الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا

صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا

كاظم الموسوي

”.. تستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة من الأزمات التي أدت إلى سياسات التقشف وتفاقم قضايا البطالة والعنصرية. وتنتقد عجز الأحزاب الأوروبية عن التصدي لمشاكل الأوروبيين الحقيقية، مشيرة إلى ضرورة إحداث تغيير يصب في صالح المواطنين. وتستهدف أحزاب اليمين المتطرف في النهاية تفكيك الاتحاد الأوروبي”
ــــــــــــــــــــــ
تنبه استطلاعات رأي، ويحذر مراقبون متابعون وتقارير إعلامية تنشرها وسائل الأعلام الأوروبية من صعود لأحزاب اليمين المتطرف في اوروبا، بشكل لافت، إلى سلطة القرار السياسي، سواء من خلال فوزها في انتخابات محلية ووطنية أو عبر تعاون وتنسيق واسع ومعلن فيما بينها. لا سيما ويتوجه الاتحاد الأوروبي بدوله الثماني والعشرين إلى الانتخابات البرلمانية الثامنة التي تنتهي مساء يوم 25/5/2014، لاختيار 751 عضوا للبرلمان الأوروبي لخمس سنوات قادمة، وبعد تغييرات معاهدة لشبونة لعام 2009، والخشية من تشكيل مجموعة خاصة بهذه الأحزاب المتطرفة داخل البرلمان الاوروبي وسعيها إلى عرقلة وتخريب عمل الاتحاد من داخله. فضلا عن مصير الاتحاد ذاته. وما ستجنيه من دعم مالي من حساب الاتحاد ودافعي الضرائب، حسب حجمها وعدد اعضائها.
تعلن الأحزاب اليمينية المتطرفة انتقادها الحاد لما تسميه بسيطرة المؤسسات الأوروبية الاتحادية على القرار الوطني للدول، وتعتبرها “آلة بيروقراطية ثقيلة ووحش يتدخل أكثر فأكثر في الحياة اليومية للمواطنين الأوروبيين ويحد من حرياتهم”، وفق منشورات دعاية حزب “الفلامانيون أولا” في بلجيكا، والمعروف بعدائه للاتحاد الأوروبي والمهاجرين ونزعاته الانفصالية. كما يرفع حزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب)، اليميني المتطرف، شعارات معادية مشابهة للاتحاد الاوروبي ويضع عنوانا رئيسيا على منشورات دعايته الانتخابية “ان المملكة المتحدة تتكلف يوميا من خلال عضويتها في الاتحاد اوروبي 55 مليون جنيه استرليني” و”تكلف سياسة الباب المفتوح للمهاجرين دافعي الضرائب في بريطانيا 22 مليون جنيه استرليني يوميا لسبعة عشر عاما، من 1995 إلى 2011″، ولهذا يدعو الناخبين إلى التصويت له لإعادة هذه الاموال للخدمات الاساسية التي تعاني قصورا وتباطؤا في التطبيق العملي اليومي، لأسباب اخرى طبعا. وهو ما تقوم به الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى، مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا ورئيسته مارين لوبين، وحزب الحرية الهولندي وزعيمه جيتر ويلدرز، وغيرهما في البلدان الأوروبية. وتسعى هذه الأحزاب إلى اقناع الناخبين للتصويت لصالحها وإصدار منشورات انتخابية مشتركة في بلدانها وتصعيد فعاليات حملاتها الانتخابية. وهي تعكس حالات مغايرة لطبيعة المجتمعات الاوروبية واتجاهاتها الثقافية عموما. وتستفيد من تدهور الاوضاع الاقتصادية لغالبية واسعة من الفئات الشعبية داخل البلدان الاوروبية، خاصة جنوب اوروبا وشرقها، وحتى في شمالها.
رغم ذلك فهناك من ينظر إلى التيار اليميني المتطرف وصعوده البارز، سواء في بلدانه او الاتحاد الاوروبي، بأنه سيظل بحجمه ومستواه ودوره المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة بشأن الهجرة واليورو والعولمة وحرية التنقل، ولا يقلل من تهديده وخطره. في الوقت نفسه تعول احزاب اليمين المتطرف على الانتخابات وسيلة لتوحيد صفوفها ولملمة اصوات الذين ينددون بفكرة “الاتحاد الاوروبي”!. ويمكن ان تحل احزاب اليمين المتطرف والأحزاب المناهضة للاتحاد الاوروبي في فرنسا وبريطانيا والدنمارك وفنلندا وهولندا والنمسا والمجر والمانيا في مرتبة غير متوقعة بين الكتل والأحزاب الاوروبية.. وهي تروج ضد الاتحاد الأوروبي وتعتبره مؤسسة قادت القارة الأوروبية إلى كارثة حقيقية، على جميع الاصعدة الاجتماعية والاقتصادية والمالية وحتى السياسية. وتشدد في منشوراتها المشتركة على قضية الهجرة، لا سيما ضد المهاجرين العرب والمسلمين، والذين اخذوا يشكلون نسبا غير قليلة من مجموع المهاجرين لتلك الدول، إضافة إلى ما يثار عليهم من تصرفات أو ممارسات تتعارض مع القوانين أو الحياة الاوروبية. فتركز دعاية هذه الأحزاب على ان “هناك حوالي 900 ألف يدخلون دولنا كل عام ويثقلون كاهل النظم الاجتماعية والاقتصادية والأمنية دون أن تتمكن أوروبا من معالجة هذا الأمر”.
وتستفيد الأحزاب اليمينية المتطرفة من الأزمات التي ادت إلى سياسات التقشف وتفاقم قضايا البطالة والعنصرية. وتنتقد عجز الأحزاب الاوروبية عن التصدي لمشاكل الأوروبيين الحقيقية، مشيرة إلى ضرورة إحداث تغيير يصب في صالح المواطنين. وتستهدف احزاب اليمين المتطرف في النهاية تفكيك الاتحاد الأوروبي وانفصال دوله وإلغاء عملة اليورو وإعادة تداول العملات القديمة ووقف الهجرة المفتوحة والتنوع الثقافي.
في مقابل احزاب اليمين المتطرف تعمل الاحزاب المؤيدة للاتحاد الاوروبي، سواء من اليمين الوسط او الاشتراكيين، على تنظيم قواها على غرار الائتلافات الكبرى التي تشكلت بكثرة في السنوات الأخيرة في الاتحاد الأوروبي، مثل ما حصل في المانيا واليونان وإيطاليا وبلجيكا وفرنسا واسبانيا.
تقدم معاهدة لشبونة لعام 2009 تغييرات تخدم ممارسة الديمقراطية في اتخاذ القرارات ومحاسبة التصرفات لأعضاء البرلمان مما يحد من تأثير واسع لممثلي احزاب اليمين المتطرف، من جهة. ويستوجب على النواب الأوروبيين الجدد اختيار اسم الرئيس المقبل للمفوضية الأوروبية الذي يعتبر الوجه البارز لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، من جهة اخرى. ولهذا تسابقت مجموعات الأحزاب الأوروبية الرئيسية بإعلان اسم مرشح لكل منها. (مرشح مجموعة المحافظين جان كلود يونكر ومرشح مجموعة الاشتراكيين مارتن شولتز، ومرشح مجموعة الليبراليين في فرهوفشات). مستبقة تطبيق التغييرات الجديدة لمعادة لشبونة ووقف التدخل المركزي فيها، كما صرح رئيس المجلس الأوروبي هرمان فان رومبوي مؤخرا: “إن الفارق بين البرلمان وأولئك الذين يقررون واضح جدا بالنسبة للمواطنين”، عاكسا بذلك رأي عدد من القادة الأوروبيين الذين يريدون الاحتفاظ بسلطتهم. والذين سيلتقون في بروكسل اعتبارا من 27 أيار/ مايو، بعد يومين من الانتخابات. وحذر فان رومبوي أيضا من خطر “المواجهة” بين المجلس والبرلمان الذي سيقوم بتنصيب الرئيس الجديد للمفوضية في منتصف تموز/ يوليو المقبل. في انتظار ذلك يجوب المرشحون أرجاء اوروبا. ويحاول كل منهم العمل على اقناع الناخبين واعضاء البرلمان الجديد إلى انتخابهم للرئاسة. وجميعهم متفقون على ضرورة طي صفحة عشر سنوات لجوزيه مانويل باروزو على رأس المفوضية الاوروبية، ويدعون إلى تشكيل سلطة تنفيذية أوروبية أكثر مراعاة للمسائل الاجتماعية ونشاطا سياسيا.
صعود احزاب اليمين المتطرف تعكس في احد وجوهها تفاقم الازمات الاقتصادية وضعف معالجاتها وسياسات التقشف التي اقلقت المواطنين الاوروبيين وأسهمت بأشكال مختلفة في حالات القنوط من عمليات التغيير.

إلى الأعلى