الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلة إلى مدينة جنيف (5) في مدينة “لوزان” السويسرية

رحلة إلى مدينة جنيف (5) في مدينة “لوزان” السويسرية

التقينا في مكتب الآغاخان الذي يقع في القسم الشمالي الشرقي من المدينة، والذي يبعد نهاية الشارع عن الفندق الذي نقيم فيه. وكان اللقاء وديا للغاية برفقة السندباد الصغير الذي راح يمارس هواياته في الرسم أمام مدير الجائزة. وطالعنا مجموعة المكعبات التي تمثل رمز الجائزة الشهير المرصوف بعناية على نافذة مدير المكتب منذ تأسيس الجائزة في نهاية السبعينيات وحتى قبل عامين. وبعد هذا اللقاء اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي على الغداء في الفندق. في صبيحة اليوم التالي وبعد جولة سريعة شملت متحف التاريخ الطبيعي مجددا عدنا أدرجنا للفندق قبيل ساعة الغداء للإستعداد للقاء السيد درخشاني. وكما تتصف الساعات السويسرية بالدقة، يبدو أن هذه الدقة قد انعكست على حياة القاطنين في تلك المدينة، إذ وقبل موعد الغداء بعدة دقائق هبطت عبر المصعد العتيق الذي تم ترميمه من الطابق العلوي لبهو الفندق لأجد الصديق واقفا في بهو الفندق الصغير يطالع بعضا من صحف اليوم امضاء للدقائق المتبقية قبيل الغداء. وعلى طاولة الغداء المستديرة المتسعة لأربعة أشخاص دارت الأحاديث وطافت بين أحياء مدينة جنيف لتحط في موعد مرتقب بعد الغداء للذهاب لمدينة على ساحل البحيرة الكبيرة في طرفها الآخر، وكانت هذه الرحلة المرتقبة بسيارة السيد درخشاني عبر الطريق الساحلي الرائع في ذلك اليوم الربيعي المشمس.

الساحل المائي والطبيعة

لم يخل الطريق المحاذي للساحل المائي لبحيرة جنيف الضخمة من التنوع والمناظر الطبيعية الخلابة. وكان الطريق، أو مجموعة الطرق السريعة، التي تربط الإقليم متناغمة في هدوئها مع صفحة الماء الهادئة في البحيرة، وتارة كان الطريق يتعالى صعودا في تناغم طبيعي من الجبال المحيطة ليكشف للناظر عن روعة المشهد بالأسفل. لكن هذا التذبذب بين السهل والجبل لم يغير من طبيعة الطريق السلسة أو المناظر المتنوعة المتتابعة التي قصّرت المسافة وذابت عقارب الساعة وتقزم الوقت بين ثناياها. ولوزان (بالفرنسية: Lausanne) تقع في سويسرا بالجزء الناطق باللغة الفرنسية – حيث تتعدد اللغات والألسن تبعا للإقليم الجغرافي والدول المحيطة والمحاذية للكانتونات السويسرية. وهي من المدن السويسرية الساحلية الشهيرة الجميلة وتبعد عن جنيف مسافة 60 كلم تقريبا وعلى الطريق بين المدينتين توجد مناظر خلابة حيث تكون بحيرة جنيف على اليمين وتكون التلال الخضراء والتي تتناثر عليها البيوت ذات القرميد الأحمر على اليسار وجبال الألب الشاهقه خلف البحيرة في منظر من أجمل المناظر الطبيعية على مستوى العالم. ويوجد بمدينة لوزان المتحف الأوليمبي الشهير وحديقة الحيوانات. وفي منطقة أوشي في وسط لوزان على ضفاف البحيرة يوجد فنادق فخمة ومطاعم ومناطق رائعة للجلوس للاستمتاع بهواء البحيرة العليل وتناول المرطبات. وتُعدّ لوزان، ثاني أكبر مدينة سويسرية تقع على ضفاف بحيرة جنيف الشهيرة، حيث تجمع بين الطبيعة الحيوية للمدينة التجارية مع موقعها المهم كمنتجع سياحي جذاب. وتعجُّ أيضاً عاصمة إقليم ” فود” بالحركة والحيوية والنشاط بوجود جامعتها واستضافة المؤتمرات. كما أنّ الرياضة والثقافة تمنحان هذه العاصمة الأولمبية مكانة عالية ومرموقة.

