الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (2 ـ 5)
إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (2 ـ 5)

إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد (2 ـ 5)

هناك مَنْ حاول وضع منهجٍ عامٍ يتناول الكلام والتفسير والحديث والفقه في حين مال البعض الآخر إلى الربط بين الفقه والحديث التلاؤم القائم على تقسيم العمل ساد العلاقات بين الفقه (التشريع والقضاء والأوقاف والمدارس) والدولة على مدى العصور الوسيطة

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(إشكاليات التقليد الفقهي وإمكانيات التجديد) للدكتور رضوان السيد.
مرحلة حَمَلة العلم وفقهاء الأمصار (130 ـ 180هـ):
يتحدث الباحث حول هذه المرحلة قائلاً: وفي هذه المرحلة ظهر أمران: الاحتراف، بحيث تمايز الفقهاءُ عن القُضاة. وبدأ تدوينُ الأسئلة والجوابات، وجمع الأحاديث والسُنَن، والتي كانت أجزاءَ خاصةً في المرحلة السابقة. والأمر الآخر غير الاحتراف، ظهور رُموز أو فقهاء كبار يجتمع حولهم الطلاب من مثل أبي حنيفة ومالك. وإن لم يقتصر الأمرُ عليهما، بل ظهر أكثر من فقيه متميز في كل مصر وبلدة. ومما له دلالتُه في مسألتي الاحتراف والتمدْرُس تقارُبُ المصادر رغم استمرار الأعراف الخاصة في كل مصر. إذ تبادل الشيوخ من كل مصر التلامذة والمدوَّنات. وتطورت الرحلة في طلب الحديث والفقه وقراءة القرآن.
مرحلةُ الطبقات والقواعد (180 ـ 240هـ):
وعن هذه المرحلة أشار الى إنّ المعني بالطبقات، إقبال فقهاء ومحدِّثي كلّ مصر على وضْع قوائم ذات ثلاثة حلقات أو أجيال فيما بين الصحابة وتابعي التابعين، ممن يؤْخَذُ عنهم الفقه أو يُروى عنهم الحديث، إمّا باعتبارهم ذوي اجتهادات، أو باعتبارهم ثقاتٍ في رواية الحديث وإسناده. وفي الغالب فإنّ الواردين في الحلقتين الثالثة والثانية لهم تأليفٌ أو رسائل في موضوعات فقهية معينة أولهم مجموعات حديثية باسم السُنن والمسانيد أولهم تفاسير مثل تفاسير الخمسمائة آية. ويبدو الوعي بالطبقة والوعي بتكليف تحمل العلم في كتب مثل كتاب العلل لعلي بن المديني، وطبقات ابن سعد، وطبقات خليفة بن خياط، والمعرفة والتاريخ للبَسَوي .. الخ.
موضحاً بأن المعنيُّ من القواعد الرسائل في أُصول الاستنباط. وأشهرُ الرسائل بالطبع رسالة الشافعي (في أُصول الفقه). ويبدو من رسائل الشافعي (ـ 204هــ) الأُخرى أنّ أصول الاستنباط كتب فيها عديدون قبله بعد العام 150هـ (الذي يعتبره الذهبي عام التصنيف!)، وقد كان هو يناقش الآخرين ويردُّ عليهم ويحدّد مفاهيم أشهرها تجاوُزُهُ للمفهوم القديم للسُنّة إلى اعتبارها الحديثَ المباشرَ عن رسول (صلى الله عليه وسلم)، وأنها مثل كتاب الله في المرجعية، وهكذا فإنّ كلَّ طرفٍ أو اتجاهٍ كلامي أو فقهي عُني في هذه المرحلة بوضع منهج أو برنامجٍ عام، يتجاوزُ المحليات (الأمصار)، ويتجاوزُ الأعراف الخاصة بكل مصر، وقد كان هناك مَنْ حاول وضع منهجٍ عامٍ يتناول الكلام والتفسير والحديث والفقه في حين مال البعض الآخر إلى الربط بين الفقه والحديث وحسْب.
وقال: ولا شكّ أنّ هذه التحدُّدات المفهومية في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (الكتاب والسنة والإجماع) ومصير السواد الأعظم إليها، عَنَتْ ظهور تقليدٍ عامٍّ في معنى الفقه والاجتهاد الفقهي. بيد أنّ الأمر تجاوز التقنيات رغم شدة أهميتها إلى بروز فهمٍ معيّن من جانب الفقيه لذاته ودوره ومهماته وإمكانياته.
مرحلة التلاؤم أو تقسيم العمل بين السلطة والفقهاء (240 ـ 300هـ):
واوضح بقوله هم هذه المرحلة: في منتصف القرن الثالث، كانت تطورات الوعي والتقعيد تمضي باتجاه تجاوز الأمصار وأعرافها الخاصة، واستيعابها في نظامٍ عامٍّ صارت مفاهيمه أكثر تحدداً، وهو الذي عُرف فيما بعد بأدلة التشريع أو مستندات الاستنباط عند الفقيه، ومع تحدُّد الأُصول والطرائق أو اتجاهها لذلك؛ فإنّ الفقيه ازداد وعْيُهُ بدوره ومهامِّه، سواء في شأن النصّ وما يتصل به (قرآناً وسنة)، أوما يتصل بعلائقالنصّ بالجماعة،والجماعة وفقهائها بالدولة.
مؤكداً بأن السلطات كانت تعتبر أنه لا علاقة لعلماء الفقه والحديث بالعمل السياسي. وهو اعتبارٌ ما خالفهم الفقهاء والمحدِّثون فيه، لكنْ خطر لهارون الرشيد (170 ـ 193هـ) وابنه المأمون (198 ـ 218هـ) أنه لا علاقة للفقهاء والمحدِّثين أيضاً بشؤون الاعتقاد، وأنّ المتكلمين ـ إلى جانب إمارة المؤمنين ـ هم أصحاب الصلاحية بذلك. وقد أجرى المأمون اختباراً في مسألة خَلْق القرآن، فاشتبك من حيث لم ينتظر مع بعض المحدِّثين والفقهاء. وطوال ثمانية عشر عاماً، استمر الاختبار في نظر السلطات، والمحنة في نظر الفقهاء والمحدِّثين، ثم حدثت المهادنة، واستقر التلاؤم بعد تجاذُباتٍ على أساس فكرة وممارسة تقسيم العمل، فالملف الديني بأيدي العلماء، والملف السياسي وإدارة الدولة بأيدي أرباب السيوف ـ كما سُمُّوا فيما بعد ـ والسيادة للدولة بالطبع في سائر المسائل.
وقال: إنّ هذا التلاؤم القائم على تقسيم العمل، ساد العلاقات بين الفقه (التشريع والقضاء والأوقاف والمدارس) والدولة على مدى العصور الوسيطة، وإلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وما خلا الأمر من تنازُعٍ على المفاهيم والصلاحيات مثل جداليات السنة والبدعة، والسياسة والشريعة، ولاحقاً جداليات القانون والشريعة.
بيد أنّ هذا التطور الذي حدَّد المجال والصلاحيات وطرائق الأداء، حوَّل في الحقيقة الجهات الفقهية إلى “مؤسسة”. واستناداً إلى الاكتمال التقعيدي والتقني وانتظام العلائق بالسلطات، ظهرت المدارس الفقهية.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى