الإثنين 1 مايو 2017 م - ٤ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (149)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (149)

الإحـسان مـطـلـوب في اخـلاص الاعـتـقـاد لله وحـده، والاعـتراف به خـالـقـاً رازقـاً منـه الـمـبـدأ وإلـيه الـرُجـعى
التعــبـير بلـفـظ الـفـرار عـجـيـب حـقـاً، وهـو يـوحي بالأثـقـال والقـيـود التي تـشـد الـنفــس البـشـرية إلى هـذه الأرض

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله رب العالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق ورسـول الحـق إلى الناس أجـمعـين وعـلى آلـه وأصحـابه الغـر الـمـيامـين الطـيبين الطـاهـرين وعـلى الـتـابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
التخـلـق بالأخـلاق الـقـرآنية
فـإن الله كـب الإحـسان عـلى كل شـئ، وما عـلى العـبـد إلا أن يـبـادر فيفـعـل ما يجـعـله مـع الـمحـسنين ويـكـون كـذلك في مـعـية الله، قال الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحـل ـ 128).
أيها الـمـؤمن الحـريص الإيمان، الكـيّس الحـريـص عـلى التخـلـق بالأخـلاق الـقـرآنية، إنـك لاشـك سـتجـد للإحـسان مـكاناً وكـياناً في كل الأحـوال، إذ أن الإحـسان مـطـلـوب في اخـلاص الاعـتـقـاد لله وحـده، والاعـتراف بالله سـبحـانه خـالـقـاً رازقـاً، منـه الـمـبـدأ وإلـيه الـرُجـعى وأن يـؤمـن بالله ربـّاً والإسـلام ديـناً وبالقـرآن كـتاباً مُـنـزّلاً عـلى سـيـدنا محمد بن عـبـد الله خـاتم الأنـبياء والـمـرســلـين، فـيه شـفـاء ورحـمة للـمـؤمـنين.
الإحـسان مـطـلـوب في القـول
والإحـسان مـطـلـوب في النية بتجـريـدهـا لله سـبحانه وتعـالى، قال (صلى الله عـليه وسـلم):(إنـما الأعـمال بالنيات، وإنما لـكل امـريء ما نـوى)، والإحـسان مـطـلـوب في القـول قال الله تعـالى:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) (البقـرة ـ 83)، وقال تعـالى:(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فـصلت ـ 33)، إن الله مهـد لـنـا طـريـق الخـير رحـمة مـنه وفـضـلاً، فـأنـزل كـتـباً وأرسـل رسـلاً حتى نـكـون عـلي بـينـة مـن الأمـر.
والإحـسان مطـلـوب في التحـية، قال الله تعـالى:(وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء ـ 86)، والإحـسان مطـلـوب في جـميع العـبادات مـن صـلاة وصـيام وزكاة وحـج، وقـد أشـار الـقـرآن الكـريم إلى الإحـسان في مـواقـف عـديـدة منـها : قال الله تعـالى:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العـنكـبوت ـ 69)، وقال:(وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقـرة ـ 195)، وقال:(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعـراف ـ 56)، وقال:(لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الـتـوبة ـ 91).
الـفـرار إلى الله
قال الله تبارك وتعـالى في كتابه العـزيـز:(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ، وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الــذاريات 50 ـ 51).
والـفـرار إلى الله كـلمة تـدل عـلى الهـرب مـن شيء مخـوف، والـفـرار إلى الله يعـتـبر خـلـق مـن أخـلاق الـقـرآن الكـريـم، وفـضـيلة مـن فـضائـل الإسـلام وكـنـز مـن كـنـوز الإيـمان، وجـانـب مـن هـدي النبي محمـد (عـليه الصلاة والسلام)، ويقـول ابن جـريـر الطـبري في تفـسـير الآية ـ الآنـفـة الـذكـر ـ ما معـناه ملخـصاً: (أهـربـوا أيها الناس مـن عـقاب الله إلى رحـمـته ، بالإيمان به ســبحانه وتعـالى واتـباع أمـره، والعـمـل بطـاعـته، إني لـكـم نـذيـر مـن الله أنـذركـم عـقـابه، وأخـوفـكـم عـذابه، الـذين أحـله بـأولـئـك الأمـم الـذين قـص عـلـيـكـم قـصـصـهـم، مـن الأمـم السـابقـة، والـذي هـو مـذيـقهـم في الآخـرة العــذاب الــذي يسـتحـقـونه، وقـد بيـن لـكـم إنــذاره، فـلا تجـعـلـوا مـع معـبـودكـم الـذي خـلـقـكـم معـبـودا آخـر سـواه، فإنه لا مـعـبـود بحـق تـصـلـح له العـبادة ويخـضـع الـعـباد لأوامـره إلا هـو، الخـالـق الـواحـد القهـار، إني لـكـم أيها الناس نـذيـر مـبـين، مـن عـقـابه عـلى عـبادتكـم إلهـا غـيره، وأنا نـذيـر مـبين قـد بـينـت لـكـم إنـذاره، أن تقـولـوا ما جـاءنا مـن بشـير ولا نـذيـر فـقـد جـاءكـم بـشـير ونـذيـر)، ويــذهـب السـيـد قـطـب في ظـلال القـرآن حـول تـفـسير الآية الكـريـمـة قـائلاً:(إن الله تـبـارك وتعـالى في ظـل هـذه اللـمـسات، القـصـيرة العـبارة، الهـادئـة الـمـدى في أجـواز الـفـضاء، وفي آماد الأرض، وفي أعـماق الخـلائـق يهـتـف بالبـشر ليـفـروا إلى خـالـق الـسماء والأرض وخـالـق الخـلائـق، مـتـجـردين مـن كل ما يـثـقـل أرواحهـم ويقـيـدها، مـوحـدين الله الـذي خـلـق هـذا الكـون وحـده بـلا شـريـك وبـلا معــين:(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ..).
عـالم الـملـكـوت الـرحـب
والتعــبـير بلـفـظ الـفـرار عـجـيـب حـقـاً، وهـو يـوحي بالأثـقـال والقـيـود والأغـلال والارهـاق، التي تـشـد الـنفــس البـشـرية إلى هـذه الأرض وتـثـقـلها عـن الانـطـلاق إلى عـالم الـملـكـوت الـرحـب، والسمـو إلـيه سـبحـانه وتعـالى، وتحاصـرها وخـاصـة الجـري وراء مـتـع الحـياة الــدنـيا الـفـانـية، والحـرص عـليها والاشـتغـال بالأسـباب الظاهـرة، ومـن ثـم يجـيء الهـتـاف قـــوياً للانـطـلاق: فـفـروا إلى الله وحـده، مـنـزّهاً عـن كل الشـريـك، وتـذكـير الناس بانـقـطـاع الحجـة وسـقـوط الـعــذر:(.. إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، ويـرى بعــض العـلـماء، أن معـنى الفـرار إلى الله، هـو الـرجـوع إلـيه لأن الإنسان في جـيع أحـواله بين حـالـتين: إما حـالة رغـبة في شيء أو حـالة رهـبة مـن شيء، أي هـو في حـالتي رجـاء أو خـوف أو في حـالتي جـلـب نـفـع أو دفـع ضـر، وفي كـلا حـالتيه ينبغـي أن يـكـون فـراره إلى الله تعـالى، لأن الله هـو الـنـافــع وهـو الضـار، وبيـده مـقـالـيـد أمـور الــدنـيـا والآخـرة، وقال بعـض العـلـماء: إن مـن صـح فــراره إلى الله، صح قـراره مـع الله، ويـقـال يجـب عـلى العـبـد أن يـفـر مـن الجـهـل إلى العـلـم، ومـن الهـوى إلى الـرشـد، ومـن الشـك إلى الـيقـين، ومـن الشـيطان إلى الـرحـمـن، ومـن الشـر إلى الخـير وهـكـذا، ومـن عـبـادة العـبـاد إلى عـبـادة رب العـبـاد ، ومـن جـور الأديـان إلى عـدل الإسـلام.
الـنـتيجـة الـفـرار
ومـن الـفـرار ما هـو فـرار مـذمـوم، وقـد حـذر الله منه في كـتابه العـزيـز، حـيـث يـقـول:(قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (الأحـزاب ـ 16)، وقال الله تعـالى:(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجـمـعة ـ 8)، وقـال تعـالى:(وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (الأحـزاب ـ 13)، وقال تعـالى:(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (نـوح 5 ـ 6)، عـجـباً لـقـوم النـبي نـوح ـ عـليه السـلام ـ رغـم طـول الـمـدة التـي مـكـث فـيها مـع قــومـه، يـدعـوهـم إلى عـبـادة الله ويـرغـبهـم إن أطـاعـوا الله بمـا يـسعـدهـم في الـدنيا والآخـرة، ورغـم ما تحـمـل مـن إيـذائـهـم له مـدة ألـف سـنـة إلا خـمسين عـاماً، كانت الـنـتيجـة الـفـرار مـن النبي نـوح ـ عـليه السـلام ـ ومـن دعـوته لهـم.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى