الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لا بدَّ من الارتقاء بصناعة الإنسان في مجتمعنا!

لا بدَّ من الارتقاء بصناعة الإنسان في مجتمعنا!

”..الإنسان، في نموه التربوي، يجتاز مرحلتين مهمتين، في الأولى، أي عندما يكون طفلا، يتلقى التربية من والديه والمدرسة.. أمَّا في الثانية، والتي تشمل معظم حياته، فيتولى هو بنفسه إعادة تربية نفسه، وفقا لتجاربه وخبراته الشخصية في جوانبها كافة؛ ويمكن أن تسمى هذه المرحلة، مرحلة “العصامية التربوية”؛ وليس أصعب من “التربية” سوى “إعادة التربية”.”

جواد البشيتي

“وتصغر في عين العظيم العظائم، وتعظم في عين الصغير الصغائر”؛ لعلَّ هذا القول للمتنبي، والذي يصلح قاعدة تربوية، من أجمل أقواله الشعرية.
و”العظيم” من البشر أو “الصغير” هو في الأصل والأساس عظيم أو صغير بالمعيار “التربوي”، في معناه الواسع الشامل؛ فبحسب التربية التي يتلقاها الإنسان يكون أسلوبه في مواجهة الصعاب والمشكلات والتحديات في حياته.
و”التربية” يتلقَّاها الإنسان من مصادر اجتماعية شتى؛ كما يتلقاها من التجارب التي يخوضها ويتعرض لها في حياته؛ ويظل يتلقاها حتى نهاية حياته؛ فـ”التربية”، في معنى من معانيها الكثيرة، هي “التجربة” إذا خرج منها الإنسان بالدروس والعبر، فلا قيمة للتجربة التي نخوضها أو نتعرض لها إذا لم تتمخض تربويًّا عن نتيجة كهذه، فالذي في عقله ضعف هو الذي يخوض التجربة ذاتها غير مرَّة وكأنَّه لم يخضها من قبل!
ونحن نقف على القيمة التربوية للإنسان في الطريقة التي بها يواجه مشكلات ومصاعب الحياة، وينظر إلى الأمور ويزنها ويحكم عليها؛ فرُبَّ مشكلة تافهة تقصم ظهر إنسان؛ ورُبَّ مشكلة كبرى تزيده قوة وصلابة.
والإنسان في مجتمعنا لا يتلقى من التربية إلا ما يجعله أقل قدرة على التكيُّف مع ما يطرأ على بيئته الاجتماعية من تغييرات، ويسلك سلوكًا لا يُعبِّر عن فهم صحيح لحقائق الحياة، فيظهر، عندما يقع في مشكلة ولو كانت تافهة، على أنَّه ضعيف الإرادة، مستسلم منقاد، سلبي في الإحساس والتفكير والعمل، وكأنَّ مشكلات الحياة يمكن أن تحل بالإهمال والنسيان وما يشبه الدعاء أو بقدرية يستصغر فيها نفسه ودوره وإمكاناته.
والإنسان، في نموه التربوي، يجتاز مرحلتين مهمتين، في الأولى، أي عندما يكون طفلا، يتلقى التربية من والديه والمدرسة.. أمَّا في الثانية، والتي تشمل معظم حياته، فيتولى هو بنفسه إعادة تربية نفسه، وفقا لتجاربه وخبراته الشخصية في جوانبها كافة؛ ويمكن أن تسمى هذه المرحلة، مرحلة “العصامية التربوية”؛ وليس أصعب من “التربية” سوى “إعادة التربية”، فالصفحة البيضاء أسهل للكتابة من صفحة مملوءة بالخطوط والألوان التي يجب محو بعضها.
ويكتشف الإنسان مواطن الضعف والقوة في بنيته التربوية عندما يجد نفسه، فجأة، في بيئة اجتماعية جديدة لم يألفها من قبل، وتخلو من تلك القوى الاجتماعية التي كانت تمد له يد العون والمساعدة، وتُشْعِره بأنَّه في عيش سهل لا ينغِّصه منغِّص.
