الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النبي عليه الصلاة والسلام الأسـوة الحسنة

النبي عليه الصلاة والسلام الأسـوة الحسنة

يعـتـبر الرسـول محمد بن عـبـد الله صلى الله عـليه وسلم ، الـداعـية العـظـيم في تاريخ البشـرية عـلى الاطـلاق ، مـنـذ النبي آدم عـليه الـسلام وإلى أن يـرث الله الأرض ومن عـليها ، وهـو أطـول الأنـبياء زمانا وأوسـعـهـم رقـعة ومـكانا ، وأعـظـمهـم مشـقة وتحـمـلا .
ولـذلك كان النبي عـليه الصلاة والسلام يحـس بعـظـم المسؤولية ، وأمام عـبء ثـقـيـل ، وعـمـل مـرهـق وشـاق ، وكان الـوحي النازل عـليه يـؤكـد هـذه الحـقـيـقـة أن تغـيرا كـونيا يـوشـك أن يقـع ، وأن تحـولا في تاريخ الإنسـانية قـد قـرب .
قـال الله تبارك وتعالى : إنا سـنـلـقي عـليك قـولا ثـقـيلا المزمـل 5 . فـليسـتـعــد الإنسان المخـتار لهـذه المهـمة العـظـيـمة ، إذ لا راحة ولا دعـة بعـد الـيـوم ، وإن الآيات الـنازلة عـليه مـع بــداية الـوحي واتصال السماء بالأرض تشـير إلى ذلك ، قال الله تعالى ( إنا نحـن نـزلنا عـليك الـقـرآن تـنزيـلا ) الإنسان 23 تجـلـد وقـاوم وشـق للحـق طـريقه الـوعـر( فاصـبر لحـكـم ربـك ولا تطـع منهم آثـما أو كـفـورا ( الإنسان 24 .
وإن عـدم الطـاعـة في هـذا المـقـام ، أن لا اعـتراف بالباطـل بوجه من الوجـوه ، فـلابـد من تعـريته وكشـف زيـفه ، قال تعـالى ( واذكـر اسـم ربـك بـكـرة وأصيـلا ، ومن اللـيـل فاسجـد له وسـبحه لـيـلا طـويـلا ، إن هـؤلاء يحـبـون العـاجـلة ويـذرون وراءهـم يـوما ثـقـيلا ) الإنسان 25 : 27 .
وفي الحـديـث عـن هـذه المهـمة ، لا بـد من إسـقاط الشركاء المـزعـومـين وتجـريـد العـقـيـد ة من أوهـام الناس ، سـواء منهـم الأمي أوالكـتابي ، وغـرس الإحـساس بالـوحـدانـيـة في قــلــوب البشـر ، حـتى لا تكـون نـظـرية مجـردة أو خـيالا عـابـرا.
من أين له هـذه القـدرة ؟ . من ديمـومة الـذكـرى في حـياته ، اذكـر اسـم ربـك بـكـرة وأصيلا ، ( لـيلا ونـهارا ) ، إنه ذكـر مستـمـر لاينتهي ، إن ضـياءهونـوره يتـلألأ لا يخـبـو ، فالله هـوالـذي يمـده بـتـلك الـقـوة وبـذلك النـور المضيء .
وقـوله سبحانه وتعالى : { ومن اللـيـل فاسـجـد له وسـبحه لـيـلا طـويـلا } سـورة الإنسان 26 هـنا مكـمن العـظـمة وسـر إشـراقها الـدائـم ، إنها مـوصـولة بالله نـورالسمـاوات والأرض ,والمتـدبر لحـياة النبي محمد صلى الله عـليه وسلم ، والمطالع لـسـيرتـه مـنـذ نـعـومة أظـفـاره ، ودعا إلى الله عـلى بصـيرة من الأمـر وصـدع بأمرربـه وجـاهـد في سـبيـل الله حـق الجـهاد حـتى أتاه اليقـين وألتحـق بالـرفـيـق الأعـلى ، يجـد إنسانا وثـيـق اليـقـين بـربه ، قـوي الاعـتماد عـليه صادق الـوصـف له .
فـبـلغ في تـزيهه المـدى ، وكانـت كل مـواقـفـه عـلى المفــترين والمشركـين تمحـو ضلالهـم بقـوة ، ثـم يبـين لهـم الصـواب في حـشــد من الأدلة العـقـلية المـوصلة للـيقـين ، والباعـثة عـلى حـب الله والإنابـة إلـيه .

حيث نـرى كـثيرا من الناس يحـتـفـلـون بـذكـرى مـيلاد الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم ، فـيـقـرأون شـئيا من سـيرته العـطـرة ، ويـتبركـون بـذكـر صـفـاته الحـميـدة ، وأخـلاقـه النـبيـلة العـالية الـرفـيعـة ، وهـو شـيء حـسن وعـظـيـم ، ولـكـن الاحـتـفـال بهـذه الـذكرى يجـب أن تكـون سـببا لمحاسـبة النفـس عـما فـرط منها من تقـصير ، والـرجـوع إلى مـا جـاء بـه رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم ، فـعـلى كل مـؤمن يحـب الله ورسـوله ، أن يتخـذ مـنها طـريقا ومنهـجـا لحـياته ، لا أن يحـييها ( بضم الياء ) ، وإنمـا أن يحـيا هـا عـبرة وعـملا وسـلـوكا ، وأمانة ووفـاء وصـدقا ، ومحـاسـبة للنفـس واسـتـدراكا لما عـساه بـدر مـنه في الماضي من التقـصير ، فـيما أمـر الله بـه ورسـوله ونهـى عـنه الله ورسـوله ، قـال الله تبارك وتعـالى في كـتابه العـزيـز وقـوله الحـق : { لـقـد جـاءكـم رسـول من أنفـسـكـم عـزيـز عـلـيه ما عـنـتـم حـريـص عـليكـم بالمـؤمنـين رءوف رحـيـم } صدق الله العظيم سـورة الـتـوبة 128 ، وقـال الله تعـالى : { وما أرسـلناك إلا رحـمة للعـالمين }صدق الله العظيم سـورة الأنبياء 107 ، وإنه لـمن نافـلـة القـول أن نـقـول : بأن الـواجـب عـلى الكـل وِالـدعـاة إلى الله والمرشـدين الـذين يـريـدون الخـير لهـم ولغـيرهم ، أن يتخـذوا مـن هـذه الـمناسـبة العـظـيمة وغـيرها من المناسبات العـطـرة ، منهجا لـغــرس محـبة الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم في قـلـوب المـؤمـنين لاسـيـما في قـلـوب الأولاد فـلـذات الأكـباد ، الـذين لا يعـرفـون شـيئا عـن سـيرة الرسـول صلى الله عـليه وسـلم ، وهـم يعـرفـون كل شـيء عـن لاعـبي الكـرة والمغـامـرين في العـالم ، ويجهـلـون كل شـيء مما يـدعـوهـم للأسـوة الحـسـنة والاقـتـداء ، لأن في هـذه الأسـوة الحسنة سـعـادتهـم في الـدنيا والآخـرة ، ولـكـن لا بـد أن يـكـون ذلك بأعـمالهـم وأخـلاقـهـم وسـلـوكـياتهـم ، لا بـتـزويـق كلامهـم وفـصاحـتهـم وخـطبهـم.
فـإذا كانت أعـمال الـدعـاة والمـرشـدين تخـالف أقـوالهـم ، فـلـن يكـون لـكلامهـم أي أثـر في قـلـوب المـؤمنين ولا يـكـون له تأثـير في قـلـوب النـشء ، الـذين هـم رجـال الغـد المنشـود لبـنـاء المستـقـبـل ، فـأولادنا وفـلـذات أكـبادنا أمانـة في أعـناقـنا ، والله سـائلنا عـنهـم ، قال الله تبارك وتعـالى : { يا أيهـا الـذين آمنـوا قـوا أنفسـكـم وأهـليـكـم نارا وقـودها الناس والحجـارة عـليها مـلائكـة غـلاظ شـداد ، لا يعـصون الله ما أمرهم ويفـعـلـون ما يـؤمـرون }صدق الله العظيم سـورة التحـريم 6 ، ولا بـد أن نكـون صـادقـين في أقـوالـنا وأعـمالنا ، وأن تـتطـابـق سـرائـرنا وعـلا نيتـنا ، لأن الله يـقـول في كـتابه العــزيـز : { يا أيهـا الـذين آمـنـوا لم تـقـولـون ما تفـعـلـون كـبر مقـتا أن عند الله أن تقـولـوا ما لا تفـعـلـون }صدق الله العظيم سـورة الصـف 2 . إن الأمـة الإسـلامية يجـب عـليها ، أن تغـيـير من سـلـوكـياتها ومـواقـفها ، لأن ما هـي فـيه من سـوء الـظـن بهـا ، وما هي عـليه من الحـالة السـيئة نتـيجـة تصـرفها وأعـمالها ، من ارتـكاب المحـرمات وتـرك الـواجـبات ، والحـجة قـائـمة عـلينا ، لـذلك لا يصـح والحـالة هـذه أن نـكـون قـدوة لـغـيرنا ، والله تبارك وتعـالى يـقـول : { كـنـتـم خـير أمـة أخـرجـت للناس ، تأمـرون بالمعـروف وتنهـون عـن المنـكـر، وتـؤمـنـون بالله ، ولـو آمن أهـل الكـتاب لـكان خـيرا لهـم ، منهـم المـؤمنـون ، وأكـثرهـم الـفـاسـقـون }صدق الله العظيم سـورة آل عـمـران110 .
إن العـالم اليـوم يحـتاج إلى مـنـقـذ مما هـو فـيه ، يخـلصـهـم من وحـل المـاديات والابـاحـيات ، ولا يـكـون ذلك إلا بالإسـلام عـمـلا وسـلوكا ، صـدقا ووفـاء وأمـنا وأمانة ، فـلـذلك كان لـزاما عـلى الأمـة الإسـلامية أن تقـدم الإسـلام خـالصا مخـلصا من جـمـيع الـشوائب والـرواسـب ، التي رانـت عـلى القـلـوب بـسبب بعـد المسلمين عـن أسـس الإسـلام المتينـة القـوية ، والتي تقـمصـها المسلمـون وهـي لـيست من الإسـلام في شـيء .
فـكـيف نـدعي الإسـلام وأعـمالنا تخـالف أوامـر الله ، وتخـالـف ما جـاء به رسـول الله ولـقـد كان أولـئـك الأوائـل من أمة محمد صلى الله عـليه وسـلم ، الـذين تخـرجـوا في مشـكاة النبـوة ، وصـاروا دعـاة بأعـمالهـم مـواقـفهـم ، دعـاة بأخـلاقهـم ووفـائهـم ، دعـاة بصـدق عـهـودهـم ووعـودهـم ، وفي تعـاملهـم وأمانتهـم ، فـكانـوا سـببا لمحـبة الناس لهـم ومحـبة الاقـتـداء بهـم ، وهـو الـذي شـجـع الآخـرين أن يتخـذوهـم أسـوة حـسـنة ، وقـدوة طيـبة فـكان ذلك سـببا لمحـبتهـم الإسـلام ومحـبـتهـم لله ومحـبتهـم لـرسـول الله ، فـعـشـقـوا الإسـلام قـولا وعـملا ، محـبة وأخـلاقا وسـلـوكا ، فـدخـلـوا في دين الله طـواعـية ، لأنهـم وجـدوا في الإسـلام الخـير والـبركـة والـراحـة والاطـمئـنان ، وجـدوا ما فـقـدوه في الـديانات الأخـرى ، وجــدوا ما هـم بحاجـة إلـيه ، وجـدوا كل ذلك في الإسـلام .
ولـقـد مـنع إقـبال الناس إلى الإسـلام ، ما رأوه مـن تـشـويه صـورة الإسـلام الناصـعـة في أعـمال المـسلمين البشـعـة من ارتـكاب الـفـواحـش ما ظهـر منها ما بطـن ، فالإسـلام ينهـى عـن الـزنا ، فـتراهـم يـزنـون ، والإسـلام ينهى عـن شـرب الخـمـر ، وتـراهـم يتعـاطـونها بغــير حـياء ولا حـشـمة ، والإسـلام ينهـى عـن أكـل أمـوال الناس بالباطـل ، فـتراهـم يـبنـون العـمارات بأمـوال الناس التي اسـتحـوذوا عـليها بغــير حـق ، والإسـلام ينـهى عـن أكـل الـربا ، فـتسـمع عـن أرصـدهـم في البـنـوك تـتـضـخـم ، والإسـلام ينهى عـن بيـع المحـرمات بجـمـيع أنـواعـها ، وأكـثرهـم يـتاجـر بهـا مـع الأسـف .
إن مـا يـصـدر اليـوم عـن المسـلمين من أعـمال ، ما أنزل الله بها من سـلطان ولا يقـرها الإسـلام بمبادئـه السمحـة ، مـثـل انتهاك الحـرمات والـقـتـل والسـلـب والنهـب لبعـضهـم البعـض ، لهـو دلـيـل عـن ابـتعـاد المسلمين عـن وروح الإسـلام و تعـاليـم الإسـلام السمحـة ، وإن الكـثير من المسلمين لا يـتـورعـون عـن ارتـكاب المحـرمات فـذهـبت العـفـة والغـيرة والمـروءة ، وذهـب الحـياء والـوفـاء وذهـبـت الأمـانة وحـل محـلها تحايـل والخـيانـة .
قال الله تبارك وتعـالى : { إنا عـرضـنا الأمـانـة عـلى السـماوات والأرض والجـبال ، فأبـين أن يحـملـنها وأشـفـقـن منها وحـملها الإنسان إنه كان ظـلوما جهـولا } سـورة الأحـزاب 72 .
نسـأل الله سبحـانه وتعـالى أن يعـيننا للعـمـل ، وفـق أوامـره سـبحانه وتعـالى .

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى