الخميس 29 يونيو 2017 م - ٤ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الخميرة العربية

الخميرة العربية

”.. بعيدا عن أية مبالغة, أقول إن المتغير المصري بكل ما يملك من ثقل جيوسياسي وقوة استراتيجية فإن بإمكانه أن يعيد رسم مستقبل المنطقة بما يوفر من فرص عديدة للأمن والسلام والاستقرار سوريا ولعدد من البلدان العربية الأخرى، ولعل التصريحات التي أدلى بها الرئيس اللبناني ميشيل عون في ختام زيارته للقاهرة قبل أيام ما يؤكد ذلك.”

عادل سعد

حين ارتفع صوت الرئيس المصري السابق محمد مرسي أمام مناصريه في أحد حشود (الإخوان) قائلًا (لبيك يا سوريا) انفضاحًا للمؤامرة المعروفة على هذا البلد العربي، قلت بشهادة إن الرجل أعلن توصيف الطريق لتفكيك المنظومة العربية من أجل مخطط واسع يراد به تشكيل المنطقة العربية لتلبية دعوات التشرذم والقطيعة بين العرب, وإن قوى إقليمية ودولية قد وضعت هذه المنظومة على طاولة التشريح السريري الواضح.
وعندما صدر خلال الأيام القليلة الماضية بيان عن لجنة العلاقات العربية في مجلس الشعب المصري الذي طالب بإعادة مقعد سوريا في جامعة الدول العربية إلى دمشق، والكف عن التدخل في شؤون سوريا وضمان وصول السوريين إلى ملتقى يحقق الحل السياسي الشامل بينهم، تأكد لي بما لا يقبل الشك أن الموقف الإقليمي التآمري قد أعلن عن هزيمته، وأن المال السياسي فشل في أن يكون في الموقع الذي يستطيع أن يملي شروطه لشراء المواقف, وأن واشنطن ومعها تل أبيب لا يستطيعان مواصلة اللعبة من تحت الطاولة العربية ومثيلتها الإقليمية، وأن القادم سيكون لعبا أميركيا إسرائيليا مكشوفًا.
على أي حال، إن مصر تمسك إرادتها الآن بالمزيد من الفهم الموضوعي وجودها القومي المتدرج, وإن المراهنة على تكرييس غياب دورها عربيا وإفريقيا لم يتحقق رغم كل المراهانات وإغراءات ها الطرف الإقليمي أو ذاك ومحاولات التظليل.
ولعل من الأهمية بمكان أن نشير هنا أيضا إلى ما صدر عن وزارة الخارجية المصرية في تفنيد الإيحاء أن الدور المصري في القارة الإفريقية هدفه الاحتواء والسيطرة وتوجيه السياسات الإفريقية بما يلبي نزعة النفوذ التي ادعى البعض أن القاهرة تتحرك
بموجبه لبسط هيمنتها بعيدا عن الانتماء العربي.
إن الانتباه السياسي المصري إلى ما جرى وما يجري في المنطقتين الإقليمية والعربية هو في حقيقة الوضع صحوة حقيقية، بدأت تتبلور الآن بالمزيد من السطوع والتأثيرات الإقليمية والدولية، الأمر الذي لا بد أن يمثل تحولًا حقيقيا لما ينبغي اعتماده لحماية الأمن القومي المصري.
وبعيدا عن أية مبالغة, أقول إن المتغير المصري بكل ما يملك من ثقل جيوسياسي وقوة استراتيجية فإن بإمكانه أن يعيد رسم مستقبل المنطقة بما يوفر من فرص عديدة للأمن والسلام والاستقرار سوريا ولعدد من البلدان العربية الأخرى، ولعل التصريحات التي أدلى بها الرئيس اللبناني ميشيل عون في ختام زيارته للقاهرة قبل أيام ما يؤكد ذلك، فقد تمنى على مصر تولي مسؤولية قيادية عربية في مواجهة الإرهاب، ويكفينا في ذلك أيضا قرار بغداد الإيجابي لدعم مصر نفطيًّا.
إن المواقف المصرية الصريحة الآن لا بد أن تتناغم بشكل أو بآخر مع السياسة الجزائرية والعراقية وربما التونسية واللبنانية نسبيا، الأمر الذي من شأنه أن يعيد الحراك لجامعة الدول العربية، ويجعل من فرصة عودة دمشق إلى كرسيها هناك أمرا حتميًّا, أو أن الوضع سيؤدي إلى انشقاق واضح داخل هذه المؤسسة القومية وما يترتب عليه من تجاذبات لا بد أن تعطي نتائج إيجابية؛ لأن الفرز سيتحقق ولن تكون هناك فرص للتمويه والتسيب وضياع الصحيح، والحال أن ذلك سيحفظ يحفظ للوضع العربي ما تبقى لديه من آمال في الموقف السياسي القومي المؤثر.
إن هذه الاحتمالات بكل ما فيها من مطبات وانتظارات واقتراب وتباعد فهي ليست بعيدة في المجانبة والتناقض، مع استمرار الضغوط على الجنيه والارتفاع النسبي في أسعار السلع وازدياد القلق الأمني في سيناء ومحيط العاصمة القاهرة، ولكن مصر غير قابلة للشراء مهما كانت التحديات.

إلى الأعلى