانفرد عرض مسرحية (الأيادي) بتقديم طاقات جيدة من الممثلين الذين تنافسوا في صنع تشكيلات بصرية عديدة، وهذا ما اتضح من خلال العرض المسرحي حيث استغل العرض جميع طاقات مشاركيه ، مع استحداث أفكار متعددة لمواقف تتصل بالإنسان والحيوان معا عبر عدد من اللوحات المعروضة، فهناك ما يمثل القطار والركاب (الرجال والنساء والأطفال)…وغيرها من اللوحات التي كانت تصنع في اللحظة الآنية .
ولقد ساهمت الإضاءة في تشكيل اللغة البصرية للعرض المسرحي ، فيما تنافس اللونان الأسود والأبيض في تشكيل مفرداته ، إضافة إلى أحكام القبضة على توقيت الأداء والحركة على الركح، وتسلسل الأفكار الآنية، مع احترام الفضاء المسرحي، والحفاظ على الصمت فيه، وهذا جميعه جعل العرض يحظى بمتابعة متواصلة.
وهناك “جمالية” تحققت في العرض المسرحي “المنظور”، استطاعت أن تتحقق اشتراطات “مسرح الصورة” الذي نادي به كريج وغيره في مطلع القرن العشرين .. ولعل غياب اللغة في هذا العرض كان من أسباب نجاحه فلو كان هناك حوار بلغة المؤدين البولنديين ، لأصبح من الصعوبة بمكان فهم رسالته في ظل وجود جمهور عربي لا يفقه لغة العرض المقدم .

عزة القصابية

إلى الأعلى