الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. ما كان شاعر الغوغائيين !

رؤى .. ما كان شاعر الغوغائيين !

هل نافقته، أو على الأقل جاملته ؟ ربما حين قصدته في مقر إقامته بفندق إنتركونتننتال مسقط، خلال زيارته للسلطنة في منتصف التسعينيات، كانت أوراقي متخمة بعشرات الأسئلة ومقصدي هو مقصد أي صحفي تتاح له فرصة لقاء مع شاعر بقامة نزار قباني، ملأ بقصائده الدنيا صخبا وضجيجا على مدار نصف قرن، كان مقصدي حوارا صحفيا بالمعنى المتعارف عليه، أسأل ويجيب ، مدركا أن اجاباته قنابل تقض مضجع الأوساط الثقافية، لكنه ولسبب أجهله وربما كانت تلك طريقته في التحاور مع الصحفيين خلع عني صفة الصحفي وجعل من الحوار حديثا بين صديقين وكم كانت سعادتي بالغة بما حدث، فما أن أعود إلى أسئلتي ويبدأ هو في الإجابة حتى ينتهي بسؤال يوجهه لي ويترقب إجابتي باهتمام، وحين سألته عن قصيدة النثر وبالطبع كان من الطبيعي أن يتطرق الحديث إلى أدونيس سألني: هل تعجبك أشعاره ؟ فقلت: هو يزف القصيد عروسا لشيخ القبيلة ولا أحد سواه، أما أنت فتزفها في تمام بهائها للأمة! هل نافقته ؟ لقد بدا سعيدا بما قلت، إلا أن إحساسا بالقلق راودني من أن يكون ما سقته من إجابة نفاقا لشاعرنا الكبير.
لكن هذا إحساسي الآن، وذكرى رحيله السادسة عشرة تلفحنا برياح الألم، وإحساسي الآن كان إحساسي دوما ومنذ سني المراهقة، وحين كنا نتبادل بلهفة دواوينه في المرحلة الثانوية والجامعة، حتى الذين لا ناقة لهم في الشعر ولا جمل كانوا يشاركوننا ذات الشعور الاحتفائي بكل جديد لنزار قباني، فهل كان نزار يكتب شعرا !
يقينا طرح سؤال على تلك الشاكلة من وجهة نظر الكثيرين يبدو استفزازيا وربما جنونا، أبعد تلك الامبرطورية الشعرية الهائلة التي شيدها صاحب القصائد المتوحشة عبر جغرافيا الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج نشكك في شعرية ما كتب !
بعضهم فعلها، والمثير أنهم نقاد كبار، فان كان البعض قد اكتفى بالتهامس فهناك من جهر بما لديه ، مثل الناقد الدكتور ماهر شفيق فريد الذي أخرج نزار من زمرة الشعراء حيث قال في كتابه “الواقع والأسطورة .. دراسات في الشعر العربي المعاصر”: حين يوضع شعر نزار في ميزان النقد العلمي الصارم سيتبين أن أغلبه متواضع القيمة، أوله كآخره بلا نمو يذكر، ولا مكان له في ديوان الشعر الخالد باستثناء اربع او خمس قصائد. ويستطرد شفيق في معرض حكمه القاسي قائلا: ان نزار قباني لن يدوم دوام السياب ولا عبد الصبور ولا حجازي ولا خليل حاوي ولا حتى أمل دنقل، فهو لا يملك العمق الفكري ولا البراعة التقنية ولا القدرة على التطور الذي يميز عمل هؤلاء الشعراء، وراء بريق ألفاظه، ثمة افتقار الى المعنى، او معنى بالغ السطحية ، وركاكة فكرية إن جاز التعبير.
ويسوق أيضا الناقد جهاد فاضل آراء شبيهة في كتابه ” نزار قباني .. الوجه الآخر” ، بل إنه يتهم نزار بالسطو على قصائد شعراء فرنسيين وينسبها الى نفسه مثل قصيدة “إفطار الصباح”، لـ”جاك بريفير”.
وتكتسب أراء الناقدين الدكتور ماهر شفيق وجهاد فاضل أهميتها من أنهما يضعان النص تحت المجهر الفني وليس المجهر الأخلاقي ، فكثير من النصوص في عالمنا العربي قد لا تحول جودتها الفنية دون أن تساق الى مقصلة التأويل الأخلاقي ، وكان نزار قباني وعبر نصف قرن ضحية التأويلات الأخلاقية ، حيث يرى نفر غير قليل من الأمة أن في شعره مروقا عن القيم الدينية ، على أية حال ليس التأويل القيمي ما يعنينا الآن ، بل ما يقوله شفيق وفاضل ، فهل شعر نزار بهذا القدر من الرداءة الفنية ؟ لو كان الأمر كذلك ، فلم راج وشاع بما لم يحظ به شاعر معاصر ؟
يدفعني هذا إلى أن أستحضر من الذاكرة ما قاله الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور في مقال له بصحيفة الأهرام المصرية إن الأدب الرائج لا يعني بالضرورة أنه الأجود ، الا أن عصفور يحذرنا من أن نتخذها بديهية مسلم بها أن كل ما هو رائج ليس الأجود فنيا ، فكثير هي الأعمال التي راجت وكانت على قدر عال من الجودة الفنية، ولو لازم كل النقاد خندق ماهر شفيق وجهاد فاضل لاستسلمنا لآرائهم بأن نزار بنى مجده على أنغام آهات الغوغائيين، الا أن آخرين ـ أيضا نقاد كبار ـ يرون ما لا يراه شفيق وفاضل ، فالناقد الدكتور نجيب العوفي يذهب الى أن “نزار” كشاعر حداثي يورط الحداثة والحداثات والحداثيين ويضع الجميع في مأزق. يقول العوفي “كثرة كثيرة من الشعراء العرب على توالي العقود الزمنية الشعرية، تعاملوا مع الشعر والحداثة الشعرية بنوايا مسبقة وبمرجعيات وخلفيات مستحضرة سلفا، فكان هناك مشروع نظري وجملة مبادئ نظرية هي التي تؤهل للدخول في حمى الحداثة، ثم يجهد الشاعر نفسه من أجل أن يصوغ نصوصا على مقاس تلك المشاريع والمبادئ الأولية الموضوعة سلفا ، ولقد أجهز هذا على كثير من النصوص الشعرية المحسوبة على الحداثة، وخنق فيها بعض مكامن الحيوية والحرارة، وهو ما انتبه إليه نزار قباني بطريقة عفوية وتلقائية، ولكنها طريقة معززة كذلك بثقافة أدبية ولغوية وتاريخية رفيعة، فحرر تجربته الشعرية من كثير من المسوح الثقافية والأقماط المعرفية والطقوس الاستعارية والمجازية ، لهذا كانت نصوص نزار الشعرية عارية وتلقائية، يتطلع نزار من خلالها نحو الحداثة الشعبية لا الحداثة النخبوية ، لأن الحداثة الشعبية “يمكنها أن تخترق وتتواصل مع الناس وتصبح جزءا من الفلكلور الشعبي، وما كنت قد قرأت هذا الذي كتبه العوفي حين التقيت بنزار في مسقط ، لذا يمنحني كلامه هذا احساسا بأنني لم أنافق شاعرنا الكبير حين قلت له أنه زف القصيد عروسا بهية للأمة كلها ، بل وأمنح ظهري الى ما يقوله شفيق وجهاد ، وأستعين بما قاله عصفور، فمن الأدب الرائج ـ كثير ـ ما هو جيد ، بل فائق الجودة.
وأظن أن شعر نزار جدير بأن يبند تحت هذه الفئة “شعر فائق الجودة”.

محمد القصبي

إلى الأعلى