الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / أزمة الجدار تتصاعد بين المكسيك وأميركا.. و”إسرائيل تعظ”
أزمة الجدار تتصاعد بين المكسيك وأميركا.. و”إسرائيل تعظ”

أزمة الجدار تتصاعد بين المكسيك وأميركا.. و”إسرائيل تعظ”

ترامب يكشف مصدر إلهام فكرته.. وسط تضارب الأرقام حول التكلفة وضجيج سياسى بشأن التمويل انقسام أميركي على قرار بناء الجدار العازل.. والمكسيكيون يلوحون بالمقاطعة الاقتصادية
مقدمة:
بدأ الرئيس الأميركى دونالد ترامب تنفيذ وعوده الانتخابية عقب تنصيبه رسمياً، ووقع أمراً تنفيذياً بشأن بناء جدار على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، وذلك لتعزيز أمن الحدود مع المكسيك ومنع الهجرة غير الشرعية إلى أميركا، وهو الوعد الأكثر رمزية إبان حملته الانتخابية، والذي أثار لغطاً كثيراً سواء قبل القرار أو بعده، وأثار أزمة بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية، تداخل فى الأزمة جهات كثيرة مثل الشركات المكسيكية الكبرى، بل وحتى دول مثل “إسرائيل”، كما سبق أن أعلن ترامب أن دافعي الضرائب الأميركيين سيتحملون تكلفة بداية تشييد الجدار، وأن الأموال الأميركية المستخدمة في بداية المشروع ستسددها المكسيك لاحقاً بنسبة 100%.

أيمن حسين
مراسل الوطن

عنصرية الفكرة:
يبلغ طول الحدود الأميركية مع المكسيك 3200 كيلو متر من بينها 1020 كيلو متر فيها سياج يحول دون عبور الأفراد والعربات، ونظريا سيتألف الجدار من كتل من الأسمنت المسلح مع سياج شائك على أن تكون أساساته عميقة بما يكفي لمنع حفر أي أنفاق للعبور تحته، وربما يواجه تشييده عوائق إذا وضعنا في الحسبان نهر ريو جراندي الذي يشكل حدودا طبيعية بين الولايات المتحدة (خصوصا ولاية تكساس) والمكسيك، كما يحظر القانون خصوصا أي بناء يمكن أن يعرقل إدارة الفيضانات أو يعيق توزيع الموارد المائية، كما تمنع معاهدة البلدين من تحويل مياه النهر، بالإضافة إلى أن قسما كبيراً من الأراضي الحدودية ملك لأفراد، وسيؤدي تشييد الجدار عليها إلى إجراءات قضائية عدة (مصادرة أملاك وتعويضات) ويمكن أن يثير احتجاجات على المستوى المحلي، كما أن هناك اتفاقية وُقعت بين البلدين عام 1970، وهي الاتفاقية التي تضع ضوابط ومعايير محددة حول تشييد أي أبنية على الحدود بين البلدين.
لكن المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر قال: “بناء هذا الحاجز أكثر من مجرد وعد انتخابي، إنه خطوة أولى منطقية من أجل تأمين فعلي لحدودنا التي يسهل اختراقها، إن هذا سيوقف تدفق المخدرات والجريمة والهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة”.
ولمعرفة مصدر فكرة إنشاء الجدار وثقافة الحواجز العازلة، يمكن الرجوع إلى تصريح ترامب قبل تنصيبه رسمياً عندما أعلن أن من يريد معرفة الفائدة من بناء الجدار الحدودي العازل عليه أن يسأل إسرائيل عما يقدمه هذا البناء الحدودي من تأمين، وبالتالى فان ترامب يعتبر الجدار العنصري الحاجز الذي شيدته إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية نموذجاً يحتذى به.
تكلفة الجدار:
المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، أوضح أن هدف ترامب هو البدء في مشروع الجدار بأسرع ما يمكن، مستخدماً أموالاً حكومية موجودة بالفعل ثم يعمل بعد ذلك مع الكونجرس الذي يقوده الجمهوريون لتخصيص مزيد من المخصصات المالية له.
وتقدر كلفة الجدار الذي يفترض أن يضع حدا للهجرة غير الشرعية من المكسيك بمليارات الدولارات، ترامب أعلن أن كلفة المشروع ستتراوح بين أربعة وعشرة مليارات دولار، إلا أن المهندسين المعماريين والمدنيين الذين درسوا المسألة يرون أن الكلفة ستكون اكبر بكثير، وقدَّر معهد “ام آي تي تكنولوجي ريفيو” التقني في مقال كلفة تشييد 1609 كلم من الجدار بأنها ستتراوح بين 27 و40 مليار دولار.
وتابع مقال المعهد: “حتى لو وضعنا على حدة مسألة قانونية تشييد جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك أو الجهة التي ستقوم بتمويله، هذا المشروع غير ممكن إطلاقا بالكلفة التي أعلنها ترامب”.
لكن ترامب ردد في مقابلة مع شبكة “ايه بي سي” أنه يعتزم حمل المكسيك على الدفع لتمويل بناء الجدار، مؤكدا “سيتولون الدفع ولو كان ذلك بموجب عملية معقدة”، بينما رفضت المكسيك تمامأ فكرة أن تتحمل أى جزء من تمويل الجدار أو حتى إعادة تسديد الكلفة إلى الولايات المتحدة، كما كرر ذلك ترامب مرارا في حملته الانتخابية.
وتابع شون سبايسر قوله إن ترامب يعمل مع الكونجرس وأشخاص آخرين من أجل تحديد كلفة للمشروع، وأنه يمكن تطبيق آليات تمويل عدة في هذه المرحلة، لأن الهدف هو إطلاق المشروع بأسرع وقت ممكن من خلال استخدام الأموال والموارد المتوفرة وبعدها العمل مع الكونجرس على مشروع قانون للتسليف.
ترامب والمكسيك:
هاجم ترامب لدى إعلان ترشحه في يونيو الماضي، المكسيكيين واتهمهم بأنهم من مهربي المخدرات والمجرمين والمغتصبين، وقال ترامب: “عندما ترسل إلينا المكسيك أبناءها لا ترسل أفضل الناس، أنهم يرسلون الذين يطرحون المشكلات وينقلون معهم المخدرات والجريمة، إنهم مغتصبون”.
التوقيع على أمر بناء الجدار تسبب فى إلغاء لقاء مرتقب نهاية يناير الماضى بين الرئيس المكسيكي انريكي بينا نييتو ونظيره الأميركي دونالد ترامب، واتفقا الرئيسان على الامتناع عن التصريحات العلنية بشأن الجدار، وأقرا رسميا بوجود خلافات واضحة بين البلدين، فالأخير يريد أن تتحمل المكسيك تكاليف بناء الجدار، والرئيس المكسيكى يرفض أن تتحمل بلاده هذه النفقات.
ترامب واصل هجومه على المكسيك وكتب في تغريدة على موقع تويتر أن الولايات المتحدة خسرت عددا كبيرا من الوظائف بسبب اتفاقية التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية، وأن الجدار الفاصل يجب أن يصبح جاهزا في غضون 180 يوما، وأن تعوض المكسيك بلاده عن تكاليفه بشكل أو بآخر.
لكن رغم هذا ظهر تصاعد الأزمة جليا عندما قال شون سبايسر إن ترامب يريد فرض ضرائب جديدة نسبتها 20% على كل الواردات من المكسيك للإنفاق على بناء جدار على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، ولم يكشف تفاصيل عن الطريقة التي ستفعل بها تلك الضريبة، لكنه قال إنها ستكون جزءا من حزمة إصلاحات ضريبية يبحثها الكونجرس، وإنها ستجمع 10 مليارات دولار خلال سنة، وبالتالي تغطية نفقات بناء الجدار.
ضجيج اقتصادى:
رغم أن قرار فرض ضريبة على الواردات المكسيكية للولايات المتحدة لا يعدو كونه مجرد رأى حتى الآن، إلا أنه أحدث ضجيجا اقتصادياً فى البلدين، فتزايدات الدعوات في المكسيك لمقاطعة المنتجات والعلامات التجارية الأميركية، حيث دعا حاكم ولاية كامبيشيه المكسيكية، بجنوب شرق البلاد، إلى مقاطعة شركة فورد الأميركية للسيارات بعد إلغائها المفاجئ لخطة إنشاء مصنع لها في المكسيك.
