السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل الرأسمالية تحتضر؟

هل الرأسمالية تحتضر؟

يرى ستريك أن هناك ثلاثة أعراض رئيسية لأزمة الرأسمالية هي تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع الدين، وزيادة عدم المساواة في الدول الرأسمالية الكبرى، وهي موجودة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم جاءت الأزمة المالية في ٢٠٠٨ لتسرعها.

مر النظام الرأسمالي العالمي بعقد صعب، وربما قد نتفق جميعا على هذا، وهناك الكثير من التفسيرات لسبب تدهور الأوضاع بهذا الشكل منها التشريعات غير الملائمة والتشريعات المفرطة والتسهيل النقدي والحافز المالي غير الملائم وعدم المساواة والركود وغيرها.
أما فولفجانج ستريك، عالم الاجتماع الألماني ومدير معهد ماكس بلانك لدراسة المجتمعات في كولون فله رأي آخر للنظر فيه، وهو أن الرأسمالية ربما تحتضر. فولفجانج يرى أن الثروة الرأسمالية تخرج عن السيطرة، وقد عبر عن ذلك في كتب له جذبت الأنظار خارج ألمانيا، من بينها “شراء الوقت: الأزمة المؤخرة للرأسمالية الديمقراطية”، و”كيف ستنتهي الرأسمالية”.
لا أزعم أنني قرأت كل كلمة في الكتابين، ولكن أستطيع القول بشيء من الثقة إنه لا شيء صادم في هذه الكتب. وكما قال لي ستريك نفسه حول كتابه “كيف ستنتهي الرأسمالية؟” هناك فكرة بسيطة جدا وهي أن كل شيء له بداية لا بد له من نهاية. واستطرد قائلا: أنا أؤمن بالاتجاهات، وبالميول طويلة المدى وليس بالمقارنات اللحظية المتقاطعة، أنا أؤمن بالتاريخ وليس بميكانيكي السيارات. والخبراء الاقتصاديون هم مثل ميكانيكي السيارات. ولعل الفقرة المفضلة لدي في كتاب “شراء الوقت” في الواقع هي وصف ستريك لوزير الخزانة الأميركي الأسبق لورانس سمرز بأنه أكثر ميكانيكي سيارات تأثيرا في آلة التراكم الرأسمالية المتعثرة”، وهو وصف يتعين على سمرز أن يدرسه حقيقة بإضافته إلى سيرته الذاتية على حساب تويتر، ويضعه في بطاقة التعريف الخاصة به.
الشيء اللطيف حول الميكانيكي أنه يصلح الأشياء، ولكن الميكانيكي الاقتصادي تحصل على الكثير من الأشياء الخاطئة مؤخرا، وذلك لأن العالم بحسب ستريك تغير وتغيرت معه الهياكل العرضية.
يعمل ستريك بدلا من ذلك على تراث ارتبط كثيرا بكارل ماركس ولكن يمكن تتبعه أيضا لدى جورج فيلهلم فريدريك هيجل بل وابن خلدون ذلك المؤرخ الإفريقي الذي كتب عن أن الممالك العظيمة حملت بذور انهيارها في داخلها. هذا التراث لا يقدم أي كتيبات إصلاح أو حتى تنبؤات واضحة ولكنه قد يساعد في فهم ما يجري.
يرى ستريك أن هناك ثلاثة أعراض رئيسية لأزمة الرأسمالية هي تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع الدين، وزيادة عدم المساواة في الدول الرأسمالية الكبرى، وهي موجودة منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم جاءت الأزمة المالية في ٢٠٠٨ لتسرعها.
أما المراقبون المحافظون فقد ركزوا أيضا على أول عرضين، وأن المشكلة في الناخب الذي يطالب بالصدقات والسياسي غير الراغب في تلبية طلبه. ولا يقتنع ستريك بذلك، فكتب مؤلفه “كيف ستنتهي الرأسمالية؟”
يرى ستريك أنه لا بد من خفض الضرائب على كبار الممولين والشركات وكذلك زيادة الحمائية المؤسساتية لاقتصاد السوق ضد التدخل السياسي باعتباره المجرم الرئيسي. ولقد حصل السوق على المزيد والمزيد من الحرية لاتباع منطقه الداخلي الخاص، وهذا المنطق أدى إلى أزمة حتمية، وهذا يحدث فقط عندما تستطيع القوى السياسية الديمقراطية المحافظة على السوق تحت السيطرة بحيث يوصل بالفعل السلع بنفس قدر النمو والازدهار، ولكن في اقتصاد عالمي بدون حالة العولمة لا تملك هذه القوى الديمقراطية الكثير من القوة.
على الأقل تلك هي قراءتي لحجة ستريك، فهو لا يرى حالة العولمة ـ أو الثورة البلشفية العالمية ـ في المستقبل القريب، ولذلك يتوقع فترة طويلة فوضوية مليئة بحالات شبيهة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وظهور دونالد ترامب. ولكن ثمة سؤال كبير هو ما إذا كان هذا يهدد بنهاية الرأسمالية، وستريك نفسه كتب يقول إن النظام الرأسمالي الحديث مر بثورات متكررة وتحولات على مدى قرون، وإن نظريات الرأسمالية كانت دائما نظريات أزمة، حيث أشار إلى أن هذا لا ينطبق فقط على ماركس وانجلز ولكن أيضا بالنسبة لكتاب مثل ريكاردو وميل وسمبارت وكينيز وهيلفردنج وبولاني وشومبيتر، وكلهم كانوا يتوقعون طريقة واحدة أو أخرى لرؤية نهاية الرأسمالية في حياتهم.
كل هؤلاء أصيبوا بالإحباط في هذا التوقع، وهذا لا يعني ضمان أن يصدق توقع ستريك كذلك، ولكنه يبدو علامة على أن مشاكل اليوم يمكن أن تكون شيئا غير إرهاصات تغير الحقبة. وهناك شيء آخر ذكره له ستريك وهو أننا قد نتفق جميعا على أننا سنمر بفترة طويلة لا نعرف فيها ما سيحدث.

جوستن فوكس
كاتب عمود بخدمة بلومبيرج فيو خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى