الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / “بوكو حرام”

“بوكو حرام”

أ.د. محمد الدعمي

” إن الظواهر التي استفزت كراهية العالم تكمن، أصلاً، فيما أطلقت عليه تعبير “الإسلام الجديد” New-Islam في أحد مؤلفاتي الجديدة الذي ينحو خط جدله على الحركات الراديكالية التي تضع اسم الإسلام غطاءً لنفث أحقادها على اتباع الأديان الأخرى، ملاحظاً أن هذه الحركات الإسلامية الجديدة إنما تنبع اصلاً مما سمي بـ”حركة التجديد” …”
ـــــــــــــــــ
عندما يطلع الفرد المسلم على أية نشرة أخبار تبثها الفضائيات العالمية والغربية، فإنه سرعان ما يشعر بذبذبة قوامها اللكمات والركلات، من بين سواها من تعابير الضغينة والكراهية والانفعالية وهي تباشره تترى من الشاشة الصغيرة بلا انقطاع. لذا، فانه لايملك إلا أن يشعر بالحملة العالمية التي افترض قيامها وتواصلها الآن، ليس فقط لتشويه الإسلام عامة، بل كذلك لتشويه الإنسان المسلم كذلك.
أما إذا ما تابعت خبراً مفاده خروج تظاهرة في “بيفرلي هلز” تدعو لمقاطعة فندق نجوم هوليوود المفضل الذي يحمل ذات الاسم أعلاه، احتجاجاً ضده ومقاطعة له بسبب تنفيذ أحكام تعد “إسلامية” على المثليين جنسياً في سلطنة بروناي، فان نوع وعيار الحملة يتجسدان على نحو واضع في طبيعة الشخصيات النجومية الفنية الداعية للمقاطعة ولرفض للأحكام أعلاه التي لا تطبق في كاليفورنيا أو فلوريدا، وإنما تطبق في سلطنة بروناي النفطية الغنية الموجودة على الوجه المعاكس من الكرة الأرضية! إذاً، لماذا ينفعل المثليون في كاليفورنيا، ثم لماذا تثور ثائرة السحاقيات في لوس أنجليس؟
للمرء أن ينتظر قليلاً، بعد تلقي اللكمات، كي يتواصل تيارها عبر خبر “بوكو حرام” والكيفية التي امتطي بها خبر اختطاف مئات المراهقات من مدرستهن، ليتم استغلالهن والاستمتاع بهن ريثما يتم بيعهن في سوق النخاسة، إماءً. بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فسرعان ما يخرج عليك المسؤولون الغربيون، الأميركان خاصة، كي يكيلوا أسوأ النعوت على عصابات “بوكو حرام” الإرهابية التي يقودها الإسلاميون الجدد شمالي نيجيريا. وهكذا تنتقل الكاميرا من الرئيس الأميركي إلى “سيدة أميركا الأولى”، ثم إلى هيلاري كلينتون، وبعدها إلى المتحدثة باسم الحكومة الأميركية من بين سواها من المتحدثات الشقراوات المتألمات على سمراوات النيجر المختطفات.
ثم لا تتمالك أعصابك، لتصرخ بصوت عال: “يا جماعة، ليس هذا هو الإسلام…الإسلام أسمى وأعظم”! ولكن ،من يستمع إليك؟ فصوتك العالي يذهب أدراج الرياح لأن الجميع يريدون تطوير صورة للإسلام تكون عناصرها المكونة من إنتاج “بوكو حرام”، وليس من إنتاج إسلام المصلين المتقين الذين يؤدون الصلاة خمس مرات. وبكلمات أخرى، تبقى الذبذبة المعادية ترتطم بوجه الإنسان المسلم منطلقة من جميع وسائل الإعلام، بطبيعة الحال.
على المرء أن يعترف بأن هذا النوع من الضغائن ضد الإسلام والمسلمين في العالم وفي الغرب خاصة، لم يكن موجوداً حتى أواسط القرن الماضي. والسؤال المنطقي التالي الذي يفرض نفسه، هو: علامَ ننحي بلائمة هذه الظاهرة العدائية والجديدة نسبياً؟ وإذا كان هذا السؤال محيراً نسبياً، فان للمرء أن يستقر متيقناً بأن بوكو حرام والقاعدة وتفجيرات واشنطن ونيويورك في 11/9 هي ليست من جوهر الإسلام بشيء كي نتمسك بها، لنغدو ضحايا هذه الموجة الكاسحة والعالية من الكراهية والأحقاد؟
إن الظواهر التي استفزت كراهية العالم تكمن، أصلاً، فيما أطلقت عليه تعبير “الإسلام الجديد” New-Islam في أحد مؤلفاتي الجديدة الذي ينحو خط جدله على الحركات الراديكالية التي تضع اسم الإسلام غطاءً لنفث أحقادها على أتباع الأديان الأخرى، ملاحظاً أن هذه الحركات الإسلامية الجديدة إنما تنبع اصلاً مما سمي بـ”حركة التجديد” التي تحاول “تجديد” ماهو مطلق وغير قابل للتجديد أو للتقادم، اي الدين، بوصفه وحياً روحياً من مصدر مطلق.
حتى بالنسبة لنا، وأقصد العموم من سواد المسلمين لم تكن ظواهر العنف واستفزاز عواطف كراهية الآخر ذات صلة بالإسلام قط، لولا تنامي آثار هذه الحركات الراديكالية التي تعتمد “التجديد” لتخرج الإسلام من جوهره كدين سلام وتسامح، تعايش وتعاطف.
أما الدلالة النهائية لهذه الحملة، إن شئنا إماطة اللثام عنها فهي أننا، نحن ـ المسلمون ـ المسؤولون الحقيقيون عن جميع تعابير الكراهية والأفلام المسيئة والتظاهرة الاحتجاجية، ذلك أن ما يفعله السفهاء من أمثال بوكو حرام هو الذي قاد سمعة الإسلام والمسلمين إلى هذه المديات المؤسفة بحق.
يبدو أن يوماً سيأتي قريباً تقول فيه “فضل المسلمين في صناعة الضغائن على أنفسهم”، بدلاً من أن تقول: “فضل المسلمين في التعايش والتسامح عبر التاريخ”!

إلى الأعلى