الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / فلسطين بين خطيئة نتنياهو ومأزق ترامب!

فلسطين بين خطيئة نتنياهو ومأزق ترامب!

د.أحمد القديدي

د.أحمد القديدي
كاتب تونسي

أسرع نتنياهو مهرولا إلى واشنطن ليقطف بسرعة ما اعتقده ثمرة الانقلاب الأميركي تجاه قضايا الشرق الأوسط بوصول ترامب إلى البيت الأبيض. لكن أغلب المراقبين للشأن الدولي أكدوا هذا الأسبوع أن نتنياهو أخطأ في حساباته، ورأينا بالفعل تراجعا تكتيكيا لإدارة ترامب تمثل في تأجيل البت في نقل السفارة إلى القدس ثم في دعوة نتنياهو إلى المرونة إلى جانب إعلان موقف ضبابي غامض حول ما يعرف بحل الدولتين، وأخيرا إقرار ترامب نفسه بأن الاستيطان عقبة في طريق السلام! ثم إن أي متابع ذكي لتطور الرأي العام الأميركي وأدبيات الإعلام والدبلوماسية في واشنطن يدرك مدى الحرج الأميركي الرسمي والشعبي من استمرار تحدي إسرائيل للقانون الدولي وتوريط الولايات المتحدة أمام الشريك الروسي (وحتى الصيني) بتجاوزات متكررة لقرارات منظمة الأمم المتحدة: آخرها شرعنة نهب الأراضي المحتلة وقبلها مواصلة تشييد جدار العار المرفوض دوليا ثم التمسك الغريب بمبدإ “الدولة اليهودية” بمعنى سابقة يتيمة في العلاقات الدولية بإعلان دولة تقوم على أساس ديني لاهوتي، وهو ما يتناقض مع كل توجهات العالم الحديث! الخطيئة الإسرائيلية تتمثل أيضا كما قالت افتتاحية (نيويورك تايمز) وافتتاحية (لوموند) يوم الجمعة الماضي في توقيت زيارة نتنياهو المنافي للأعراف الدبلوماسية قبل تشكيل أقطاب الإدارة الأميركية الجديدة، وإعلان رسمي لمواقف ترامب من كل السياسات الخارجية للولايات المتحدة. وهو استباق قد يسلط الأضواء على نتنياهو بسرعة البرق ويوظفه انتخابيا، لكنه لن يحقق اصطفافا أميركيا غير مشروط على سياسة الليكود الراهنة. فالسلطة في واشنطن ليست فقط ترامب وشخصيته المثيرة للجدل، بل إن القرار الأميركي مقسم بالتوازي بين الكونجرس واللوبيات الداخلية واستحقاقات السياسة الخارجية وخاصة بالتنسيق مع موسكو وبكين، بالإضافة إلى ضغوط الرأي العام من خلال الإعلام القوي وأحكام القضاء المستقل التي عطلت أوامر ترامب بإيقاف دخول المقيمين مع تحركات فاعلة لمنظمات المجتمع المدني الأميركي.
من باب الإنصاف أن نذكر بأن شعبنا الفلسطيني العربي هو بالدرجة الأولى ضحية مظلمة تاريخية غربية لم تعد تحتاج إلى دليل. فلأول مرة في التاريخ البشري يحل شعب دخيل محل شعب أصيل. أربعة ملايين يهودي تنادوا من أصقاع الدنيا ليحتلوا أرض أربعة ملايين فلسطيني. جاؤوا من بروكلين وبودابست والعراق واليمن والمغرب وأثينا وبلدان أخرى وحتى من أثيوبيا على مدى ستين سنة ليسكنوا ديار مئات الآلاف من أبناء فلسطين المسلمين والمسيحيين تم تهجيرهم القسري إلى المخيمات في فلسطين، وفي دول الجوار العربي على أنغام أغنية فيروز (سنرجع يوما إلى حينا ونسبح في دافئات المنى). وحين قررت منظمة الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بقرار 29 نوفمبر 1947 إلى دولتين عربية ويهودية تم ذلك نزولا عند هيمنة الدول الأوروبية التي كانت تتسابق للتكفير عن المحرقة التي ارتكبتها هي بتعويض ضحاياها اليهود بأرض شعب لم يضطهد يهوديا واحدا، بل بالعكس كان العرب ينقذون اليهود ويذودون عنهم ويوفرون لهم الأمن والحماية في عهود تاريخية ماضية أو حديثة.
واليوم مع الذكرى المئوية لوعد بلفور يتواصل القمع الإسرائيلي بأشرس مما كان مع تصاعد وتيرة المقاومة المشروعة التي نصت عليها وساندتها كل المواثيق الأممية والقوانين الدولية، ولكن أيضا مع تحولات متناغمة ومتخبطة في السياسات العربية إزاء مأساة فلسطين. فقد انقسم الشعب الفلسطيني ذاته على نفسه واضعا بذلك كل الجيران العرب في وضع صعب. ففصيل رام الله وريث شرعية ياسر عرفات وجامع عديد الفصائل المقاومة والماسك ببعض السلطة والمفاوض تحت ضغوط الغرب وعنجهية الآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة للحفاظ على مبدإ الدولة الفلسطينية حيا؟ والفصيل الذي تم انتخابه للمجلس التشريعي بحرية وشفافية ورفع راية المقاومة بعد سد إسرائيل لكل السبل السلمية؟ العرب لم يتركوا سبيلا إلا انتهجوه لرأب صدع داخلي خطير يهدد باستفحال الأزمة وانتصار أعداء فلسطين من دون حرب.
وهل بعد هذا نشك في أن النخبة الفلسطينية هي أيضا ضحية نفسها ثم ضحية أشقاء عرب ذنبهم أنهم لم يعودوا كسابق الزمن ينسقون مواقفهم ويتشاورون فيما بينهم للتعاطي مع الشأن الفلسطيني، بالإضافة إلى أربع فواجع عربية ذات جراح مفتوحة نازفة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا جعلت قضية فلسطين تتقهقر إلى درجات ثانوية ولم تعد ذات الأولوية المطلقة. وهذه الحقيقة لم تغب عن ذهن نتنياهو وهو يزور البيت الأبيض الأسبوع الماضي.
ويهون أمر الخلافات الداخلية لو لم ينعكس على القضية الأم بضياع فرصة استراتيجية ذهبية تمثلت في دفع الاتحاد الأوروبي نحو الاعتراف بدولة فلسطين، ومقاطعة الإنتاج الإسرائيلي المصنع في الأراضي المحتلة؛ لأن هذا الظرف الإقليمي والعالمي تميز بالتفاف فصائل عديدة من الرأي العام الدولي على إسرائيل بما في ذلك جزء من النخبة اليهودية المنصفة، وأبرز رموزها المفكر الإسرائيلي شلومو صاند، وجزء من المنظمات الأممية النزيهة أبرزها تقرير جولدستون، فجاءت الأزمات الفلسطينية الداخلية تنقذ إسرائيل من العزلة والعقاب، وتنتشلها من النفق السياسي والدبلوماسي والإعلامي الذي تورطت فيه؛ لأن الخلافات الفلسطينية والفواجع العربية حولت الأنظار عن المظلمة الكبرى وأهداف التحرير.

إلى الأعلى