الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / ثقافة قانونية : جريمة الاحتيال (2/2)

ثقافة قانونية : جريمة الاحتيال (2/2)

ذكرنا في الجزء الأول من المرة الماضية بصدد الحديث عن جريمة الاحتيال أنها لا تقوم إلا بتوافر عنصرين أساسين هما : الكذب والمظاهر الخارجية , وذكرنا أن الكذب هو جوهر الطرق الاحتيالية , وأن المظاهر الخارجية هي الوسائل التي يلجأ إليها المتهم ويستعين بها لتأييد مزاعمه وصحة ما يدلي به , ومن شأنها أن تحمل المجني عليه على تصديقه وتسليمه المال الذي يطلبه , وحينما اشترط المشرع بوجوب أن يصاحب الكذب مظاهر خارجية لكي تتحقق أركان جريمة الاحتيال , هو أنه الأصل في الإنسان أن لا يفرط في الثقة بالآخرين , ولا يستسلم لزعمهم المجرد عما يؤيده وعليه هو من باب أولى الحفاظ على ماله , وأن لا يقع فريسة سهلة لمزاعم الآخرين وكذبهم . وتتوافر المظاهر الخارجية بقيام الجاني بأي سلوك أو نشاط مادي لكي يقنع المجني عليه كالاستعانة بمستندات وهمية غير حقيقية أو إبراز بطاقة هوية كاذبة , كما أن هناك طريقة أخرى وهي الاستعانة بشخص آخر لتأييد مزاعمه وتصديق كذبه .
وقد ذهبت محكمة النقض المصرية في هذا الصدد إلى القول :”إن مجرد الادعاءات والأقوال الكاذبة مهما بالغ قائلها في توكيد صحتها لا تتحقق بها جريمة النصب . وجوب أن يكون الكذب مصحوبا بأعمال خارجية تحمل على الاعتقاد بصحتها ” . (الطعن رقم 8996/58) .
وهناك أمثلة عديدة على الطرق الاحتيالية , ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
1ـ أن يزعم المتهم كذبا شفاء المريض بالاتصال بالجان , والقيام بمعالجته باستخدام الشعوذة وأخذ مبالغه بهذه الطريقة .
2ـ أن يستعين المتهم بحقيبة يدعي أنها مليئة بأوراق نقدية مموهة ويقوم أمام المجني عليه باستعمال مادة حبر ويضعها على إحدى الأوراق النقدية , وتتحول إلى ورقة نقدية حقيقية ثم يطلب منه شراء الحبر بثمن باهظ , وبعد ذلك يكتشف المجني عليه أن جميع الأوراق التي بالحقيبة غير حقيقية , وأنه كان ضحية خداعه .
3ـ أن يشعل المتهم النار عمدا على مركبته المأمن عليها , ويتوصل بذلك إلى الاستيلاء على قيمة التأمين .
4 ـ أن ينتحل المتهم صفة موظف التفتيش العمالي , ويطلب من المجني عليه الأجنبي إبراز بطاقة العمل ؛ بحجة أنه يؤدي عمله , ثم يتظاهر بأنه يضبط المجني عليه , ويطلب منه اصطحابه إلى قسم الشرطة , ويستولي بهذه الطريقة على نقود المجني عليه .
5ـ أن يوهم المتهم المجني عليه بمشروع تجاري كاذب والحصول على ربح وهمي , ويؤيد مزاعمه بأوراق تشهد باطلا باتجاره مع آخرين ؛ فينخدع المجني عليه ويسلمه النقود التي يطلبها .
فضلا عن ذلك ما نصت عليه المادة (289) من قانون الجزاء أنه :”يعاقب بالسجن من عشرة أيام إلى ستة أشهر , وبالغرامة من خمسة ريالات إلى عشرين :
1ـ كل من حمل الغير على تسليمه بضاعة مع حق الخيار أو لوعده وهو ينوي عدم دفع ثمنها أو يعرف أنه لا يمكنه دفع كامل أقساطها ولم يردها أو لم يدفع ثمنها بعد إنذاره .
2ـ كل من وفر لنفسه مسكنا أو طعاما أو شرابا في محل عام وهو ينوي عدم الدفع أو كان يعلم أنه لا يمكنه أن يدفع .
3ـ كل من اتخذ بالغش واسطة نقل برية أو بحرية أو جوية دون أن يدفع الأجرة “.
وكما أن المادة (288) من ذات القانون نصت على معاقبة مرتكب الفعل التام في جريمة الاحتيال , فهي كذلك نصت في عجزها على معاقبة الشروع فيه بقولها : “يتناول العقاب محاولة ارتكاب هذا الجرم ” .
ولذلك فإن من حاول الاحتيال على شخص باستعماله إحدى الطرق الاحتيالية ولم يكتمل فعله لسبب خارج عن إرادته كرفض المجني عليه تسليمه المال أو انكشاف أمره , فإنه يقع تحت طائلة العقوبة الواردة بالمادة (288) من قانون الجزاء سالفة الذكر .

ناصر الرحبي
مساعد المدعي العام
مدير ادارة الادعاء العام لدى المحكمة العليا
nasser-opp@hotmail.com

إلى الأعلى