الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (148)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (148)

حاجـة الإنسان إلى الـدين ضـرورية، والــدين ضـروري لـتـغــذية الـروح والإنسان بالـروح لا بالجـســم
الـموقـف الإيماني الـذي وقـفه إبـراهـيم وابنه إسـماعـيـل مـن المـواقـف العـظـيـمة الجـديـرة بالـتـأسي والاتـباع

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله رب العالـمين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق ورسـول الحـق إلى الناس أجـمعـين، وعـلى آلـه وأصحـابه الغـر الـمـيامـين الطـيبين الطـاهـرين، وعـلى الـتـابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن القـصاص وحـماية الإنـسان مـن أجـل أن يعـيش مـطـمئـنا عـلى حـياته وماله وأهـله.
لهـذا كان الـدين يشـدد في القـصاص حـتـما لا تهـاون فـيه ، فـجـاء التعـبـير عـنه بـلـفـظ الكـتـابة، حـتى لا يـكـون هـناك مجـال للتـرخـص والتسامح، أو التهـاون في تطـبيقـه، فـقـال تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ..) (البقـرة ـ 178)، وقـال أيضاً:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الـمائـدة ـ 45)، وقال تعالى:(مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائـدة ـ 32).
الأسـرار أو الحـكـم والفـوائـد
وبعـد هـذا التعـريـج والاسـتطـراد في بيـان بعـض الـفـوائـد والحـكم مـن التشـريع، وأنه لـفـائـدة الإنسان سـواء أدرك الإنسان تلك الأسـرار أو الحـكـم والفـوائـد، أو لـم يـدركها وحـسـبه أن ذلك مـن الله، ألا يعـلم مـن خـلـق وهـو اللطـيف الخـبير، وما يصلح أمـر دنيـاهـم وأخـراهـم، ولـو اتبـع الحـق أهـواءهـم لفـسـدت السـمـوات والأرض ومـن فـيـهـن، مـن هـنا نـدرك أن حاجـة الإنسان إلى الـدين حـاجة ضـرورية، كحـاجـته إلى الهـواء والـماء والطـعـام، فإذا كانت هـذه الأشـياء ضـرورية لـبـقـاء الـجـسـم سالماً صحـيحاً، فإن الإنسان ليـس جـسما فــقـط، بـل يتـكـون الإنسان مـن جـسـم وروح، فالــدين ضـروري لـتـغــذية الـروح، والإنسان بالـروح لا بالجـســم إنسان.
الإحـسـان: إن الإحـسان يـدعـو الإنسان إلى التأمـل والـتـدبر في عـواقـب الأمـور والله يـقـول وقـوله الحـق:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحـل ـ 90)، وقال تعـالى:(بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البـقـرة ـ 112)، وقال تعـالى:(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء ـ 125)، وقال:(وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (لقـمان ـ 22).
والإحـسان معـناه الاتـقـان، وهـو ضـد الاسـاءة، وهـو الاخـلاص وصـدق المـراقـبة، وهـو التطـوع بالفـضل بعـد مـراعـاة العـدل، وهـو الصنـع الجـمـيـل والتصرف الحـمـيـد.
ولا عـجـب إذا جـاءت كلـمة:(الإحـسان) في القـرآن عـشرات الـمـرات، لـمـا لهـذه الكلـمة مـن الـمـعـاني الحـميـدة، والأخـلاق الحـسنة الجـمـيـلة، وما تجـمعـه مـن خـير عـظـيـم، ولعـل أساس التعـريـف بالإحـسان هـو العـبارة النبـوية الشـريفة التي يـقـول فـيها (صلى الله عـليه وسـلم):(الإحـسـان أن تعـبـد الله كأنـك تــراه، فـإن لم تـكـن تـراه فإنه يـراك)، والـرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسلم)، أراد مـن تـلفـظ بالكلمة ودعـمها بالإخـلاص في الـعـمـل كان محـسناً، وكان إيمانه صحـيحاً، كما أن معـنى الحـديـث الشـريـف الاشـارة إلى عـمله، وذلك ما أشـار إلـيه بقـوله:(فـإن لم تـكـن تـراه فإنه يـراك)، والإحـسان عـلى هـذا الأساس، هـو كمال الحـضـور مع الله تعـالى والـمـراقـبة الجـامعـة لخـشـية الله والاخـلاص له، بأن يحـسن الإنسان قـصـده فـيـجـعـله ينـفـذ ما أمـر الله به في قـوة وعـزم.
مـواقـف عـظـيـمة
ولـننظـر إلى الـموقـف الإيماني، الـذي وقـفه أبـونا إبـراهـيم خـليـل الـرحمن ـ عـليه السلام ـ وابنه إسـماعـيـل، ذلك يـضحي بـولـده الـوحـيد الـذي وهـبه الله إيـاه عـلى الكـبر، والـولـد يـقـدم نـفـسه فـداء وتـنـفـيـذاً لأمـر الله، يا لها مـن مـواقـف عـظـيـمة جـديـرة بالـتـأسي والاتـباع والاقـتـداء قال الله تعـالى:(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصـافـات ـ 102)، تلك كانـت رؤيا خـليـل الـرحـمن إبـراهـيم ـ عـليه السـلام ـ مـطـلـوب مـنه ذبح ابنه والأمـر معـروض عـلى الابن الحـلـيم النبي إسـماعـيـل، ما ذا تـرى؟ فـكان رد النبي إسـماعـيـل ـ عـليه السـلام ـ بـكل إيـمان وثـقـة والتسـلـيم لأمـر الله والـرضا بحـكـمه:( قـال يا أبـت افـعــل ما تـؤمـر سـتجـدني إن شـاء الله من الصابـرين ) (الصافات ـ 102).
فـداء وامتـثـال لأمـر الله
ما هـذا الإيمان الــذي يتـمـثـل في تقـديـم النبي إسـماعـيـل نفـسه، فـداء وامتـثـالاً لأمـر الله، قـال الله تعـالى:(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيم، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات 103 ـ 107)، ذلك هـو حـوار الإيمان والصبر والإحـسان والـرضـا بمـر الـقـضـاء، وتلك هـي نتـيجـة الـمـواقـف الإيمانية ، والله يـوف الصابـرين أجـرهـم بغــير حـساب، وقـد حـثـنا الله سـبحانه وتعـالى في كـتابه العـزيـز، حـيـث يـقـول:(وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عــمـران 133 ـ 134)، والعـدل هـو أن يـؤدي الإنسان ما عـليه، ويأخـذ حـقه مـن غـير زيادة ولا نـقـصان، أما الإحـسان فـهـو أن يعـطي الإنسان أكـثر مما عـليه، ويأخـذ أقــل مما له قال تعـالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحـل ـ 90)، والإنسان مأمـور بالإحـسان، وأولى بالإحـسان الـوالـدان والأقـربـون واليتامى والمساكـين والجـار القـريـب والجـار البعـيـد، والصاحـب بالجـنـب وابن السبـيـل والخـدـم في الـمـنازل وغـيرها قال الله تعـالى:(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء ـ 36)، وقال تعـالى:(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنـعام ـ 151)، وقال تعـالى:(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسـراء ـ 23).
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى