الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يتحول الأمل الصعب إلى رماد في جنوب السودان؟

هل يتحول الأمل الصعب إلى رماد في جنوب السودان؟

”كانت أول محطة لي في جوبا لدى زيارتي لها مؤخرا في موقع للنازحين في ساحة تومبينج لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. وكان اغلب الأشخاص هناك هم من قبيلة النوير وهي المجموعة العرقية لمشار. وفي مكان آخر في البلد، تحمي بعثة الأمم المتحدة افراد من قبيلة الدينكا المجموعة العرقية لسلفاكير- يساورهم الخوف وهم غير محصنين بشكل متساو.”
ــــــــــــــــــــ
بنهاية هذا العام، يمكن ان يواجه نصف سكان دولة جنوب السودان البالغ عددهم 12 مليون اما المجاعة او الموت. كان هذا هو الانذار الصادم وان كان واقعيا تماما المقدم الي لدى وصولي جوبا عاصمة جنوب السودان مؤخرا.
على مدار الأشهر الخمس الأخيرة، سقط هذا البلد الذي يعد احدث دولة في العالم وأحد افقر دول العالم ايضا في دوامة من العنف شردت اكثر من 1.2 مليون شخصا وزادت من احتمالات وقوع عمليات تطهير عرقي. ومع وجود اكثر من 4 ملايين شخص يعانون من المجاعة بالفعل والحقول خاوية على عروشها لأن الأشخاص خائفون حتى من زراعة او حصد محاصيلهم، فإن البلد يواجه تهديدا بوقوع مجاعة قاسية. انها كارثة متقنة من صنع البشر.
ويتحمل سلفا كير ورياك مشار مسئولية اخلاقية وسياسية في دفع جنوب السودان للخروج من حافة الكارثة.
لم يكن هذا هو المفترض ان يكون عليه الحال ابدا. فقبل اقل من ثلاث سنوات من الآن، كنت في جوبا للاحتفال بالاستقلال الذي تم الحصول عليه بشق الأنفس لهذا البلد. وكان وقت فرح. وكان الناس متوحدين ويحدوهم الأمل في مستقبل افضل. وحظي هذا البلد بدعم دولي كبير. وفي هذا اليوم، شاطرت الرئيس سلفا كير الفخر، حيث لعبت الامم المتحدة دورا كبيرا في ميلاد دولة جنوب السودان. وبعد ذلك بقليل لحقت بنائب الرئيس رياك مشار في نيويورك لحضور مراسم رفع علم جنوب السودان بوصفها العضو الـ193 في الامم المتحدة.
واصبح هذان الرجلان عدوين لدودين منذ ان تم ابعاد مشار واعضاء اخرين من مجلس الوزراء مرتبطين به على يد سلفا كير الصيف الماضي. وتحول الصراع على السلطة بسرعة ليأخذ ابعادا عرقية خطيرة. ففي كل ارجاء جنوب السودان يشهد الناس ويتعرضون لمذابح مروعة يرتكبها انصار الفصيلين. وخوفا على حياتهم، سعى نحو 85 الف رجل وامرأة وطفل الى ملاذات تحت علم الامم المتحدة الازرق في قواعد قواتها لحفظ السلام. وفر اكثر من عشرة اضعاف هذا العدد من منازلهم مع عدم وجود مكان يذهبون اليه.
كانت اول محطة لي في جوبا لدى زيارتي لها مؤخرا في موقع للنازحين في ساحة تومبينج لبعثة الامم المتحدة في جنوب السودان. وكان اغلب الاشخاص هناك هم من قبيلة النوير وهي المجموعة العرقية لمشار. وفي مكان اخر في البلد، تحمي بعثة الامم المتحدة افرادا من قبيلة الدينكا المجموعة العرقية لسلفاكير- يساورهم الخوف وهم غير محصنين بشكل متساو.
وتعد سياسة الامم المتحدة في فتح ابوابها لحماية المدنيين الابرياء عندما تفشل كل الخيارات الاخرى سياسة صحيحة وغير مسبوقة وان كانت ليست بدون خطورة كبيرة ـ على موظفينا وعلاقاتنا بالعرقيات والتجمعات السكانية واولئك الذين نحاول ايواءهم. فليس هذا قرارا نتخذه بسهولة بل انه قرار ملزمون باتخاذه من الناحية الأخلاقية. فقد انقذت الاستجابة السريعة والشجاعة لقواتنا من افراد حفظ السلام وموظفينا المدنيين ارواح عشرات الالاف.
لكن كما يذكر الصحفيون وعمال الاغاثة – وكما رأيت بنفسي – فإن احوال اولئك الذين هم تحت حمايتنا صعبة على الرغم من اننا نبذل اقصى ما في وسعنا. فمنشآتنا لم تكن مصممة ابدا لهذا التدفق الضخم من اللاجئين وليس عليها ان تكون كذلك. والان فإن موسم الامطار قد وصل، لتواكبه مخاطر جديدة. وتعمل بعثة الامم المتحدة جاهدة على بناء مخيمات جديدة اكثر ملاءمة من الناحية الصحية، غير ان ما يحتاجه جنوب السودان في المقاوم الأول هو السلام.
تلك كانت الرسالة الواضحة التي سمعتها من كل الأشخاص الذين التقيتهم في موقع تومبينج. وقالت لي ببساطة شابة من قبيلة النوير كانت في المخيم مع 15 من افراد عائلاتها منذ ديسمبر الماضي”نأمل أن يسود السلام. نريد ان يقبل قادتنا السلام.”
هذا ما اخبرت به كير ومشار. واستجاب الرجلان لدعوة المجتمع الدولي بلقاء في اديس ابابا في اطار محاولة اقليمية. ويشجعني انهما وقعا على اتفاق لقيادة البلد نحو السلام. وصار هذا واجب على القائدين الوفاء به الحين.
على سلفاكير ومشار مسئولية اخلاقية وسياسية لإبعاد جنوب السودان عن حافة الكارثة. واخبرتهم بأن عليهم التحلي بضبط النفس والحكمة الرحمة. فعليهما وقف دوامة العنف والتفكير بدلا من ذلك في شعوبهم وميراثهم. ان الكثير يمكن ان يمحوه التاريخ، الا ان وصمة عار التطهير العرقي لا تتلاشى ابدا.
كما ان على المجتمع الدولي دورا كبيرا يجب ان يقوم به. فعلى مجلس الأمن الدولي ان يمارس ضغطا على الطرفين من اجل التوصل إلى اتفاق على خطة سلام ومعالجة جذور الصراع. وبشكل خاص، فنحن بحاجة الى 30 يوما من الهدوء الان. ان الناس بحاجة لان يكونوا قادرين على زراعة المحصول المقبل. ويشجعني ان الحكومة قد اعلنت تأيدها لاتفاق وقف العداوات. ويتعين على المجموعات المتمردة ان تؤيد ذلك هي الأخرى.
كما يجب على طرفي النزاع تأمين وصول البعثات الانسانية. فقد اطلقت الامم المتحدة عملية ضخمة لمساعدة 3.2 مليون شخص، لكننا نحتاج لأن نكون قادرين على الوصول إليهم بالجو وبالبر وبشكل خاص بالنقل النهري في النيل.
كما يتعين على البلدان المانحة زيادة دعمها. فعلى الرغم من الوضع غير المستقر، بقيت الوكالات الاممية والشركاء في المكان. والبنية التحتية للمساعدة موجودة، غير ان المجتمع الانساني قدم 781 مليون دولار وهو مبلغ اقل من الـ1.27 مليار دولار التي قدرنا انها مطلوبة بحلول منتصف هذا العام. وانا احض كل البلدان على دعم مؤتمر المانحين لجنوب السودان الذي ستستضيفه النرويج والامم المتحدة بعد ايام.
اخيرا، يتعين علينا الا نغض الطرف عن اساسيات حقوق الانسان والمحاسبة. فالمسلحون من الجانبين مذنبون بارتكاب جرائم اغتصاب وذبح وتجنيد الاطفال. ويتعين ان يتم تقديمهم هم وقادتهم للعدالة.
لقد تداعت جنوب السودان بشكل كبير وسريع خلال اشهر قليلة. دعونا نعمل بسرعة على اعادة انعاش هذا البلد المعتل قبل فوات الاوان.

بان كي موون
الأمين العام للأمم المتحدة، خدمة ام سي تي خاص”الوطن”

إلى الأعلى