في هذه الحال فحسب، يكتشف الإنسان نفسه بنفسه، ويتعرف إلى وزنه الحقيقي، مختبرًا نظرته القديمة إلى نفسه في كل ما انطوت عليه من أوهام وحقائق؛ فرُبَّ شخص ينظر إلى نفسه على أنَّه نابليون بونابرت، ويتوقع أن يعامله الناس على هذا الأساس. إنَّ هذا الشخص لن يغتسل، عقلًا وشعورًا، من هذا الوهم إلا عندما يختبره حيث تختبر كل الأوهام، وعندما يتمكن، في الوقت نفسه، من أن يخرج من تجاربه بالدروس والعبر التي ينبغي له الخروج بها إذا ما أراد أن يكون ابن الواقع، تفكيرًا وشعورًا وسلوكًا.
البيئة الاجتماعية الجديدة الغريبة، التي ينتقل إليها الإنسان فجأة من دون إعداد وتهيئة، هي المرآة التي فيها يرى في وضوح كل مواطن الضعف والقوة في بنيته التربوية، وهي القوة التي بفضلها وبتأثير ضغوطها يظهر فيه الكامن من قواه وإمكاناته، فتشرع تتغير صفاته الشخصية والسلوكية حتى يتمكن من التكيُّف مع هذه البيئة الجديدة، بوقائعها وحقائقها المختلفة وغير المألوفة.
وغني عن البيان أنَّ من أهم مظاهر القوة والتفوق في البنية التربوية للإنسان هو قدرته على التكيُّف السريع مع كل تغيير أساسي يطرأ على بيئته الاجتماعية، فهذه “المرونة” لا يُظهرها إلا شخص تلقى من التربية الفكرية والسلوكية ما يجعله سريع التكيُّف.
والحياة، في الطريقة التي فيها نعيشها ونواجه مشكلاتها، هي، في المقام الأول، “وجهة نظر فلسفية”، فكل ما يحاوله الإنسان من محاولات يُعبِّر عن طريقة فلسفية في فهم الأمور، مهما صغرت أو كبرت، فعندما يشب حريق في منزلي قد أسارع في إطفائه في طريقة ما، أو قد ألجأ إلى الصلاة والدعاء فحسب، أو قد ألجأ إليهما مع الاستعانة بما يمكن أن يطفئه. هذا السلوك أو ذاك أو ذلك كشف عن معتقد فلسفي دفع إليه، فالإنسان، ولو لم يدرك ذلك، هو فيلسوف يعتقد بفلسفة ما في أيِّ سلوك يسلك.
المحارب المسلم كان يُظهر في ساحات القتال ما قلَّ نظيره من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستبسال، فنظرته الدينية (الفلسفية) إلى الموت كانت تمنحه قوة معنوية هائلة. إنَّ الموت، في معتقده الديني الراسخ فيه عقلًا وشعورًا ووجدانًا وسلوكًا، هو من صنع الإرادة الإلهية فحسب، فالإنسان، ولو أحدقت به قوى الموت من كل حدب وصوب، يمكن أن ينجو ويظل على قيد الحياة ما دام الله لم يُرِدْ موته في هذا المكان وفي هذا الزمان. ويكفي أن يتمكن هذا المعتقد الديني من عقل الإنسان حتى يذهب إلى القتال ويقاتل وكأنَّه ذاهب إلى مباراة رياضية، متفرجًا أو لاعبًا؛ أمَّا من اعتقد اعتقادًا مضادًّا فيذهب إلى القتال وكأنَّه ذاهب إلى حيث ترجح كفَّة الموت على كفَّة الحياة، وإلى حيث يتقرر موته أو نجاته من الموت، فيميل إلى أن يقاتل في قدر أقل من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستبسال.
لقد كان كرمويل يؤمن بأنَّ نتيجة كل حرب يخوضها هي من صنع مشيئة الله، فاندفع، من ثم، في حروبه كافة غير مكترث للعواقب والنتائج، حاشدًا للحرب من القوى المعنوية ما يفوق أضعافًا مضاعفةً القوى المادية والعسكرية.
في حياتنا، نفعل أشياء؛ لأنَّها “حلال”، ونجتنب فعل أشياء؛ لأنَّها “حرام”. ما نفعله؛ لأنَّ فعله “حلال” قد يتعارض مع ما لنا مصلحة أو رغبة في فعله، فالنفس البشرية أمَّارة بالسوء. وما نجتنب فعله أو نحجم عنه؛ لأنَّ فعله “حرام” قد يتفق مع ما لنا مصلحة أو رغبة في فعله. وفق هذه التربية الأخلاقية الدينية يتحدد بعض من سلوكنا؛ ولا يمكننا التعرف بالكامل إلى هذا الأثر التربوي في سلوكنا إلا إذا تصورنا سلوك إنسان اختفى، تماما، من التربية الأخلاقية التي تلقاها ميزان “الحلال والحرام”. هذا الإنسان سينظر إلى “الحلال” على أنَّه أي فعل يتفق مع ما له مصلحة أو رغبة في فعله، وإلى “الحرام” على أنَّه أي فعل يتعارض مع ما له مصلحة أو رغبة في فعله. وهكذا يختلف السلوك والموقف تبعا لاختلاف الطريقة الفلسفية التي يفهم فيها الإنسان الأمور ويحكم عليها ويقوُّمها.
لقد رأيت بشرًا ينظرون إلى “الحبَّة” من المشكلات التي يواجهون على أنَّها “قُبَّة”، كما رأيت بشرًا يستصغرون ويستتفهون حتى المصائب والويلات في حياتهم. وقد أثبت وأكد علماء النفس أنَّ “القلق الوجودي (أو الكوزمولوجي)” يضعف كثيرًا “القلق الشخصي (أو المعيشي اليومي)” لدى الإنسان، فالذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض أو في الكون، نشوءًا وتطورًا ومصيرًا، يشتد لديهم الشعور بتفاهة المشكلات والمصاعب التي نواجهها في حياتنا اليومية، ويصبح لديهم من قوة التوازن النفسي ما يقيهم اضطرابات وأمراض نفسية عديدة، يمكن أن تتسبب بها ضغوط العيش.
لو أنَّ الإنسان تلقى من التربية ما يمنعه من شغل ذهنه بتوافه الأمور، ومن الإحساس بلذة استقصاء أخبار الناس وأحوالهم وأمورهم الشخصية، لوجد نفسه أكثر انتماء إلى منطق الحياة، الذي كلما زاد الإنسان استمساكًا به سما به، فكرًا وشعورًا وسلوكًا، فقُلْ لي ما يشغل ذهنك أقول لك من أنت، فالبشر، من حيث مستوى حديثهم، في منزلة من ثلاث: منزلة دنيا، تشمل أولئك الذين يشغلون أنفسهم بالحديث عن أخبار الناس وأحوالهم الشخصية، ومنزلة وسطى، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن “الأشياء”، ومنزلة عليا، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن “المبادئ”.
وفي مجتمعنا يكثر أولئك الذين تلقوا من التربية السيئة ما يجعلهم يحتاجون إلى استقصاء الأخبار الشخصية للناس والحديث عنها كمثل احتياجهم إلى تنفس الهواء وشرب الماء، ففي هذا المجال الضيق والتافه من الحياة تكمن أسباب فرحهم وحزنهم، سعادتهم وتعسهم!
لقد غرست فينا التربية التي تلقيناها، والتي غدا تغييرها شكلًا ومحتوى ضرورة حياتية وحضارية، الضعف الإنساني والفكري والأخلاقي والحضاري..، فأصبنا، في علاقتنا بالواقع وبحقائق الحياة، بما يشبه مرض الفصام، وكأننا “مخلوقات وهم” قُذف بها في معترك الحياة حتى تلقى حتفها في سرعة وسهولة!

إلى الأعلى