الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “مسافة السكة”

“مسافة السكة”

محمد عبد الصادق

” .. السيسي يفخر كثيراً بقوة الجيش المصري وانضباطه وحسن إدارته، ويتباهى بإنشاء قوة تدخل سريع هي الثالثة على مستوى العالم بعد أميركا وروسيا ـ كنا نظنها أنشئت لمواجهة الإرهاب في الداخل ـ ولكن السيسي أكد أنها معدة ومجهزة للوصول إلى أي مكان خارج مصر عند الضرورة.”
ــــــــــــــــــــ
عندما سألوا حسني مبارك عن رأيه في السيسي قال: “دا طلع عقر”، وفي رواية أخرى “ديب”، وتحول السيسي مؤخراً لـ”لبتمان” أو رجل المستحيل؛ فعندما سئل عن موقفه في حال تعرض الخليج العربي للخطر رد السيسي وهو يغمز بعينه اليمنى ويمصمص الجانب الأيسر من شفتيه ويضغط بأسنانه على مخارج الحروف، ويضرب بقبضته خشب المقعد المتين قائلاً: أي تهديد للخليج “هتلاقونا مسافة السكة وهنكون موجودين” ومسافة السكة تعني في العامية المصرية السرعة وعلو الهمة.
ولا أدري هل قال السيسي هذه العبارة في إطار حملته الانتخابية أم هي رسالة لرد الجميل لدول الخليج؛ التي ساندته، ودعمته عقب الإطاحة بالإخوان ومحمد مرسي في 30/6 /2013م , في وقت وقفت في وجهه أميركا، وأوروبا، حتى إفريقيا التي ساعدت مصر في تحررها من الاستعمار علقت عضويتها وفرضت حصاراً دبلوماسيًّا على مصر.
المهم في الأمر ألا توقظ هذه المواقف الحادة الشهوات النائمة على الضفة الشرقية للخليج العربي، فالفتنة نائمة، ولا نريد لأحد أن يوقظها.
والحقيقة أن السيسي لم يفرض نفسه، أو يتطفل على دول الخليج؛ فالرجل مرحب به، ويحظى بتقدير رسمي وشعبي، ويكفي أن آخر مهمة عسكرية للسيسي بالزي العسكري كانت في الإمارات العربية في ختام التدريب العسكري المشترك بين جيشي البلدين، وسبقه تدريبات عسكرية مشتركة للجيش المصري مع كل من السعودية والبحرين. وسمعنا عن استعداد السعودية، والإمارات لتحمل تكاليف صفقات السلاح الروسي للجيش المصري عقب زيارة السيسي لروسيا، وتوتر العلاقات المصرية /الأميركية عقب الإطاحة بحكم مرسي والإخوان ـ الذي اتضح جليًّا أنه لم يكن على هوى معظم دول الخليج ـ التي دعمت السيسي والنظام الجديد في مصر ماديًّا، ودبلوماسيًّا ومعنويًّا، حتى يقف على رجليه ويجتاز المرحلة الصعبة من خارطة الطريق.
والسيسي يفخر كثيراً بقوة الجيش المصري وانضباطه وحسن إدارته، ويتباهى بإنشاء قوة تدخل سريع هي الثالثة على مستوى العالم بعد أميركا وروسيا ـ كنا نظنها أنشئت لمواجهة الإرهاب في الداخل ـ ولكن السيسي أكد أنها معدة ومجهزة للوصول إلى أي مكان خارج مصر عند الضرورة.
وقوة الجيش المصري إضافة لمصر وللعرب، وشيء مقدر لا اختلاف على ذلك، ولكن على السيسي إدراك أن قوة الجيش وحدها لا تكفي، بدون شعب موحد، وجبهة داخلية متماسكة، ونسيج اجتماعي متين، واقتصاد قادر على تلبية احتياجات المواطنين أولاً، وتوفير الدعم اللازم للحفاظ على قوة الجيش ثانياً، بدلاً من الاعتماد بشكل كامل على المعونات الأجنبية، والمساعدات العربية، وإلا تحول إلى جيش تحت الطلب أو جيش يعمل بالوكالة لمن يدفع، وهو ما لا نرضاه ولا نقبله على جيش مصر العظيم، كما أن مصر لا تحتمل مغامرات ولا حماقات في الوقت الراهن، وعلى الرئيس القادم أن يتصرف وفقاً للدستور الذي يحتم حصول الرئيس على موافقة ثلثي أصوات أعضاء مجلس النواب القادم قبل إرسال أي قوات خارج حدود البلاد.
