السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ها أنت الآن وحيدا أيها الغريب

ها أنت الآن وحيدا أيها الغريب

تستبطن القصيدة الأغوار السحيقة للكائن ، تحاول اضاءة الزوايا المعتمة ، والبعيدة . ملامسة النابض ، قراءة الحالة الانسانية ، في لحظات توترها ، واحتدامها ، وصخبها الداخلي .
بفعل الأمر ” سافر ” يجد الغريب نفسه في حالة التأهب للسفر ، يلملم أشياء ، بقاياه ، ويضع في الدرب خطوته الأولى ..

سافر .. مراياك القديمة تناديك (1)
لملم وجوهك يا غريب وترحل
ما عاد فينا شي يمكن يراويك
لما نمحيت وغبت في حضرة الكل
ذاب الزمن
وتكسرت من حواليك
كل الجهات
وشهوة الشمس
والظل

ثمة استبطان لدواخل الغريب وهو يلملم ذاته ، بحثا عن مراياه القديمة .
ثمة من يقف في مكان عل ٍ ، يرقب الغريب ، ببصيرة نافذة ، وهو يضع قدمه خارج العتبة ، لعلها ذاته ؟!
يتأبط زوادته وحاجياته البسيطة ، ينظر للمدى الممتد أمامه بحرقة وأسى ، يهز رأسه ، ويلوح على وجهه ما يشبه الابتسامة ، يخطو خطوتين ، يقف ، يلتفت للوراء ، ثم يعطي وجهه للسبيل ..

وحدك بقيت وْ ماي سرك سرى فيك
لما تفلت قيدك / الوهم وانْحل
ومن الأزل يجري وتجري مجاريك
في كل شي وْ انته الكل والمثل
وانته نهاياتك وانته بداويك
دوم العوالم فيك تحيا وتذبل

ها أنت الآن وحيدا ، ايها الغريب ، ها أنت الآن حرا ، طليقا ، خفيفا ..
متخلصا من قيودك وأوهامك ، تيمم وجهك للمدى.
ها أنت الآن وحيدا الا من سرك الأزلي ، تحمله معك كـ زوادة ، أينما ذهبت.
يضفي الشاعر حسام الجابري مسحة فلسفية على الغريب وسره ” ماي سرك سرى فيك / ومن الأزل يجري ” ، لعلها غربة الانسان الوجودية في هذه الحياة .
أي سر هذا الذي يحمله الغريب ؟ أي سر أزلي ؟

عينك على غيرك تصك الشبابيك
وتشوف وجهك كل حين ٍ تبدل
في داخلك بحرك يذوّب مرافيك
ومخروقة ألواحك ولا بد ح تضل
غرقان في ذاتك .. ومحد يلاقيك
غيرك .. ومحد عن غيابك بيسأل
فيما يشبه الكشف يجري الكلام ..
يغلق الغريب كل ” الشبابيك ” على الآخر ” غيرك ” كل شبابيك العين والروح .
ثمة احتدام وصخب واصطفاق ، ومد وجزر ، لا يشي به سوى ـ لن أقول يبوح ، لان ثمة سر لا يتوجب البوح به ـ وجه الغريب وتبدلاته ” تشوف وجهك كل حين ٍ تبدل – في داخلك بحر – مخروقة ألواحك ”
يتقوقع الغريب على ذاته ، يغلق كل أبوابه وشبابيكه ، يغلق كل كوى الضوء على سره ” تصك الشبابيك ـ غرقان في ذاتك ـ محد يلاقيك غيرك ”

مشغوف بالحيرة .. وأنثى ترابيك
تصعق رسومك في شهودك وتجفل
أنثى تحب الحب وتمحي أساميك
لا اسم يحوى ما بدا لك ولا يدل
ما بين هالعتمة وصحرا منافيك
يركض غزال ويصطدم فيك ويفل
ترميك عينه للبعيد وتواريك
ما تدري ترحل وين أو وين بتحل
ويفيض قلبك وجد ويغيب طاريك
لا أنت انت ولا بقى منك مقتل

هذا الـ آدم المتمترس في ذاته ، السادر في غربته ، الغارق في حيرته وسهومه العميق ..
وبخفر الأنثى وحيائها ، وكيدها الغريزي تقف على مبعدة ٍ حواؤه ، تراقبه وتتسقط أخباره ” وانثى ترابيك ”
انها تفعل فعل السحر في نفس الغريب ، تتربص به المحبة ، وتتحين اللحظة المناسبة لتحدث فعل الاصطدام في قلبه فتلتمع البروق وتضطرم الحرائق ..
مفقود في عين الفراغ ومعانيك
تثقب فؤادك لين للموت ينسل
لا حس لا معنى ولا شي يساويك
لما نمحيت وغبت في حضرة الكل !
في نص ” حضرة الكل ” للشاعر حسام الجابري ، النص الفائز بالمركز الثالث في مسابقة الملتقى الأدبي ، ثمة استبطان لدواخل الغريب ، وثمة قراءة لمراياه ، وسبر لأغواره . ثمة بعد فلسفي ، وثمة رائي ، يقول ما يعتمل في دواخل الغريب ، أو بتعبير مختلف ، يسجل / يستقرئ ما تنبئ به مراياه / حالاته / تبدلاته .

الهوامش :
(1) حضرة الكل ، حسام الجابري ، النص الفائز بالمركز الثالث في مسابقة الملتقى الأدبي التاسع عشر

حمود الحجري
Hadakeh44@hotmail.com

إلى الأعلى