وقال الحاكم إليخاندرو مورينو: “حان الوقت لنريهم من هم المكسيكيون”، داعيا إلى اتخاذ إجراءات مثل المقاطعة في جميع أنحاء المكسيك.
في المقابل، قال كارلوس سليم، أغنى رجل في المكسيك، إن محاولات مقاطعة الشركات الأميركية خطأ كبير، وأوضح قائلا إنها “شركات أميركية جاءت للاستثمار في المكسيك، وهي بالفعل توفر عمالة وتنتج”، لكنه أكد أن التصرف الصحيح الذي تحتاج إليه بلاده هو شراء المنتجات المحلية.
ونتيجة الحملة انخفضت أسهم ستاربكس، أكبر سلسلة للمقاهي في العالم، فى البورصة، مما دفعها لإصدار بيان دافعت فيه عن عملياتها بالمكسيك، وقالت إن هذه المقاهي مملوكة لمكسيكيين وتشغل الآلاف من اليد العاملة المحلية، وتبيع البن المزروع في أرض مكسيكية، وإنها استثمرت ملايين الدولارات ووفرت 7000 وظيفة في المكسيك، وأن شركة ألسيا – التى تدير فروعها – تدير 560 مقهى في المكسيك باستثمارات تبلغ قيمتها 239 مليون دولار، وأنها تبيع بن أرابيكا الذي يُزرع في ولاية تشيباس، وحقق مبيعات جيدة في جميع أنحاء العالم.
واستهدف رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى المقاطعة علامات تجارية كثيرة خاصة الشركات الكبرى العابرة للقارات منها سلسلة مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة، وشركة كوكاكولا للمشروبات الغازية، ومتاجر وولمارت، فى المقابل دشنت شركة كورونا المكسيكية العملاقة لإنتاج الجعة حملة إعلانية بشعار “كلنا أميركا” تحث على الاحتفاء بالتنوع في هذا النصف من الكرة الأرضية.
للعنصرية عنوان:
وفى منحى آخر بمجرد أن ذكر ترامب اسم اسرائيل فى قضية الجدار، سارع رئيس وزراء الكيان الصهيونى بنيامين نتنياهو بالتغريد عبر حسابه على موقع “تويتر” بأن ترامب كان محقا، مضيفا “بنيت جدارا على امتداد الحدود الجنوبية لإسرائيل، وتسبب ذلك في وقف موجات الهجرة غير الشرعية”، وأعرب عن أمنياته بنجاح المشروع، معتبرا أن الحديث يجري عن فكرة ممتازة.
الحكومة المكسيكية أعربت عن رفضها وخيبة أملها من تغريدة نتنياهو، وأصدرت الخارجية المكسيكية بياناً قالت فيه: “المكسيك صديقة لإسرائيل، ويجب أن تعامل على هذا النحو من قبل رئيس وزرائها، إنهما تشتركان في الرفض التاريخي للعنصرية وكراهية الأجانب، وستواصل المكسيك العمل بشكل وثيق مع إسرائيل لمحاربة أي شكل من أشكال التمييز في العالم”.
الشيطان يعظ:
الجالية اليهودية في المكسيك نأت بنفسها من تغريدة نتنياهو وتوجه مسئولين كبار فيها إلى سفارة إسرائيل بالمكسيك، ورفضت اللجنة المركزية لها تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي وأعربت عن تضامنها مع المهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة، وأضافت: “إننا لا نتفق معه في وجهة نظره، ونرفض موقفه بشدة، وبما أننا من المكسيكيين ويهود، نحن نؤيد الإجراءات التي اتخذتها حكومتنا بقيادة إنريكي بينيا نيتو في المفاوضات مع الولايات المتحدة”.
رد فعل المكسيك والجالية اليهودية هناك أحرج الحكومة الاسرائيلية، وباتت مطالبة بأن تتوارى فى صورة الواعظ لتستر عنصريتها، وحاولت وزارة الخارجية الإسرائيلية احتواء غضب حكومة المكسيك، وقال الناطق باسمها: “الإيحاء بأن إعلان نتنياهو تأييد الخطوة التي أحدثت أزمة عميقة بين واشنطن ومكسيكو، فهم بشكل خاطئ”، كما نشرت الخارجية الإسرائيلية بيانا جاء فيه أن رئيس الوزراء تطرق للخبرات الأمنية الاستثنائية التي تستطيع إسرائيل أن تتشاطرها مع الأطراف المعنية، وأن الخارجية الإسرائيلية “لم تعرب عن موقف يرتبط بملف العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية أو المكسيك”.
ووصف يائير لابيد، رئيس حزب “هناك مستقبل” الوسطي الليبرالي المعارض فى اسرائيل، إبداء نتنياهو لموقفه بأنه يعد إعلانا لحرب لا داعي لها على المكسيك، وطلاق نهائي من الديمقراطيين داخل الولايات المتحدة الأميركية.
وحاول السفير الأميركي السابق في إسرائيل دان شابيرو، تبرير موقف نتنياهو، وقال حسب موقع صحيفة “معاريف”، إن إعلان نتنياهو لهذا الموقف ينبع من ضغوط مارسها عليه الرئيس الأميركي ترامب، مضيفا أن هناك دافعا خفيا وراء موقف نتنياهو، ويبدو أن ترامب هو من زاد الأمر زخما، حين أعاد نشر تغريدة نتنياهو متسببا في انتشارها بشكل أكبر.
الخلاصة:
أزمة الجدار بين المكسيك والولايات المتحدة ربما تمتد لشهور وستظل مصاحبة لفترة ولاية الرئيس الأميركى دونالد ترامب، خاصة وأنه مثير للجدل، ويهوى القضايا ذات الآراء المنقسمة، كما ان استشهاده بإسرائيل وظهورها كطرف دولى فاعل فى الأزمة ليس غريباً، فثقافة الجدران العازلة للتضييق على اللاجئين، وتحميل الطرف الأضعف كلفة البناء هى ثقافة عنصرية بالدرجة الأولى، سبق وطبقتها إسرائيل على حدودها مع مصر للتضييق على المهاجرين والمتسللين من شبه جزيرة سيناء وتضييق الخناق على الفلسطينين،إضافة الى الجدار العنصري في الضفة الغربية المحتلة، وظهور إسرائيل فى موقف المؤيد ثم تراجعها فيما بعد وظهورها فى مظهر الناصح المعتدل يعزى إلى المصالح السياسية بالدرجة الأولى خاصة وان المجتمع الأميركى به كثيرون رافضون لبناء الجدار.

إلى الأعلى