الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / امتهان الإنسان

امتهان الإنسان

أ.د. محمد الدعمي

” .. انتقيت لفظ “امتهان” لمناقشة هذا الفرع من العلوم الاجتماعية لأنه ينطوي على معنيين صحيحين في آن واحد: فان يتخصص المرء “بعلم الإنسان”، فان ذلك يعني إحالة الإنسان وحياته ومجتمعه إلى “مهنة”، لذا فانه “يمتهن” علم الإنسان؛ أما دلالة اللفظ من الناحية المعاكسة، فهي تنطوي على “الامتهان” بمعنى الإساءة للإنسان واستغلاله وكأنه فأر تجارب، للأسف.”
ـــــــــــــــــ
لو كنت أعيش بين أعمامي من أفراد عشيرتي على الفرات الأوسط جنوب العراق، وحدث أن قابلني شخص غربي ليعرفني بنفسه كـ”أنثروبولوجيست” (متخصص في علم الأنثروبولوجيا، اي علم الإنسان)، لما استقبلته بالحفاوة وكرم الضيافة الحاتمية التي عرفت بها عشائر ذلك الإقليم العربي الأصيل منذ القدم، وبدلاً عن ذلك لكنت رجوته أن يجد لنفسه أقواماً أخرى ليطبق عليها معارفه وخلاصاته.
ومرد ذلك هو أن “علم الإنسان” هو علم وصفي ابتكره العالم الغربي لرصد ودراسة الأقوام الأدنى حضارة أو الأقرب للبدائية منها للمدنية المعقدة. لذا فان المتخصص الغربي في هذا الفرع من العلوم الوصفية يفترض لنفسه موضعاً علوياً يؤهله لمسح الأقوام الأخرى بنظرة دونية، فيضع هذا المتخصص عباءة الباحث الأكاديمي، ولكنه يعجز عن تحرير نفسه من التحاملات والانحيازات الراسخة في دواخله.
وقد انتقيت لفظ “امتهان” لمناقشة هذا الفرع من العلوم الاجتماعية لأنه ينطوي على معنيين صحيحين في آن واحد: فان يتخصص المرء “بعلم الإنسان”، فان ذلك يعني إحالة الإنسان وحياته ومجتمعه إلى “مهنة”، لذا فانه “يمتهن” علم الإنسان؛ أما دلالة اللفظ من الناحية المعاكسة، فهي تنطوي على “الامتهان” بمعنى الإساءة للإنسان واستغلاله وكأنه فأر تجارب، للأسف. وهذا ما يحدث على أرض الواقع على نحو متواصل، ذلك أن المتخصص بعلم الإنسان لايمكن أن يباشر سكان نيويورك موضوعاً لتطبيقاته، وإذا فعل فانه سيبدو متخصصاً خارج بيئته الطبيعية لأن بيئته تكون في غابات بتاغونيا والأمازون حيث تتوافر الأقوام التي لم تكتشف أغطية الجسم (الملابس) حتى اليوم.
هو يأتيك إلى الصحراء، بل إلى خيمتك البدوية بدافع التقرير، اي أنه يباشرك محملاً بنظرة ازدراء مسبقة، لأنه يرنو لأن يضعك في سلم (طبقات الأمم) كنوع بدائي من البشر! قد تغرّك جديته في الكلام وكاميراته وأدوات القياس المجهز بها؛ ولكن تأكد من أنه يريد أن يضع صورتك في متحف الأنثروبولوجيا، وليس في مجلة مشاهير أو شخصيات مهمة. أنت بالنسبة له “عينة” تشبه العينات التي يجمعها علماء الحشرات، للأسف.
وإذا كان ما ذكرته يستفز بعض المتخصصين في “علم الاجتماع”، فان عليهم متابعة قصة ذلك الشاب الذي ولدته أمه الأمازونية ثم تخلت عنه لتعود إلى قبيلتها البدائية في غياهب أكثف غابات العالم في أميركا الجنوبية، مفضلة تلك الحياة البدائية على الحياة في الولايات المتحدة الأميركية. وقصته، أي قصتها، هي أن مختص بعلم الإنسان كان قد ذهب إلى تلك المجاهل الأمازونية بهدف دراسة هذه القبائل البدائية، فوقع في حبها وقرر أن يأخذها معه الى أميركا،ربما كعينة، ثم تزوجها فولدت له ذلك الشاب الذي ذهب للبحث عن أمه في تلك المجاهل، فوجدها قد عادت إلى البدائية، وهي سعيدة بذلك!
تبدو الرسالة النهائية لهذا التقرير الذي قدم بمناسبة “عيد الأم” وكأنها ليست عن الأم بقدر ما إنها عن بقاء ذهنية “طبقات الأمم”، إذا ما استعرنا عنوان كتاب جرجي زيدان المترجم. وهكذا يبقى الرجل الأبيض الطويل يتربع على قمة هرم التمييز العنصري واضعاً السمر والسود والصفر والحمر، على درجات أدنى عبر الهرم تحته!

إلى الأعلى