الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخوف من الله (3)

الخوف من الله (3)

كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته السلف الصالح مع صلاحهم وتقواهم لله وبعدهم عن محارمه إلا أنهم كانوا على خوف ووجل شديد منه سبحانه

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
4 ـ تذكر الموت ومشاهد الآخرة: قال الحسن: ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيه شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشاً، واحترقت أجوافهم جوعاً، انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد لفحها، وسُئل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن الخائفين، فقال:(قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا وعلى جهنم طريقنا وبين يدي الله موقفنا؟!)، وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلةً فبكى أهل الدار لبكائه، ولا يعلمون ما به، فقالت له زوجه:(ما يبكيك يا أمير المؤمنين) قال:(ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير).
5 ـ النظر في سير السالفين: فمع صلاحهم وتقواهم لله عز وجل وبعدهم كل البعد عن محارم الله إلا أنهم كانوا على خوف ووجل شديد من الله تعالى وعلى رأس هؤلاء:
أ ـ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول:(والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصَعُدات تجأرون إلى الله تعالى)، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(كان رسول الله إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مَطَرَت سُرَّ به، وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته فقال: يا عائشة، ما يُؤْمِنّي أن يكون فيه عذابٌ، عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا)، ولما كسفت الشمس في عهده خرج إلى المسجد مسرعًا فزعًا، يجرُّ رداءه من شدة الفزع، فلما فرغ من تلك الصلاة خطب خطبة عظيمة بليغة، كان منها أن قال:(يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا).
ب ـ وهذا أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يمسك بلسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد، وكان يبكي كثيراً خوفاً من الله، وكان إذا صلى لم يفهم الناس ما يقرأ من شدة أسفه وبكائه.
ج ـ وهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وكان في وجهه ـ رضي الله عنه ـ خطان أسودان من البكاء، وكان يسأل حذيفة بن اليمان، أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله، يعني من المنافقين. فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً، وهاهو ينقش على خاتمه: (كفى بالموت واعظاً يا عمر)، ويقول:(يا ليتني كنت هذه التبنة)، (يا ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً)، (يا ليت أمي لم تلدني)، ويقول:(لو مات جمل ضياعاً على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة)، ويقول:(لو نادى منادٍ من السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا واحداً لخفت أن أكون أنا هو)، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدي على الأرض لعل الله يرحمني. ثم قال:(ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي) .. وها هو ينام على فراش الموت فيدخل عليه ابن عباس، فيقول ابن عباس:(أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! لقد صحبت رسول الله فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راض، ثم صحبت خليفة رسول الله فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راض، ثم صحبت أصحاب رسول الله فأحسنت صحبتهم، ولئن مت اليوم فوالله إنهم عنك لراضون، فقال عمر: ذلك منٌّ منَّ الله به عليّ).
د ـ وهذا عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، ويقول:(وددت لو أنني لو مت لم أبعث) وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً ويتخرق مصحفه من كثر ما قرأ به ، ومات ودمه على المصحف شهيداً.
هـ ـ وهذا سفيان الثوري:يبول دما من خوفه من الله لما حمل ماء بوله إلى طبيب في علته التي مات فيها نظر الطبيب في هذا الماء وقال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه.
وها هو ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله! إنك مقبل على من كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين، فقال له سفيان: أسألك بالله يا حماد ! أتظن أن مثلي ينجو من النار؟!.
و ـ وهذا الشافعي: لما نام على فراش الموت دخل عليه المزني فقال له المزني : كيف أصبحت يا إمام؟! فقال الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، ولعملي ملاقياً، وعلى الله وارداً، فلا أدري أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟.
ز ـ وكان مالك بن دينار يقوم الليل يبكي للعزيز الغفار، وهو قابض على لحيته ويقول: يا رب! يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار؟! ما أحوج مجتمعات المسلمين إلى وجود الخوف من الله في القلب، لأن المرء حينما ينعدم وازع الخوف أو يضعف في نفسه يجعله شبيهاً بالحيوان؛ يلهو ويرتع ليتمتع، ويجمع لينتفع، ويسطو على حقوق الغير، وينتهك الحرمات، ويفعل الكبائر والموبقات، وبذلك تفشو في المجتمع الرذيلة، وتنعدم الفضيلة، فيأمن القوم مكرَ الله وبأسه، فيأخذهم وهم غافلون، قال الله تعالى:(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُون، أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِين، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (النحلَ 45 ـ 47).

إلى الأعلى