الأربعاء 16 أغسطس 2017 م - ٢٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التراث: المقامة الأدونية

التراث: المقامة الأدونية

حَدَّث الناصر بن فَتَّاح قال: سافرت لأنزه عيوني في محاسن أدوني، فرأيت بها الحباء المقصود، وقد مد على الوفود، والحياء الممدود قد قصر على نسائها البيض والسود، وخرجت المَرَّة بعد المَرَّة، إلى المكان المعروف برام جهرة وشربت من ماء عينها الجارية الساهرة، فذَكَّرتني بحلاوتها مياه الآخرة.
ورأيت مسجدها المذهَّب المنقوش الذي بناه رئيس الحبوش، فرأيته قد بناه على أسلوب عجيب، وتركيب غريب، يعجز الواصف عن بَعْض وصفه ويظنّ الواقف فيه لصفائه أنه سيوتى من أمامه أو خلفه، ورأيت بها عصابة قد أحيوا ما اندرس من معاهد الصّحابة، وما رأيت علماءها إلاّ تذَكَّرت أيام الأشخر وما رأيت أبطالها إلاّ ونسيت ذكر عنتر.
ولا رأيت نساءها إلاّ وترَحَّمت على المسك والعنبر.
ولا رأيت ولدانها إلاّ وحدثتني نفسي أنهم الكبريت الأحمر.
ولا رأيت ترابها إلا ونسيت العبير والعَنْبر، فألقيت بها عصا تِسْياري، وجعلت الإقامة بها من أهَمِّ أوطاري، وعشت بها عيشة هنيّة، لا أخشى إلا نزول المَنَيّة.
واتفق أن خرج خارجي على أطرافها، ووصل أذاه إلى أكابرها وأشرافها.
فساروا بأجْمعهم إلى أمير البلد، وقالوا له: قد حُلّت منا عُرى الجَلَد، وإنما هذا من جملة الرعايا، والحلم عنه من أعظم الرّزايا.
فقال لهم: إرجعوا إلى بيوتكم، فلا تهتموا به واهتموا بقوتكم.
وأرسل إليه سرية، فلم يطلع أحد من تلك البرية، ولم يزل يَبْعث إليه سرية بعد سرية، وهو يغلبها حتى عظمت على النَّاس الرزية.
ثم إن من ألطاف الله الخفية ابتلاء الخارجي بعشق امرأة هندية، فصار من عِشْقها لا يفرق بين الصُّبح والعشية، وبقيت تتجَنَّى عليه وتظهر له من جمالها، ولا تسمح له بوصالها، وعجز عن المحاربة، والتَّدبير والمضاربة، فأرسل الأمير جيشاً وأمره أن يأتي به في قيد الحياة، ووعد من أتاه به كل ما أراد ما يَشْتهيه ويتمنّاه، فأتوا به أسيراً على ظهر جمل من الجمال، وهو أصفر من الهرد وانحف من الخلال.
ثم قال له: أنت الذي تخيف السبل.
فقال: أنا الذي أحمل الأثقال وأغلب الأبطال، وأقهر الرجال، وأقطع الرِّمال، وأظنك رأيتني بعين الاحتقار، ولو كان هذا المقام مقام فخر لأريتك الافتخار، وإنما إذا نزل القدر عمي البصر، وإذا انقضت المدّة لم تنفع الحيل والعدة، ولوما بليت به من العشق والهيام، ما قمت في هذا المقام.
ثم تنفس الصعد وقام منشداً:
قطعت بروراً ليس يرجى لها قَطْع وجاوزت أرضاً دونها السَيَّف والنَّطْع
وخِضْت بحاراً تُقْصر السَّفْن دونها وكم ساءني ضُرُّ وكم سَرَّني نَفْع
وقاسيت أهوالاً وفرَّجت غمة وعانيت أحوالاً وكم ظَلَّني نَقْع
وبارزت أبطالاً وفلّيت حدهم وصارعتُ آساداً وما مَسَّني صَرع
ولما بلاني الحب أصبحت مغرماً كئيباً ولا يَرْثى لي الأصلُ والفرع
إذا رمت منه الوصل قال تذلَّلا أتطلب وصلاً عند من شأنه القَطْع
فأنحل جسمي واسْتَمَرَّ على الجفا وصِرْت بلا عقل ولم يَرْق لي دَمْع
وقد قَسّم الإعراب بيني وبينه ففي قِسْمتي خَفْض وفي قِسْمه رَفْع
فرَقَّ لحاله الأمير، وعفا عن ذنبه الخطير، واستتابه عن الذّنوب، وفعل القبائح والعيوب.
وطلب الهندية واستلمها، وعَقَد بَيْنهما، وفي يده سلّمها.
وقال له: خذها مسرة الدهر، واكتب بيدك ما وجب لها من المَهْر.
فكتب: أما بعد فأقول وأنا أبو الظّفر الهندي، بأن في ذمّتي وعندي لفخر النساء بنت مرداس، خمسون ألف عبارة عن خمسة أكياس، من سكة الراجة رام داس.
ثم إني سافرت بعدما أقمت بالبلدة مدة، وأنا أحسده على ما حصل له من الفَرَجِ بعد الشِّدِّة.

إلى الأعلى