الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءة في ما وراء دعوة يادلين..؟!

قراءة في ما وراء دعوة يادلين..؟!

علي عقلة عرسان

”لقد تكلم وفد الائتلاف في واشنطن عن تحالف “أو اتفاق” استراتيجي مع واشنطن، فما الذي لدى الائتلاف من قوى وقدرات ومغريات ومصالح تجعل واشنطن تُقبل على شراكة استراتيجية معه؟! ليس لديه سوى الوعود والتعهدات بأن يقدم لإسرائيل ما تطلبه، وهو ما تريده الولايات المتحدة دوماً، وليس لديه إلا أن يرهن سوريا الوطن والشعب والمستقبل لواشنطن والحركة الصهيونية،”
ـــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي انتهت فيه لقاءات وفد “الائتلاف” في واشنطن، أطلق عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً ورئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب حاليًا، أطلق عدة تصريحات تتجاوز مضمون الاستفزاز والتحريض وتُعدّ مع ما رافقها نفيراً واستنفاراً لتحقيق ما يبدو أنه توافق خفي على هوامش لقاءات واشنطن التي قيل إنه لم تتم الموافقة فيها على توجيه ضربات أو القيام بعملية عسكرية واسعة ضد سوريا ولا على تزويد المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، أو فرض منطقة حظر طيران فوق أراضي سوريا تكون ملجأ آمناً للمعارضة تنطلق منها.. وهو بعض ما يطالب به الائتلاف ويوافقه عليه من اليمين الأميركي ومعارضو سياسة الرئيس أوباما، حيث أبقي على الحذر من تسليم أسلحة أميركية نوعية مضادة للطائرات للمعارضة خشية أن تقع بأيدي متطرفين؟!.
في تصريحات يادلين ما يمكن أن يعد بمثابة خطة بديلة، أو بالأحرى اتفاقيات خفية بين الصهاينة واليمين الأميركي، للقيام بعمل عدواني عسكري ضد سوريا رأس حربته “إسرائيل” التي لن تكون منفردة به “سراً” وإن بدت كذلك في العلن.. وتبقى مشاركة الولايات المتحدة الأميركية فيه رئيسية ولكن من خلال إسرائيل والمعارضة وحلفاء آخرين، وتبقى الخسائر البشرية والدماء المهراقة والضحايا المقدمة، وكذلك الدمار الذي سيتراكم فوق دمار.. يبقى كل ذلك سوريًّا بالتمام والكمال، أما التمويل فعربي من الألف إلى الياء، بما في ذلك الأتعاب والعمولات والهدايا والمكافآت والاسترضاءات و..!!. ومن الملاحظ أن هذا التوجه تعمل عليه وتريد أن تفرضه أوساط أميركية سياسية وإعلامية ومراكز بحث، ويمكن أن نوجز خلاصة التوجه في آراء تحض الرئيس أوباما على أن يظهر قوته العسكرية في سوريا، ففي رأي أنتوني كوردسمان من المركز الأميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية، أنه “إذا تعلق الأمر فقط بسلسلة من الأنشطة السياسية دون أي تأثير على الوضع العسكري، فهذا ليس إلا تجميلا سياسيا.. وإذا ما أراد جون كيري أن يعطي القوى المعتدلة ورقة للضغط، فيتعين عليه المجازفة”، وهناك آراء ترى أن مفتاح الأزمة الأوكرانية موجود في دمشق، وأن ضربة عسكرية ضد القوة الجوية السورية إشارة سيفهمها بوتين.. وسيكون لصوت القصف في سوريا صدى كبير في روسيا.”، وسيساعد الأهالي على التخلص من الهجمات الجوية وستجبر الأسد على الرجوع إلى طاولة المفاوضات. ونجد هذه المضامين ذاتها في تصريح يادلين الذي قال: “إذا استيقظ الأسد يوما ما واكتشف أن كل طائراته الهيليكوبتر التي تقوم بإلقاء براميل البارود قد اختفت، وفي اليوم التالي أن لا بحرية لديه، وفي اليوم الذي يليه أن مقاره الأمنية قد هوجمت.. عندها سيدرك أن هناك ثمناً سيدفعه على أعماله”.. وفي واقع الأمر لن يخسر الرئيس الأسد ما أشار إليه الصهيوني المتماهي مع الحقد العنصري والعدوان، إنما سوريا الوطن وشعبها وجيشها هم الذين سيخسرون، فسوريا ليست ملكاً لشخص، وحتى إذا كانت هناك مقولات وعبارات تنثر هنا وهناك يقولها قصار قاصرون وتشي بهذا المعنى أو تصب في هذا المنحى فإنها من سقط المتاع، فالحقائق والوقائع والدماء والتضحيات والمآلات الكبرى لكل فعل وإنجاز وتضحية وخسارة، بل ولكل هزيمة وانتصار عبر تاريخ سوريا، هي للسوريين والسوريات كافة، وللجمهورية العربية السورية عامة.. ولم يكن الملوك ورؤساء الجمهوريات والحكام عبر التاريخ، في كل الحروب وكل الانجازات، إلا أفراداً حَمَلهم الشعب أو تحمّلهم أو حمَّلهم مسؤوليات، وضحى هو بكل شيء وقدم كل الأثمان ليتم النصر أو الإنجاز، وسدد هو فواتير المعارك وتكاليف البناء حتى ثمن أخطاء القادة والمسؤولين وما هو أكثر من ذلك مما لا يرفع صانعيه.. لكن المنهج الذي يُكتب به تاريخ، ومن يكتبون تاريخاً ممن يُشترون أو يخوَّفون أو لا يملكون المعلومات وتأخذهم النزوات والنزعات .. يميلون كل الميل فيضللون ويضيِّعون الحقيقة ودور الشعوب وينسبون الأفعال وحتى الأوطان لأشخاص، فيهدر دم الشهداء مرتين ويضيع الشعب وتدفن تضحياته، وتنسب الانتصارات والبطولات والإنجازات للحاكم؟!.. وحقائق الأمور تقول إن الأوطان للشعوب وليست لأشخاص مهما كانوا وأيًّا كان دورهم، وينبغي أن يشرفهم أن الشعب رفعهم مسؤولين، وعليهم أن يسلموا بحقه في أن يعيدهم مواطنين عاديين ويحاسبهم إن شاء.. وليَسْأل من يعترض على ذلك أو يفترض غير ذلك لغاية ما.. فليَسْأل عن أسماء الشهداء والمصابين والجرحى والمعوقين والمضحين والأبطال الحقيقيين والمشردين والمنجزِين الكبار، وليَسْأل بالدرجة الأولى عن الحروب وفيها:” الآباء والأمهات والأبطال الحقيقيين الذين دافعوا عن الأرض والوطن والقيم والقضايا العادلة بوعي وشرف وتواضع ..”، وليدقق بنزاهة وإنصاف وفهم وسعة أفق وثقة وإرادة وخُلُق رفيع ومسؤولية علمية وأخلاقية .. في الوقائع والوثائق الصحيحة ليعرف صحيح الأمر، وليقم بالتمحيص والتصحيح ليرى غير ما يُشاع وغير ما يقال ويُكتَب في كثير من الأحوال، وليفعل من يفعل ذلك بعلم وتواضع وموضوعية لكي يحسِن وضع الأمور في نصابها والنقاط على الحروف، ويقيم الأشخاص في المراتب والمواقع اللائقة بهم وفق مواطنية ناضجة تليق بشعوب وأوطان، ومن أجل الحقيقة قبل كل شيء وبعد كل شيء.
وعود على بدء أو إلى ما كنا فيه، والعود في بعض الحالات والأوقات أحمد، نعود لنقرأ في التصريحات والدعوات التي أشرنا إليها ما يمكن أن يكون بدائل عسكرية لغمغمات وخداعات سياسية، تتزامن تقريباً مع ما كان في واشنطن من لقاءات ومع زيارة وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل إلى “إسرائيل” حيث تابع مع وزير العدوان الصهيوني الترتيبات التي يجريها الجانبان لتدريبات الدفاع الجوي المشتركة التي بدأت في إسرائيل يوم الأحد 18 مايو/ أيار الجاري وتستمر اسبوعاً، ويشارك فيها أكثر من أربعة آلاف جندي أميركي، وفي رقم آخر ستة آلاف، إلى جانب الإسرائيليين، تحت مسمى:”جونيبر كوبرا”، ولنلاحظ على الهامش هنا أن الأميركيين شغوفون بإطلاق اسماء الوحوش الكاسرة والزواحف السامة ومسببات الكوارث الطبيعية الكبرى على حروبهم ومعاركهم وتدريباتهم ومناوراتهم، فالإناء دائماً ينضح بما فيه..
واللافت للنظر في المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزيران يعلون وهاغل، قول هاغل بعد تأكيده التزام واشنطن بتقديم 3,1 مليار دولار مساعدات “لإسرائيل”، وتكراره لمعزوفة التزام بلاده بضمان أمنها وتفوقها النوعي و.. إلخ، اللافت إعلانه في كلمته أنّه خلال التدريبات ستستخدم مجمل الأنظمة الإسرائيلية للدفاع الجوي، من ضمنها نظام “القبة الحديدية” والنظام الدفاعي المضاد للصواريخ الباليستية “آرو” ونظام “ديفيد سلينغ” المصمم لاعتراض الصواريخ المتوسطة المدى.”؟! وحين ندقق في هذا، ونقاطع المعلومات، ونقارب الإشارات الصادرة عن الطرفين الأميركي والإسرائيلي في هذا التزامن اللافت، ونمعن النظر في أقوال موشيه يعلون وزير العدوان الإسرائيلي، في المؤتمر الصحفي مع تشاك هاغل، نجد أن من حقنا بل من واجبنا الشك بكل بنواياهم والحذر من كل ما هو صهيو ـ أميركي، وأنه من باب الحيطة والتنبه الشديد التفكير بما يمكن أن يكون من تمويه وخبث وخداع في أثناء تلك المناورات والتدريبات الجارية، تشي بما قد تفعله حماقات أو تخفيه تصريحات وتهديدات كتلك التي يطلقها وزراء أو رؤساء استخبارات أو مسؤولون من درجة ما، وما يحرض عليه يمينيون أميركيون وصهاينة دمروا ما دمروا في العالم بوحشية لا سيما في العراق وأفغانستان.. وعليه فإن التنبيه إلى خطة مبيتة لعدوان صهيوني على سوريا يُستجدى بإلحاح ويطلب بتصعيد ربما تكون قد دُبرت ورتب لها، ويكمن في عمقها البعيد هذه المرة رسالة واضحة من الطرفين الأميركي والصهيوني لروسيا وإيران.. فقد “أكد يعلون أن على دولته وعلى واشنطن الاستعداد لمنع إيران من حيازة السلاح النووي باستخدام “كافة الوسائل” المتاحة، وإن ذلك يعني أن ” لُب المسألة أن إسرائيل يجب أن تكون مستعدة لتدافع عن نفسها بنفسها”، وهذا لا جديد فيه لأن إسرائيل هددت وتهدد والولايات المتحدة قالت إن من حق “إسرائيل” أن تدافع عن نفسها.. ولكن.. ولكن حين نضيف إلى ما سبق من أقوال استنتاجات يادلين التي تؤسس لاستراتيجية واسعة في المنطقة، ونقاطع ذلك في هذا الشأن مع مواقف وتصريحات وتحركات معلنة ومخفية لـ “سوريين وعرب؟”، وكذلك ما يُراد أن يوجَّه لروسيا عبر سوريا فيما يتعلق بأوكرانيا.. فإننا نقف على عمل استراتيجي أبعد من عدوان، يتم ترتيبه وإنضاجه بين أطراف: “سوريا معارضة هي واجهات؟!”، وصهيونية معادية لنا تاريخيًّا وساقطة أخلاقيًّا، ويمين أميركي ضالع في الإجرام، وأطراف عربية داعمة لهذا النوع من العدوان، وذات حضور ملموس في الأزمة/الحرب التي تطحن سوريا منذ سنوات.. لكي يتكامل المشهد السياسي ـ العسكري ـ الاستراتيجي، الذي في تكوينه وتلافيفه ومعتركه أطراف إقليمية ودولية أخرى .. والمؤشرات على ذلك عديدة ومتواترة، وربما كان من أهدافه قطع الطريق على أي تواصل وتفاهم بين السعودية وإيران.. ولا شك في أن هذا سيحقق مخططات الأميركيين والصهاينة الرامية إلى أن تستمر الحرب المدمرة في سوريا لتقضي على كل من له مصلحة بالقضاء عليه، وتدخِل العرب والمسلمين أكثر فأكثر في أتون الفتنة المذهبية ” السنية ـ الشيعية” لتكبر الكوارث وتعم.. وبهذا يرسخون هم وجودهم وهيمنتهم وقد يكسبون حلفاء كادوا يخسرونهم، ويلقون على النار المشتعلة زيتاً لتزداد اضطراماً.
وقد قال يادلين بصراحة: “إن السنة الذين يُقتلون بينما نتحدث الآن لن ينضموا أبداً إلى تحالف مع إيران وحزب الله، ومن المهم للغاية إضعاف هذا المحور المتطرف.”.. وقوله هذا لا يحمل حرصاً على السنة الذين يحتل الصهاينة وطنهم ويقتلونهم ويضطهدونهم ويشردونهم في أرجاء الأرض .. بل يدخل في حسابات استراتيجيين غربيين وصهاينة، وحتى في حسابات سوريين وعرب متحالفين مع الغربيين ويسعون لتحالف مع الصهاينة من شأنه أن يديم اقتتال العرب والمسلمين بعضهم مع بعض .. وهذا يفيد أن الهجوم الذي يحرِّض يادلين على القيام به ضد سوريا لن يحرك العرب والمسلمين ضد إسرائيل، ولا باتجاه مناصرة النظام في سوريا وحلفائه الذين يصنفهم طائفيًّا في فريق “الشيعة” الذين يقاتلون “السُّنة”، وأن إسرائيل لن تخسر ” أصدقاء وحلفاء عرباً بينهم معارضة سورية تقاربهم ويقاربونها”، لأن أولئك لن يدافعوا عن سوريا التي يسميها “سوريا الأسد” التي تقتلهم، وهم يتطلعون إلى سوريا أخرى.. وصورة هذه السوريا الأخرى وتوجهاتها وموقفها من “إسرائيل” بعد أن تتكون وقبل أن يقدموا لها الدعم بكل أشكاله وألوانه لتكون.. سوريا المستقبلية تلك التي يرسمون صورتها، كانت هي الشاغل الأهم، إن لم يكن الأوحد، لإسرائيل والصهاينة والأوروبيين والأميركيين في اجتماعات وترتيبات سبقت بداية الأزمة في سوريا وجرى كثير منها في لندن، واطمأن الغربيون والصهاينة من خلالها إلى أن سوريا القادمة على أيدي حلفائهم أو” أصدقائهم المعارضين ومناصريهم من العرب والمسلمين” ستعترف بإسرائيل وفق الشروط الإسرائيلية التي تقدم لها، وأن الغرب لا سيما الولايات المتحدة الأميركية هو الضامن لذلك، وسيكون دور بعض العرب عرابين ومحرضين ودافعين بالمعنيين المادي والمعنوي..!؟!. وقد تكلم عن صيغ لتلك العلاقة المستقبلية بين سوريا و”إسرائيل” مَن يوصفون بأنهم “سوريون” يعارضون؟!، وهم في ما بدا لاحقاً من مواقفهم وتصريحاتهم ومبادراتهم ودعواتهم مجرد عملاء لكن طال زمن تخفيهم بثوب المعارضين، وقد كشفوا أوراقهم وحقيقتهم بالدعوة إلى التحالف مع إسرائيل ضد وطنهم، وتسليم الجولان السوري المحتل ليكون متنزَّهاً تحت السيطرة الصهيونية ويدخله سوريون للسياحة والتقارب مع المحتلين اليهود..؟! وقد نفَّرت هذه التصريحات والمبادرات بعض المعارضين السوريين فأدانوا أصحابها، ولكنهم لم يدركوا أن التيار الذي يمثله أولئك أكبر مما يبدو في الظاهر وأنه صاحب نفوذ سياسي ومالي وعسكري، وأن من يسمون ” أصدقاء الشعب السوري” يريدونه ولا يريدون سواه، وهم يضعون “طاقية الإخفاء” على بعض الرؤوس لترى وتطلع وتستطلع وتحرك وتقرر من الداخل.. إلخ؟!
لقد تكلم وفد الائتلاف في واشنطن عن تحالف “أو اتفاق” استراتيجي مع واشنطن، فما الذي لدى الائتلاف من قوى وقدرات ومغريات ومصالح تجعل واشنطن تُقبل على شراكة استراتيجية معه؟! ليس لديه سوى الوعود والتعهدات بأن يقدم لإسرائيل ما تطلبه، وهو ما تريده الولايات المتحدة دوماً، وليس لديه ألا أن يرهن سوريا الوطن والشعب والمستقبل لواشنطن والحركة الصهيونية، حين تسنِّمانه سنامها وتسلمانه حبل القيادة فيها؟! ويبدو أن الائتلاف على استعداد لأكثر من ذلك ولكنه لا يستطيع أن يثبت أنه موضع ثقة تامة في موضوع السلاح النوعي المضاد للطيران ولا في إثبات أنه الحصان الرابح في الرهان الحربي.. ولذلك جاءت الخطة البديلة بمبادرات “إسرائيلية جليلة”، متلفِّعة بأخلاق صهيونية عنصرية أصيلة، أخلاق عرَّاها اليهودي الإسرائيلي الذي تنصل من صهيونيته إبراهيم بورغ أمام المجلس الفلسطيني في القدس يوم الأحد 18 مايو/ أيار 2014 حيث قال: “.. ها أنذا أعلن أمامكم، عن حقيقة مؤلمة. لقد دمرتنا الصهيونية. الصهيونية كانت مشروعاً جهنمياً، أبرز ضحاياه، اليهود أنفسهم. الصهيونية، كونها المشروع الصهيوني الذي ارتكبناه، اسقطتنا من العالم الأخلاقي.. ولأننا لم نسمع صوت الضمير فينا، وغلبنا نص العقيدة علينا، تكلست قلوبنا وقست مشاعرنا. أي فقدنا شيئاً من إنسانيتنا. “؟! هذه الصهيونية المتلفِّعة بالأخلاق والقيم الإنسانية زوراً وبهتاناً، وهي من الأخلاق والإنسانية براء، ترفع شعار الدفاع عن المدنيين السوريين إنسانياً.. وهي تتخفى خلف ذلك لتوجه باسمه وبتصدير “إعلامي ـ إنساني ” للعالم، ضربات ماحقة للجيش العربي السوري، إن هي استطاعت، وذلك بالاتفاق مع واشنطن التي تريد للنار المشتعلة في سوريا أن تزداد اضطراماً وتستمر.. وقد قلنا ذلك سابقاً ونقوله اليوم: الولايات المتحدة شر ولا تريد بنا إلا الشر”. وتؤكد المعطيات اللاحقة، التي نحن بصددها هنا، أن ما تريده “إسرائيل” وما ترغب فيه وما توافق عليه هو الذي يتبناه الأميركيون الذين يسلمون ملف المنطقة وملف قضية فلسطين بأبعادها العربية إلى يهود صهاينة أميركيين ليس هنري كيسنجر ومارتن اندك ووليام بيرنس وغيرهم وغيرهم من الصهاينة والمتصهينين سوى بعض ما حفر ونفر في الكتابة على صفحة القضية المركزية لنضال العرب الحديث وشُعبها، قضية فلسطين!! والصهاينة الذين يجرّون الأميركيين من أنوفهم في حالات كثيرة يغرونهم، بما يسعون إلى تنفيذه من تدبير، يغرونهم بضرب أكثر من عصفور بحجر واحدٍ يوجَّه إلى سوريا بمباركة ومشاركة أميركية، حجر يصيدها أو يدميها ويضعف إيران وكل الصف المتماسك في تلك المواجهة، ويرسل لموسكو وكييف رسائل ذات مغزى ملائم.. وبذلك يكسبون ويطفئون غضب عرب من العرب استشاطوا غضباً لأن الولايات المتحدة الأميركية لم توجه ضربات قاصمة لسوريا وجيشها في ذروة المد والتصعيد، اللذين انتهيا بانتزاع أسلحة الردع الكيماوية السورية لمصلحة إسرائيل التي تفردت بامتلاك الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية في المنطقة، مدعومة بغطاء دولي غربي على الخصوص يمنع مساءلتها عما تملك وعما تفعل، ويمنع حتى الحديث عما تطور من أسلحة دمار شامل محرمة دولياً، ويبقيها فوق القانون وخارج نطاق أية مؤسسات واتفاقيات دولية يمكن أن تحكمها أو تشرف عليها أو تقيدها، كما هو الحال مع دول العالم، ويُزاد لها في طول الرَّسَن لتهدد غيرها من الدول العربية والإسلامية، إذا ما فكرت تلك الدول بامتلاك طاقة نووية للأغراض السلمية، كما هو شأنها مع إيران.؟!
تلك أوضاع ووقائع مأسوية تقودنا إليها أو تضعنا فيها السياسة العربية المتهافتة، وانسداد الأفق السياسي أمام مسؤولين كثر في وطن العرب الكبير، لا سيما في الأقطار التي تشتعل فيها النار، ممن كان عليهم أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية الوطنية والقومية والإنسانية، وهي أوضاع تبقينا فيها التعارض أو التناقض بين القدرات والتطلعات والممارسات من جهة وبين التشخيص أو التحديد الحقيقي ـ الواقعي للمتطلبات والأساليب اللازمة لمواجهة الأزمات والسبل الناجعة المؤدية إلى حلول لها .. وتزيدها وضوحاً قسوة ووضوحاً الهوة السحيقة القائمة بين الشعارات والممارسات، الأمر الذي ينتج خرائد السياسة العربية في نطاق السياسة الدولية، ويضيف إلى أعاجيب العرب أعاجيب، ويقدم ملامح من فرائد أفعال الأنظمة والمعارضات في وطن العرب المحكوم بساسة وسياسات وثارات وماضويّات ومفاهيم تزلزل العقل الحكم وتمنع الخيار السديد، وتضع العقل في الكف ليلتف عليه من خلائق الله الصغرى والكبرى ما يلتف، فيصغره ويشوهه ويهمشه ويبقيه معلقاً في فضاء ما بين الدارين، يأتيه القول الكريم ” وهديناه النجدين” فلا يكاد يعي أو يصدق أن هناك طريقاً للمجد سوى التبعية المطلقة لمن لا يريد له الخير ولا يضمر له إلا السوء ويدبر له الأذية بعد الأذية..
فسبحان الله، والحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إلى الأعلى