الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة من حقنا بيئة.. نظيفة آمنة؟

العين .. الثالثة من حقنا بيئة.. نظيفة آمنة؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ما مدى العلاقة القائمة بين الاقتصاد والبيئة؟ نظريا، هناك وزارة انشئت خصيصا للحفاظ على هذا الحق الدستوري والإنساني، وربما تكون بلادنا الدولة الأولى عربيا التي لها السبق والوعي الرفيع بالبيئة وبمدى تلازم العلاقة بين الاقتصاد والبيئة من أجل الحد من تلوث البيئة وضمان هواء نقي ومياه نظيفة وطعام خال من التلوث، ويساند ويعاضد دور هذه الوزارة مؤسسات حكومية أخرى كالبلديات، ونظريا، هناك جمعيات أهلية انبثقت من رحم مبادرات النشطاء المستقلين، وهي متمركزة في مسقط، ونظريا، هناك تشريعات وقوانين تنظم العلاقة حتى لا يكون هناك إفراط ولا تفريط في الاقتصاد ولا في البيئة، ولا أحدهما على الآخر، لكن، عمليا، من يفسر لنا التلوث والروائح الكريهة في كل من المنطقة الصناعية بريسوت بالقرب من عوقد وكذلك الروائح الكريهة التي تقلق سكان صحلنوت بمنطقة السعادة؟
قد تكون القضية تعاني منها كذلك مناطق عديدة من بلادنا، لكننا سنتناولها محليا من منظور مرئيات العين الثالثة مباشرة لا نقلا عن مصادر ولا قولا منسوبا لشخصية ترفض الكشف عن نفسها، وقد زرنا المنطقتين مؤخرا، ونتحدى أي شخص يستطيع المكوث لو دقيقة واحدة داخل سيارته وليس خارجها في المنطقة الصناعية بريسوت، وسوف يتردد كثيرا أي مواطن قبل أن يقدم على بناء منزل خاص له في منطقة صحلنوت بالقرب من المزرعة التي تحمل اسمها؟ والسبب دائما الروائح الكريهة التي تنبعث بصورة مزعجة ومقلقة من معالجات مياه الصرف الصحي بريسوت ومن المزرعة السالفة الذكر، والروائح الحيوانية الكريهة هي مزعجة كذلك لكل عابري طريق الرباط السريع، حيث تغزو بدورها المركبات رغم إغلاق النوافذ، فكيف بساكني تلك المنطقة؟ قضية قديمة جديدة نفتحها ليست للمرة الأولى وإنما لمرات عديدة، وكأننا نخاطب صمتا غير ناطق أو نصرخ ليلا في صحراء، نفتحها مجددا بعد أن دفعت بنا الظروف المرور عبر شارع الصناعيات، ورغم أن نوافذ سيارتنا مغلقة تماما إلا أن الروائح المقززة والكريهة قد تمكنت من غزونا، فضايقتنا تنفسيا، والبعض شكلت له حالة دوار ولوعان لم يخرج من تداعياتها النفسية الا بعد وقت طويل نسبيا من مغادرتنا المنطقة، الله يكون في عون ساكني المنطقة الصناعية ومنطقة عوقد القريبة منها؟ المعيشة في هذه المنطقة لن تحتمل أبدا، ويمكن هنا أن نضيف لها كذلك حالة التلوث التي مصدرها مصنع الاسمنت بريسوت، فكيف لا يزال قائما وبالقرب منه منطقة سكنية قائمة، وملاصقا له وزعت أراضي سكنية، وفي محيطه فندق من فئة خمسة نجوم، وآخر وربما أكثر في طور الإنشاء، وفي محيطه كذلك المنطقة الحرة وميناء ريسوت للحلويات، إنها منطقة تجمع كل المتناقضات التي لن تستقيم مع منطق العقل ولا مع ضرورات بناء المدن العصرية، كما أنها لا تعكس جهود الدولة الكبيرة في مجال الصحة، انه يعكس التخبط والعشوائية في بناءات المجتمع المادية منها والمعنوية دون أن يكون هناك ضوابط ومعايير لحماية المدن وساكنيها من أية أضرار قد تلحق بصحتهم ولو النفسية، هل مسئولو مجتمعنا المحلي لم يمروا على هذه المنطقة حتى الآن، ويكتشفوا حجم المشكلة؟ وهل سيقبلون العيش فيها ولو يوم واحد؟ والروائح الكريهة المنبعثة من هذه المنطقة تصل كذلك حتى لسكنى الجبال ليلا، وقد تتبعنا هذه الجزئية بالصدفة أمس الأول وذلك عندما دفعت بنا الحالة المناخية لجبال ظفار الرائعة إلى الذهاب بعيدا في استسلامنا لها، حيث تكون في هذا الفصل الحار والمشبع بالرطوبة في الجبال باردة وهواؤها عليل على عكس السهل والمدينة، وقد دفع سحرها بنا إلى قضاء بعض الوقت في أحد الجبال المطلة على مدينة صلالة من جهة منطقة ريسوت الصناعية، غير أننا لم نتمكن من الجلوس فيها سوى خمس دقائق فقط بسبب تلك الروائح، فكيف بساكني هذه الجبال؟ وقد لمسنا منهم فعلا استياء عاما .. لكنهم مغلوبون على أمرهم شأنهم شأن سكان عوقد والصناعيات، فليس من المعقول ان تحرم تلك الروائح المواطنين من العيش داخل سكناهم كما يريدون، ويعيشون كما يفرض عليهم؟ فهذا مخالف لأية قوانين تنظم السكن داخل المدن والتجمعات السكنية الأخرى، بما فيها تشريعاتنا وقوانينا العمانية؟ فالحق في بيئة نظيفة خالية من التلوث حق دستوري كفله للمجتمع النظام الأساسي للدولة، والمفارقة المحيرة هنا صمت الجمعيات الأهلية التي تهتم بالبيئة أسوة بالجهات الحكومية المركزية والمحلية؟ لماذا؟ ربما لغيابها المحلي مقابل عدم مقدرة الجمعيات المسقطية من امتداد نشاطها لمنطقة تبعد عنها أكثر من الف كيلو رغم علمها بالمشكلة البيئية، فلماذا لا تنشئ جمعية خاصة بالبيئة في ظفار مهمتها الدفاع عن البيئة من منظور الحق الدستوري؟
ذالكم نموذج مهم لاختلال العلاقة بين الاقتصاد والبيئة، بطبيعة الحال لا يعمم، لكنه يحمل الجهات الحكومية المعنية بالبيئة مسئولية التقصير، لكون هذه الظاهرة البيئية ليست وليدة اليوم وإنما قديمة، وقد تفجرت في ريسوت منذ أن عرف مشروع الصرف الصحي النور، فهو قد جاء ليحل مشكلة بيئية ويخلق مشكلة بيئية أخرى، وهذه مفارقة كبيرة جدا، فمياه الصرف تذهب لتلك المنطقة لمعالجتها في الهواء الطلق مما تنبعث منها تلك الروائح، وفي هذه المنطقة كذلك يرمى بالقرب منها مجموعة مخلفات من بينها طبية.. بينما يرجع الروائح في صحلنوت للمزرعة سالفة الذكر، وهذه المزرعة لم تعد بحكم المعطيات التي من حولها صالحة لنفس استخداماتها الحالية، والحل؟ تحويلها الى حديقة عالمية بل مجموعة حدائق تدعم السياحة الإقليمية وتشكل متنفسا للناس بعد أن فرطنا في مزرعة جرزيز بسهولة وحولناها إلى منطقة سكنية، ونخشى أن يكون مصير هذه المزرعة شبيهة بمصير جرزيز، فالعيون منذ فترة على منطقة الدهاريز البحرية، فهل سيتم تعويض الأهالي بأراض في تلك المزرعة ؟ لن نستبعد اي احتمال رغم أن ما نطرحه في هذه الجزئية هو من قبيل الافتراض المبني على معلومة صحيحة.

إلى الأعلى