الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كثافة المعنى في “فَاطْمَهْ ” لعبدالله حبيب

كثافة المعنى في “فَاطْمَهْ ” لعبدالله حبيب

“خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ، والبلاغة الإيجاز ، والمكثارُ كحاطب ليلٍ، والموجز البليغ، ولكلِّ مقامٍ مقال” من هذه المنطلقات بدأ الكاتب المبدع عبدالله حبيب العدو في مضمار النصوص، وفي دوائرها التكوينية بدأ المضمار ليكون الفائز الحقيقي في خوض غمار النصِّ، من منطلقات العربية الفصحى مارس هواياته وقال أشعاره فأسمع وأطرب، وكتب فأصدر، ومن الانتشار العربي بلبنان وفي مدينة بيروت الجميلة خرج لنا بكتابٍ عنوانه “فَاطْمَهْ ” بطبعته الأولى 2014،والذي قد وقف خلف ستار نجاحه النادي الثقافي عبر البرنامج الوطني لدعم الكتاب بسلطنة عُمان الحبيبة، ليصدع صوته في أروقة مبناه الرائع في رابية القرم بمسقط، وقد أطرب جمهوره ومحبِّيه وكل المتابعين لأنشطته وأماسيه.

إن تكثيف اللفظ بما يحمل من معان مكثَّفة هي الأخرى لا يتقنه إلا الكبار، ولا يمارسه إلا المضطلعون بفنون المقامات وبديع الكلمات وروائع العبارات، فكاتبنا الجميل عرف كيف يقتنص الألفاظ الدَّالة على معان لا حصر لها ومتدفقة بلا حدود، وهي تأسر القارئ وتسلب له عقله وفكره وكل جوارحه، ويرحل مع تلك الصفحات التي تحمل البياض، بياض الأوراق ليدك من خلالها الكنز ويطرب وينتشي لتلك الحروف وهو يعيش حالة من الدهشة والمتعة في آن واحد.

وقد بدأ عبدالله حبيب بداية الكبار أيضا عندما يتواضعون حتى في شكرهم لبعضهم البعض وهذا نرصده عندما قال: أوجِّه الشكر الجزيل إلى الصديق الشاعر سماء عيسى الذي قرأ مخطوطة هذا النص بعنايته المعهودة، فأزجى لي العديد من الملاحظات الهامة”، وكذلك نرصده عندما ضمَّن نصا جميلا من كتاب أغاني شيراز لحافظ الشيرازي من ترجمة الدكتور إبراهيم أمين الشواربي جاء كالآتي: ” السائل في جادتك غني عن جنات الخلد وأسير عشقك متحرر من كلا العالمين”، ونرصده أيضا عندما أهدى إصداره “إلى فَاطْمَهْ”.

ويبدأ الكاتب بالبكاء في تكثيف لا مثيل له للمعنى وبعبارات لا مثيل لها في الجمال، فقد تناسب اللفظ مع المعنى وأعطى للبياض في الصفحة انسجاما لا يقل عنهما جمالا وروعة:
أبكيها
كمن يتذكر العشب
ويسقيه

عندما نرصد ذلك التكثيف ونربطه بدلالات نفسية عند الشاعر وهو يكثف الحزن ويكثف البكاء لتنحدر الدموع من الغيوم كالمطر ينهمر دون توقف، ويتذكر سنوات العمر وهي تمضي كقطارات في خدرها وتبدل السنون قمصان الحياة لندرك كم من العمر قد مضى:
القِطاراتُ في خِدرها
السنواتُ في قميصها

وينقلنا إلى تضاد جميل في صورة نفسية مكثفة لتخرج ذلك التأوّه من تلك الرئة، إنه تأوّه بحجم السماوات والأرض بل كل الكون ينطلق من رئة صغيرة وصغيرة جدا:
أكبرُ من التأوّه
أصغرُ من الرئة

ويكثف بنا صورة جميلة من المتقابلات أيضا في معاني القلة ومعاني الكثرة لبعبر لنا عن معان كثيرة بألفاظ قليلة:
لم تكن تريدني كثيراً
لكنّني كنتُ أريدها كثيراً
والآن عليَّ أن أكتفي بالقليلِ من أكثر الأشياء

ويصف لنا الوحدة بعد الاجتماع والغربة بعد الوطن والظلام بعد النور وفيها ما فيها من اللوعة ومن الغياب الذي يحدث للمكان وللزمان وللنفس من عمقها وقدسها ومنتهاها وكل ما تعبر به عن عوالمها:
لم تقبّلني إلا مرّةً واحدة
ومضيتُ إلى الآخرةِ بلا شفتين
***
في إحدى الليالي كنا على الشاطئ
وفي كل الليالي غاب القمر

ويمضي الكاتب من خلال النص الشعري الطويل قاطفا لنا ولكل القرّاء زهورا بألوان مختلفة كالنحلة التي تمتص الرحيق لتنتج لنا العسل المصفى وقد نتوقف عند قطرات شهده الشافي:
قالت: أنت ذَكَري، وأنا أُنثاك
ثم اختفى الكلامُ عن الكلام
***
بين وركيها
تغيبُ الزهورُ في البذور

ثم يصف لنا البياض بقطرات حبر على بياض الصفحة، وهو يعبر عن الرحيل والتِّرحال والتنقل والسفر الذي يبعث الذكريات الجميلة:
صارت تسافرُ إلى العديد من البلدان
وأنا أتذكّرها تحت الأرض
***
كلما رأيتُها
اندلق اللونُ الأبيضُ على الغطاء
أجمل شجرةٍ في العالم

الغياب يحتم على البشر كل شيء ليس لأنه يزج بهم في عوالم الغيبيات وحياة البرزخ فحسب، بل لأنه رحلة يكتشف هذا الغياب من خلاله غيابا من نوع آخر قد يكون الخلود منفذا له:
لا يتطلب الأمرُ أكثر من غرفةٍ صغيرة
فيها جهازُ تكييف يعمل جيداً
وبطانية مزدوجة ثقيلة
كي يحدثَ كل هذا الغياب

ثم أن هذا الغياب الحتمي والرحلة الوجودية لهذا الكون يمثل الشاعر عندما يحل عليه في حضرتها وهي ترحل إلى غير بعيد، ربما إلى غير قريب وربما أقرب من القلب:
في غيابها
تزدهرُ الشّهور
وتشيخُ السنوات
***
بقيت الكأس فارغة
لأننا لمسناها
وكأن الأذى مجرّد مزاح

لا يخلو النص الشعري عند عبدالله حبيب من الفلسفة في عالم الموت والحياة وفي عالم الغيب والشهادة وفي عالم الروح والجسد وفي عالم الفقد والحضور وفي عالم الضحك والبكاء وفي عالم الغرس والثمار وفي عالم الغيم والمطر وفي عالم الظل والشمس وفي عالم الليل والنهار فالفلسفة نمط يتوزع في هذا النص الشعري الجميل:
صراخ
في الإيقاع
إيقاع
في الاحتضار
***
أمسكتني الهيولى
تركني الغدير
***
غيابٌ
بعد فواتِ الغياب

بدأنا مع فَاطْمَهْ من خلال فَاطْمَهْ، ونختم فَاطْمَهْ من خلال فَاطْمَهْ وكما عرض لنا الكاتب نفسه مقصد النص عند فردرِك إنغلز، الخطاب الوداعي أثناء دفن كارل ماركس، نضع لك عزيزي القارئ هذا النص:
فَاطْمَهْ
أتت
دوماً
فيما
بعد

ناصر الحسني

إلى الأعلى