الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : طواف في تاريخ يهود العراق (3 ـ 15)

أصداف : طواف في تاريخ يهود العراق (3 ـ 15)

وليد الزبيدي

إذ نورد ما ذكره هذان المؤرخان، لابد من القول أنهما قد وضعا الآثرين التاريخيين المهمين المشار اليهما، قبل أن يكون هناك أي نوع من الصراع، أو احتمال وضع ما يشير إلى الانحياز في الكتابة التاريخية، فقد توفي كل من ابن كثير (774هـ) وابن الاثير (630هـ) قبل أن يبدأ الصراع العربي الصهيوني باكثر من سبعة قرون، وقبل أن تبدأ الدعوات الصهيونية، وهذا يدلل، على أن الادعاءات اليهودية ببدء الوجود اليهودي قبل هجرة إبراهيم الخليل في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ليست صحيحة، والقصد منها اعطاء بعد تاريخي للوجود اليهودي في المنطقة، والذي يعني أن الأربعة آلاف الذين هاجروا – على حد زعمهم- إلى (حران) لابد أن يكونوا النواة الاولى التي تواجدت في فلسطين، وبذلك العدد الكبير من البشر، ولأن اغلب دراساتنا وبحوثنا تعتمد على المصادر الغربية، كما يؤكد ذلك د.سهيل زكار والهيمنة الواسعة للمراجع التي خلفها اليهود، وبالأخص ما كتبوه في بابل خلال القرون التي أعقبت انهيار الدولة البابلية، واعتماد الغالبية العظمى من المؤرخين العرب والمسلمين على تلك المراجع، وقراءة التاريخ من خلال ما جاء بها، ولم يكن ثمة حافز بالنسبة للمؤرخين والدارسين المحايدين يجعلهم يدققون ويمحصون الطروحات والروايات التي جاءت في المصادر اليهودية، لأنه لم تكن في ذلك الوقت مطامح صهيونية كتلك التي نجدها الآن، والتي نستطيع القول أن ملامحها وخطواتها العملية قد بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحولت إلى واقع ملموس في النصف الأول من القرن العشرين، ونحن إذ نناقش هذا الامر فأننا نرى التاريخ بمثل ما وصفه (فرانسيس فوكاياما) في كتابه (نهاية التاريخ) من أنه ليس هناك شيء يماثل التاريخ، فهو ترتيب منطقي وتواتر يتسع للأحداث الإنسانية. ولا شك أن المؤرخين اليهود يحاولون أن يزجوا العناصر التي يرونها ضرورية لدعم ذلك التواتر المنطقي، الذي يفترض أن يتسع للأحداث، ومحاولة توظيف الجغرافية لخدمة الطروحات التي يؤسسون من خلالها لافكارهم ومشاريعهم، ولا شك أن الجغرافية كما يقول عنها د.ادورد سعيد، أنها لا تحفز الذاكرة حسب، بل الاحلام والفنطازيات. وعلى هذا الصعيد يشير إلى أن الدارسين والمؤرخين الصهاينة يقومون بابتداع صورة جغرافية لإسرائيل القديمة، تشكلها الحاجات والضغوط الأيدلوجية للحركة الصهيونية الحديثة.
واعتمد الفكر اليهودي على بعثرة التسلسل التاريخي والتشويش على الوقائع والتركيز على الجغرافية، باعتبارها الوعاء الأكثر أهمية لتقبل الطروحات المشوشة تاريخياً، ويؤكد ذلك المؤرخ الاسكتلندي للشرق الأدنى القديم، كيث دبليو ويتلام في كتابه بالغ الأهمية (اختلاق إسرائيل القديمة) يقول: هناك هجوم متعمد ومتواصل على التاريخ ومن ثم على ذاكرة فلسطين العامة المهيمنة، وحجم الاهتمام الذي يبذل طوال سنوات لمسألة إعادة بناء التاريخ اليهودي ليتلاءم وأغراض الصهيونية بوصفها حركة سياسية. ومن هنا فأن الذاكرة الجمعية ليست شيئاً جامداً وسلبياً، بل هي حقل نشاط يتم فيه انتقاء الاحداث الماضية واعادة بنائها، والمحافظة عليها وتشكيلها وافراغها في قالب سياسي.

إلى الأعلى