الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعد مالي وإفريقيا الوسطى .. إلى نيجيريا معتدلا سر

بعد مالي وإفريقيا الوسطى .. إلى نيجيريا معتدلا سر

خميس التوبي

إن ما يجري في نيجيريا اليوم واهتمام الغرب الامبريالي الاستعماري بتلك الدولة الإفريقية على خلفية اختطاف حوالي مئتي طالبة نيجيرية من قبل ما يسمى جماعة “بوكو حرام” المتطرفة، لا يمكن عزله عن ما يجري في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر وأفغانستان وباكستان وغيرها، كما لا يمكن فصله عن التحركات الغربية في عموم القارة السمراء وخاصة في مالي وإفريقيا الوسطى.
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن ما يسمى “بوكو حرام” هي أحد إفرازات تنظيم القاعدة الإرهابي المنتشرة في جميع جهات الأرض الأربع، وما كان لهذا التنظيم الأُم ومشتقاته أن يظهر بهذه الصورة اللافتة لولا السياسة الاستعمارية للدول الغربية الامبريالية الساعية إلى الهيمنة على ثروات الدول ومقدرات شعوبها والتي يعد الإرهاب في صورته ومضمونه وشكله إحدى صناعاتها وخياراتها التي فرضتها لعبة التنافس والصراع مع القوى الأخرى، فشكلت العلاقة بين القوى الامبريالية والإرهاب ودعمها له، وتدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول سلاحًا ضاربًا استعاضت به عن الحروب العسكرية المباشرة للوصول إلى الهدف واحتواء الخصم أو استهدافه، وهي علاقة تكشف مدى تجذرها وتأصلها كخيار استراتيجي في ظل النتائج الكارثية التي لم تعد تتحملها الخزائن الغربية وتعثر اقتصاداتها نتيجة المغامرات والحماقات العسكرية غير المحسوبة.
ولذلك ما نراه من ممارسات إرهابية في الدول التي تستهدفها الأطماع الغربية هو مجرد مبرر لتسويغ التدخل والتحرك نحو الهدف المراد تحقيقه، وبالتالي فإن مقتضيات اللعبة الاستعمارية أن يتم إلباس الإرهاب قفاز الدبلوماسية على النحو الذي نراه الآن، والتلطي وراء الجوانب الإنسانية بعرض المساعدة للحكومة النيجيرية لتخليص الفتيات من أسرهن من أيدي الإرهابيين مخافة أن يصبن بمكروه كالقتل أو الاسترقاق.
إذًا، نحن أمام سيناريو غربي مكرر لسيناريوهي مالي وإفريقيا الوسطى يتخذ من حقوق الإنسان في الحرية والحياة الكريمة، والتحجج بمحاربة الإرهاب، تجارة رائجة لتنفيذ أجندة استعمارية بحتة ـ مع أن الأزمة هي إنسانية بحتة بكل المقاييس ـ حيث قواعد اللعبة تفرض التوظيف اللازم للإرهاب، والاختباء وراء الكلمات المحملة بالمشاعر الإنسانية الدافئة، وسكب دموع التماسيح.
وفي هذا الصدد كان لافتًا تحرك الغرب الاستعماري، حيث استضافت باريس اجتماعًا في السابع عشر من الشهر الحالي ضم قادة خمس دول إفريقية تبنوا خلاله خطة مشتركة من أجل القضاء على ما يسمى جماعة “بوكو حرام” وتشمل “تنسيق المعلومات الاستخباراتية وتبادل المعلومات وقيادة مركزية للإمكانات، ومراقبة الحدود وتأمين وجود عسكري حول بحيرة تشاد وقدرة على التدخل في حال الخطر”. أما واشنطن فأعلنت عن استخدامها طائرات استطلاعية للبحث عن الطالبات المختطفات، فضلًا عن إرسالها مجموعة صغيرة من العسكريين الأميركيين ضمن الفريق المتكون من ممثلين عن وزارتي الخارجية والعدل الأميركيتين الذي سيقوم بتقديم الدعم لنيجيريا من أجل تحرير الطالبات المختطفات. وكالعادة لم تتأخر لندن عن التبعية بحثًا عن دور لها حيث أرسلت فريقًا من الخبراء إلى أبوجا لمساعدة الحكومة النيجيرية ـ حسب الخارجية البريطانية. بيد أن ما يلفت الانتباه بصورة كبيرة ويثير السخرية في الوقت ذاته، هو أن يعلن كيان الاحتلال الصهيوني عزمه مساعدة الحكومة النيجيرية من أجل العثور على الطالبات ومحاربة الإرهاب.
إن هذا الاهتمام الصهيو ـ غربي غير المسبوق بهذه القضية الإنسانية في نيجيريا، هو اهتمام مشبوه في الوقت الذي تكتظ فيه دول العالم بالقضايا الإنسانية لا سيما دول المنطقة نتيجة التدخلات الصهيو ـ غربية، وفي مقدمتها فلسطين حيث يمارس المحتلون الصهاينة ضد شعبها أبشع صنوف الإرهاب وجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، بل إن الشعب الفلسطيني كله مختطف ورهينة بيد كيان الاحتلال الصهيوني، وفي سوريا حيث يحاصر شعبها ويجوع ويرسل إليه الإرهاب العابر للقارات والموت المجاني، وهناك مئات المخطوفين والمحاصرين من قبل العصابات الإرهابية، بل إن هؤلاء المتاجِرين بقضايا الشعوب وبحقوقها لم يحركوا ساكنًا تجاه راهبات معلولا السورية اللاتي اختطفتهن عصابات الإرهاب التي يدعمونها.
ليس صعبًا فهم ما تسعى إليه القوى الغربية من خلال التوظيف لقضية إنسانية بحتة تحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس وضمير حي يقدر معنى الإنسانية ويعلي من شأن حقوقها، وكذلك توظيف كذبة محاربة الإرهاب. وبقدر ما تتحدث عنه هذه القوى من مبادئ وقيم وأخلاقيات بعد أن وضعت كافة الأسلحة على أكتاف تنظيم القاعدة الإرهابي ومشتقاته من ما يسمى تنظيم “جبهة النصرة” و”الجبهة الإسلامية” و”الجيش الحر” و”بوكو حرام” وغيرها، بقدر ما يرسخ القناعة المطلقة والثابتة وهي سعي القوى الغربية الاستعمارية إلى استعادة حقبتها الاستعمارية للقارة الإفريقية. ولكي تثبت أقدامها من جديد تعمل في اتجاهين واضحين: الأول تحجيم نفوذ التنين الصيني ومحاولة إبعاده من مناطق الثروات في القارة السمراء. والثاني التطهير العرقي وتشويه صورة المسلمين والتحريض ضدهم مقدمة لتصفيتهم، سواء كانوا يشكلون أكثرية أو أقلية في الدول الإفريقية على النحو المشاهد في إفريقيا الوسطى ومالي والتدخل العسكري الغربي وخاصة الفرنسي بحجة محاربة الجماعات الإرهابية التي صنعوها. فنيجيريا لا تقل عن بقية دول القارة الإفريقية من حيث ثروات الطاقة والثروات المعدنية؛ أي نحن أمام عودة حقبة الاستعمار القديم القائم على الرق والعبودية ونهب الثروات، ولكن بثوب جديد تقوم القوات العسكرية لقوى الاستعمار بتأمين الحماية للأنظمة القائمة والرقيق الذين يعملون على استخراج الثروات.

إلى الأعلى