وعلاقة الجيش المصري بالخليج ليست وليدة اللحظة فعمرها من عمر تكوين الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي، الذي أرسل عدة حملات بقيادة ابنه ابراهيم باشا إلى شبه الجزيرة العربية والخليج العربي في بداية القرن التاسع عشر، نيابة عن الباب العالي في اسطنبول لردع الخارجين على الدولة العثمانية التي كانت لها السيطرة على الحجاز والمشاعر المقدسة، وكان السلطان العثماني يحمل لقب “أمير المؤمنين “ويحتفظ بنسخة من مفتاح الكعبة المشرفة.
وعبد الناصر هو أكثر رئيس مصري أرسل قوات من الجيش خارج الحدود؛ بداية من إعلان الوحدة مع سوريا سنة 1958م، وإرسال قوات بقيادة نائبه عبدالحكيم عامر لإدارة الإقليم الشمالي (سوريا) وعادت القوات لأرض الوطن عقب الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الحميد السراج وحدوث الانفصال سنة 1961م ، وفي نفس العام أرسل عبد الناصر كتيبة من المظليين بقيادة العقيد سعد الدين الشاذلي إلى الكونغو لمساندة المناضل الإفريقي لومومبا ضد الاستعمار البلجيكي لبلاده، وفي العام التالي 1962م أرسل عبد الناصر 5 آلاف جندي لمساندة النظام الجمهوري بقيادة عبد الله السلال ضد الملكية والإمام البدر في اليمن وأخذ العدد يتصاعد بعد اتساع المعارك ليصل إلى 60 ألفاً من مختلف الأسلحة، واضطر عبد الناصر لسحب معظم قواته من اليمن في عام 1967م لمواجهة إسرائيل في 5 يونيو في الحرب التي انتهت بالنكسة واحتلال سيناء وسقوط القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة، والجولان، والتي أرجع سببها الكثيرون لإنهاك الجيش المصري في حرب اليمن.
والسادات صاحب قرار الحرب والسلام كان أكثر رؤساء مصر فشلاً على صعيد العمليات العسكرية الخارجية فرغم تحقيقه نصرا تاريخيًّا على العدو الإسرائيلي في حرب اكتوبر 1973 م؛ إلاَ أنه بعد توقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل فتح على نفسه أبواب جهنم، فقاطعه العرب في قمة بغداد 1978م، ونظم العقيد القذافي مسيرة زحف للحدود المصرية الليبية، تصدت لها قوات حرس الحدود المصرية، فأطلقت قذائف مدفعية ليبية على مدينة السلوم المصرية، فأمر السادات القوات الجوية بالرد بقصف القواعد العسكرية شرق ليبيا، وقبل أن يتسع نطاق الأزمة تدخل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بين السادات والقذافي وتم احتواء الأزمة بين البلدين الجارين بعدما تركت جرحاً في العلاقات لم يندمل إلاّ بعد رحيل السادات، وكانت المغامرة الثانية للسادات عندما أرسل طائرة عسكرية تحمل قوات من الصاعقة للقبض على قتلة وزير الثقافة المصري آنذاك الأديب يوسف السباعي في مطار لارنكا على يد مجموعة فلسطينية احتجاجاً على مرافقة السباعي للسادات في رحلته لإسرائيل في 1977 ، ولم يكلف السادات نفسه التنسيق مع السلطات القبرصية التي فوجئت بالقوات المصرية على أرض المطار واعتبرت ذلك اعتداء على السيادة الوطنية وقامت القوات القبرصية بتدمير الطائرة وقتل 12جنديا مصريا من خيرة مقاتلي الصاعقة وطاقم الطائرة، وتسببت الحادثة في قطع العلاقات مع قبرص، وخيبة أمل كبيرة للشعب المصري على الأرواح الطاهرة التي راحت بسبب ردود فعل غير محسوبة وانفعالية وسخر المصريون من أنفسهم حينئذ بعبارة ” لا تقولي هذا ولا ذاك إحنا اللي اتهنا في لارنكا”.
وأرسل حسني مبارك 35 ألف جندي في حرب عاصفة الصحراء لتحرير الكويت ضمن قوات التحالف الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية وتمركزت القوات المصرية في منطقة حفر الباطن وشاركت في العمليات العسكرية وتطهير وإزالة الألغام، وإن كان أسوأ ما في هذه المشاركة أنها كانت تحت إمرة دول أجنبية في مواجهة جيش عربي شقيق، وأدت لتدمير الجيش العراقي، وشق الصف العربي منذ هذا التاريخ.

إلى الأعلى