المدينة ومساحة تعدد الثقافات

وصلنا المدينة قبيل العصر وقد زال قرص الشمس واحتجب على استحياء بشكل متقطع وراء الغيوم الصغيرة، مما أضفى على الجو بعضا من الإعتدال الخفيف وشيئا من البرودة. وترجلنا من السيارة في الشارع العلوي الرئيس الذي يعج بالحركة التجارية والمحلات السويسرية التي تبيع مختلف صنوف البضائع المحلية المتميزة، فضلا عن محلات الحلوى والشوكولاته والملابس والمجمعات التجارية. في مثل هذه الشوارع الحيوية التي تراتبت فيها العناصر بطريقة أنيقة يحس المتجول بغنى ورقي الثقافة السويسرية مقارنة بمثيلاتها في الثقافات الإنسانية “الأرضية” الأخرى. وغني عن القول، مع ذلك، ارتفاع مستوى المعيشة بدرجة ملحوظة – حتى بالمقارنة مع العواصم الأوروبية الأخرى مثل لندن أو باريس. وعلى مدى ما يقارب العقدين من العيش في لندن لم أشعر يوما بالفارق في الإرتفاع الباهظ في مستوى المعيشة بين الثقافتين إلا بعد هذه الرحلة، فالأسعار في لندن تبدو منطقية ومتواضعة حين تقارن بمدن سويسرا، ولكن مع فارق الجودة أيضا. فمثلا لمحبي أصناف معينة من الطعام كالحلوى والشيكولاته والجبنة السويسرية الشهيرة لا مجال للمقارنة بين الأطعمة في سويسرا وبين نظيراتها في لندن مثلا، مع استثناءات في باريس أو بلجيكا مثلا على اعتبار الإمتداد الثقافي، وإلى حد ما الإقليمي، بين الأخيرتين وبين المدن السويسرية. ورغم أن هذا الفارق الباهظ في المعيشة لم يكن موضع إزعاج فعلي لنا، ولله الشكر والحمد على نعمائه وعطائه، إلا أن هذا الفارق المعيشي يصبح موضع مقارنة مستمرة سواء بالنوع أو القيمة المادية – وإلى حد ما يكون مثيرا للإهتمام وربما الطرافة والفضول. ولكن عموما تهيمن النوعية على ارتفاع القيمة المادية ويغلب الطعم الرائع على القيمة النقدية ويشعر الشاري بأنه يحصل على مقابل ممتاز لقاء حفنة فرنكات سويسرية (لم تذب الثقافة السويسرية في نظيرتها الإتحادية الأوروبية وحافظت على هويتها الثقافية وحتى الإقتصادية ولم تدخل منطقة اليورو).

انتقلنا من الشارع الرئيس الى طريق متعرج مواز للأول ولكنه يطل مباشرة على ساحل البحيرة الكبيرة. وهذا الطريق الساحلي رومانسي لدرجة غير عادية حيث تم رصفه وتشجيره “وتأثيثه” بالمقاعد والجلسات الصغيرة إضافة للبساط الأخضر المتقطع والمتمطي عبر الطبيعة المتدرجة لهذا الحزام الساحلي المخملي الطبيعي الرائع. وبين مسافة وأخرى على هذا الحزام الترفيهي كانت تنزل مجموعة من الأدراج التي تقود للساحل ذاته والمغطى بأحجار البحر الصغيرة والأصداف والتي كان الموج يداعبها بين برهة وأخرى. وكان الساحل مغريا لموسى وأمه للنزول بينما تتوفر في الوقت ذاته فرصة لبعض المرتادين للجلوس على أحد المقاعد التي تطل عليها شجرة وارفة الأوراق والظلال. جلست تحت إحدى أشجار مدينة لوزان الساحلية مفكرا ومتأملا – وهي عادة أزلية بامتياز، ماذا ناظريّ عبر أفق المدينة السويسرية للجانب الآخر من البحيرة اللامنتهية عبر الأفق الطبيعي، ولم يكن يقطع خط ناظري في الجزء الأيمن من المشهد سوى منظر طبيعي أخاذ وساحر للجبال التي كانت تكسوها طبيعة جنائنية خضراء تفضح ترفا وجمالا لا يدانيه جمال دنيوي لمدن أرضية أخرى. وبين ثنايا هذه الجبال الخضراء كانت تطل مجموعات من المساكن الصغيرة ملونة الأحجار. وفي خلفية المشهد برمته كانت تطل جبال الألب كعملاق مارد هائل يتغول، وإن برفق وتؤدة، على الساحل ويشعر الرائي بعظمة الطبيعة المحيطة وتنوعها. في مثل هذه المشاهد الطبيعية الساحرة كثيرا ما تنطلق أفكاري من عقالها وأنتهز مثل هذه الفرص في التفكير الطويل الساهم في بحار لجية من الأفكار والخطرات والتأملات النظرية في الكثير من الأطروحات. ولا عجب مطلقا أن يكون للإبداع حظ وافر ونصيب كبير في الثقافات الغربية التي تعلي من شأن البيئة المبنية وتسخر العقل الذي هو أسمى مخلوقات الخالق لخدمتها وتسهيل وتذليل العقبات في حياتها لتسبح في بحار من العلم والمعرفة والإبداع (هذا كله مقابل خطاب أيديولوجي دراويشي ديني عالمثالثي متخلف بات يقوده حملة شهادات عليا حصل عليها هؤلاء الدروايش، أو دراويش السلفية المعمارية، للأسف من جامعات غربية وبات يروّج منظروها لمناهج دوغمائية تضلل الأجيال في علاقة مشوهة، وفهم أو عدم فهم سقيم، بين البيئة المبنية وبين “الضلال” الفكري الغربي مقابل “ترهل غير مسبوق” في البيئة المبنية للعالم الثالث والمدينة العربية – يقود من تخلف إلى دروشة إلى مستنقعات من التخبط الفكري والتشوش الثقافي الأيديولوجي على أيدي “جهلة البيئة المبنية” و”رواد الدروشة العمرنية” بامتياز). تطوف مثل هذه الخواطر والمقارنات حين مقارنة المدنية الغربية وإبداعاتها التاريخية وما توفره البيئة المبنية كحاضن ووعاء فكري إبداعي وبين الغرق الفكري والتيه اللازمني الذي توفره البيئات المبينة في العالم الثالث – والعربي للأسف، وتحت مسمى الدين والخطاب المضلل!.

في مثل هذه اللحظات والخطرات يدرك المتأمل عظمة العقل البشري “السليم” مقابل المرض المزمن الذي يتسلل للفكر عبر وسائل الخطابات المتشددة تارة، والبراغماتية أو الفكر الدوغمائي الذي يجحد العطايا الطبيعية التي حباها الخالق لخلقه وجعلها في مدى ومضمار “في ذلك فليتنافس المتنافسون”. وفي الوقت الذي أمسك فيه الغرب، بعد حقب من التيه في ظلام الجهل والرتع في أوحال الخطاب الديني المتخلف الذي قدمته الكنيسة تاريخيا، تنقلب الطاولة على الجمع والحضور، ويرث أحفاد حضارة سادت العالم ورادت أرجاء وزوايا الكوكب، يرثون خرقة من التخلف وقرون من صراعات الشيع والفرق الإسلامية الضالة التي أعلت من شأن العقل الغنوصي التي تبنى فكر الهرطقات الصوفية وترهات الدروشات الدينية (التي امتدت للأسف إلى دروشات معمارية حديثا! إذ فتح بعض “جهابذة” وعتاولة العمارة السلفية فروعا للدروشة والتخلف في بعض أرجاء العالم العربي وصحراء التخلف وعدم الرشاد. وبتلقي الجرعة كاملة من هذا الإرث المتخلف، يزداد العالم العربي والإسلامي ترديا وتخلفا وتشرذما باعتناقه أفكارا مضللة من فئة ووزن أن (البيئة المبنية هي وسيلة وليست غاية – على النقيض وكنكاية بالغرب الذي بزعمهم، وإن كان ذلك حقا، أنه يسخر البيئة كغاية) وما درى دراويش العمارة هؤلاء أن من يعاند نواميس الطبيعة وقوانين الخالق إنما يعاند المنطق. وما درى أمثال هؤلاء أن المطية إن كانت بالية وسقيمة فلن توصلهم لأبعد من النقطة التي ما يزالون يبارحونها. وفيما يتقدم العالم وخلق الباري إلى الأمام يقف هؤلاء “شامخي الرؤوس” خلف كل البشرية قرونا من التخلف والتردي والتنطع لكل مقومات العلم والسيادة والريادة، لنقف “وبفخر!” واعتزاز عالة على البشرية، وحالة بائسة تستحق التأمل والدراسة – وإن كان العالم، لا يلقي لمثل هذه الحضارات التي شأت شأوا عظيما في مستنقعات التخلف بالا! ولهذه الخطرات في لوزان بقية

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى