الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة القيامة “5″

سورة القيامة “5″

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد: اليوم أيها القراء الكرام نكمل ما بدأناه مع سورة القيامة وهي سورة مكية ،وهي تسع وثلاثون آية تتناول بعث الناس وحسابهم، وعن القيامة وأهوالها، ثم طمأنت الرسول صلى الله عليه وسلم على جمع القرآن فى صدره، ووجَّهت الردع إلى مَن يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، ووازنت بين وجوه المؤمنين الناضرة، ووجوه الكافرين الباسرة، وتحدثت كذلك عن حال المحتضر، وما كان من تقصيره فى الواجبات حتى كأنه يظن أن لا حساب عليه، وختمت بالأدلة التى توجب الإيمان بالبعث، نسأل الله سبحانه أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وذهاب همومنا وجلاء حزننا.
قال تعالى:(بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)
قوله تعالى:( بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) قال الأخفش: جعله هو البصيرة ، كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك. وقال ابن عباس: “بصيرة” أي شاهد ، وهو شهود جوارحه عليه : يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما ، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة : الشاهد. وأنشد الفراء :
كأن على ذي العقل عينا بصيرة … بمقعده أو منظر هو ناظره
يحاذر حتى يحسب الناس كلهم … من الخوف لا تخفى عليهم سرائره
ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وجاء تأنيث البصيرة لأن المراد بالإنسان ها هنا الجوارح ، لأنها شاهدة على نفس الإنسان.
وناس يقولون : هذه الهاء في قوله : “بصيرة” هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة ، كالهاء في قولهم : داهية وعلامة وراوية. وهو قول أبي عبيد.
وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر ؛ يدل عليه قوله تعالى : (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) فيمن جعل المعاذير الستور.
وقال بعض أهل التفسير : المعنى بل على الإنسان من نفسه بصيرة ؛ أي شاهد فحذف حرف الجر. ويجوز أن يكون “بصيرة” نعتا لاسم مؤنث فيكون تقديره : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة، وأنشد الفراء :
“كأن على ذي العقل عينا بصيرة”
وقال الحسن في قوله تعالى: (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) يعني بصير بعيوب غيره ، جاهل بعيوب نفسه. (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي ولو أرخى ستوره. والستر بلغة أهل اليمن : معذار ؛ قاله الضحاك وقال الشاعر :
ولكنها ضنت بمنزل ساعة … علينا وأطت فوقها بالمعاذر
قال الزجاج : المعاذر: الستور ، والواحد معذار ؛ أي وإن أرخى ستره ؛ يريد أن يخفى عمله ، فنفسه شاهدة عليه. وقيل : أي ولو اعتذر فقال لم أفعل شيئا ، لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه ، فعليه شاهد يكذب عذره ؛ قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسدي أيضا ومقاتل. قال مقاتل: أي لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك. نظيره قوله تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) وقوله: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) فالمعاذير على هذا : مأخوذ من العذر ؛ قال الشاعر :
وإياك والأمر الذي إن توسعت … موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه … وليس له من سائر الناس عاذر
واعتذر رجل إلى إبراهيم النخعي فقال له: قد عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب. وقال ابن عباس: {(وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي لو تجرد من ثيابه. حكاه الماوردي.
قلت: والأظهر أنه الإدلاء بالحجة والاعتذار من الذنب ؛ ومنه قول النابغة:
ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت … فإن صاحبها مشارك الكند
والدليل على هذا قوله تعالى في الكفار:(وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) وقوله تعالى في المنافقين:(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ). وفي الصحيح أنه يقول:”يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت ، ويثني بخير ما استطاع” الحديث. وقد تقدم في “حم السجدة” وغيرها. والمعاذير والمعاذر : جمع معذرة ؛ ويقال : عذرته فيما صنع أعذره عذرا وعذرا ، والاسم المعذرة والعذري ؛ قال الشاعر :
“إني حددت ولا عذرى لمحدود”
وكذلك العذرة وهي مثل الركبة والجلسة ؛ قال النابغة :
ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت … فإن صاحبها قد تاه في البلد
.. والله تعالى اعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.
(المصدر: القرطبي)

اعداد ـ ام يوسف:

إلى الأعلى