الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة يوسف (24)

سورة يوسف (24)

(حَاشَ لله) تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من المراودة سميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية

اعداد ـ أم يوسف:
قال الله تعالى:(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ).
قوله تعالى:(مَا هَذَا بَشَراً) قال الخليل وسيبويه:(ما) بمنزلة ليس، تقول: ليس زيد قائماً، و(ما هذا بشراً) و(مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) (المجادلة ـ 2)، وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت وشرح هذا فيما قال أحمد بن يحيى إنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض، فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها، قال: وهذا قول الفراء، قال: ولم تعمل (ما) شيئاً فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمر لأن المعنى كالقمر! فرد أحمد بن يحيى بأن قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف لأن الكاف تكون اسماً، قال النحاس: لا يصح إلا قول البصريين وهذا القول يتناقض لأن الفراء أجاز نصاً ما بمنطلق زيد، وأنشد:
أما والله أن لو كنت حراً
وما بالحر أنت ولا العتيق
ومنع نصاً النصب ولا نعلم بين النحويين اختلافاً أنه جائز: ما فيك براغب زيد، وما إليك بقاصد عمرو، ثم يحذفون الباء ويرفعون، وحكى البصريون والكوفيون:(ما زيد منطلق) بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم، وأنشدوا:
أتيما تجعلون إلي ندّاً
وما تيم لذي حسب نديد
الند والنديد والنديدة المثل والنظير، وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد، وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط، كتاب الله عز وجل ولغة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقوى وأولى.
التبرئة عن المعاصي
قلت: وفي مصحف حفصة ـ رضي الله عنها ـ (مَا هَذَا بَشَراً) ذكره الغزنوي، قال القشيري أبو نصر: وذكرت النسوة أن صورة يوسف أحسن، من صورة البشر، بل هو في صورة ملك، وقال الله تعالى:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين ـ 4)، والجمع بين الآيتين أن قولهن:(حَاشَ لِلَّهِ) تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز، من المراودة أي: بعد يوسف عن هذا، وقولهن:(لله) أي: لخوفه، أي: براءة لله من هذا أي: قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة، فعلى هذا لا تناقض، وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله، وقوله:(لِلَّهِ) تأكيد لهذا المعنى، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظناً منهن أن صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله تعالى:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين ـ 4) فإنه من كتابنا.
وأيضاً أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسن كأنه ملك أي: لم ير مثله، لأن الناس لا يرون الملائكة فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم.. (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ) أي: ما هذا إلا ملك، وقال الشاعر:
فلست لإنسي ولكن لملاك
تنزل من جو السماء يصوب
وروي عن الحسن:(ما هذا بشرى) بكسر الباء والشين أي: ما هذا عبداً مشترى، أي: ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال:(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) (المائدة ـ 96) أي: مصيده، وشبهه كثير، ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوم فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل: هذا بألف، فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدراً بشراء، وقراءة العامة أشبه لأن بعده (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه، ولأن مثل (بُشرى) يكتب في المصحف بالياء.
أظهرت عذر نفسها
قوله تعالى:(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها:(لمتنني فيه) أي: بحبه، و(ذلك) بمعنى (هذا) وهو اختيار الطبري، وقيل: الهاء للحب، و(ذلك) على بابه، والمعنى: ذلكن الحب الذي لمتنني فيه، أي حب هذا هو ذلك الحب، واللوم الوصف بالقبيح، ثم أقرت وقالت:(وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) أي: امتنع، وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية، وقيل:(استعصم) أي: استعصى، والمعنى واحد (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ) عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لوماً ولا مقالاً خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها، (وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) أي: الأذلاء. وخط المصحف (وليكونا) بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد، ونون التأكيد تثقل وتخفف والوقف على قوله: (ليسجنن) بالنون لأنها مثقلة، وعلى (ليكونا) بالألف لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلاً وزيداً وعمراً، ومثله قوله: (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) .. ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى:
(ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا) أي: أراد فاعبدا، فلما وقف عليه كان الوقف بالألف .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى