الإثنين 21 أكتوبر 2019 م - ٢٢ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: رجل عاقل!

رحاب: رجل عاقل!

أعرفه منذ أن كنا زملاء في مراحل التعليم العام مروراً بالمرحلة الإعدادية ثم المرحلة الثانوية عندما صرنا زميلين في فصول تعليم الكبار قبل ثلاثين عاماً. كان عاقلاً جداً وكنت ساذجاً، كان حذراً جداً وكنت متحرراً من ذلك إلى حد كبير، كنت مقبلاً على الناس بدون أحكام عقلية أو تصنيفات مسبقة اعتاد أن يتكلم باتزان وكياسة، كان يزن ألفاظه ويقلب معاني أقواله في عقله قبل أن يتفوه بها ، بينما أتكلم أنا على سجيتي ، وكان يحسب ذلك عليَّ ، ويعتبره ضرباً من السذاجة وكان ينصحني أن أكون عاقلاً وكنت أقبل نصحه لكنني لا أطبقه، كنت مقتنعاً جداً في تلك الفترة من حياتي بأنه عاقل، فالمجتمع يبجل هذا النمط من الشخصية، وثقافتنا ترفع مقام الذين يعقلون جيداً أفكارهم، أي يقيدونها، فعقل الشيء تعني حرفياً قيده، وربطه، والعقل هو في عرف الناس من يمسك عليه لسانه، وكان زميلي عاقلاً جداً وفقاً لهذا المفهوم. ليس في حياته محطات كثيرة من التغيير، فهو كيس، ونبيه، لكنه في المقابل لم يستطع أن يحدث تغييراً كبيراً في إنجازاته الشخصية، فهو يخاف أن يخطئ ويستحضر النتائج التي ستترتب على ما سيقول وما سيعمل قبل الإقدام عليه، وكنت أستوعب ذلك جدياً، لكنني أدرك أن المبالغة فيه، سيجعل حياته مكبلة ولن يحدث تغييراً كبيراً في حياته. منذ أيام التقيته مصادفة في أحد تجمعات الأعراس، سلمت عليه بنفس التبجيل والاحترام، لاحظت أنه لا يزال يربط عمامته بنفس الطريقة التي اعتاد عليها منذ ثلاثين عاماً، ويدخن السيجارة التي كان يدخنها، ويسلك مع الناس بنفس الطريقة.
لا يزال يحظى باحترام وتقدير في وسط كبار السن، وهو حريص جداً على ذلك، لكن الزمن نحت على جبينه تقطيباً، وزرع في عينيه توجسا، كان يجلس على يساري في رزانة يمسك عصا من شجر الميطان مضبب بالفضة من أطرافه، بينما كان يجلس على يميني رجل يكبره بسنين، عكسه تماما، خاض مغامرات عديدة وسافر كثيراً وتلقي العلم في دول شرقية وأخرى عربية، وعاد إلى السلطنة في التسعينيات من القرن الماضي، يبدو بشوشا جدا، مرحا، تلقائيا وعفويا، علمته أنه ينفق على أسرته وعلى أصدقائه بسخاء، يحسن الظن بالناس، وبالرغم من تجاوزه سن الخمسين، فقد التحق ببرنامج لدراسة الماجستير، وهو الآن يستمتع بكتابة بحثه لنيل درجة الماجستير في تخصص الإرشاد النفسي بعد أن اجتاز المقررات الدراسية بنجاح، وعندما تحدثنا قليلاً كان يبثني طموحه لاستكمال دراساته للحصول على درجة الدكتوراه، ولا يستنكف عن استعراض بعض إخفاقاته وأخطائه كدروس وعبر لم يدفنها في عقله الباطن، بل سمح لها أن تخرج فتحرر بذلك من تأثيرها السلبي عليه. لم يمكث بجواري طويلا فقد أقبل عليه أحد زملائه في برنامج الماجستير يصغره في السن فأمسك به وسحبه إلى مجموعة من أصدقائه الشباب ودخلوا في حالة من المرح والنكات والضحك، واستمررت ألاحظهم وهم يمرحون ويضحكون ثم انضم إليهما آخرون يتعاطون جمال الحياة وروعتها، بينما لا يزال الرجل الرزين في مكانه، يحسب كلماته ونظراته ويحرس وقاره بحذر .. أغمضت عيني قليلاً ورحلت في المستقبل أبحث عن الرجلين، هذا الخمسيني الذي يعيش مع زملاء يصغرونه بأكثر من عشرين عاماً، وهذا الرجل الرزين الذي يسكن الماضي في عقله ويسخر كل طاقته وقواه النفسية والروحية لحراسته. تذكرت أن الحياة هي عبارة عن وعي وإدراك ومعتقدات تشكل مساراتنا وتكتب كثيراً من أقدرانا في مجالاتها المختلفة.

د. احمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى