الأربعاء 16 أغسطس 2017 م - ٢٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة يوسف (25)

سورة يوسف (25)

الكيد الاحتيال والاجتهاد ولهذا سميت الحرب كيداً لاحتيال الناس فيها
ظهر للعزيز وأهل مشورته من بعد أن رأوا علامات براءة يوسف أن يسجنوه

اعداد ـ أم يوسف:
قال تعالى:(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ).
تعذله في حقها
قوله تعالى:(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) أي: دخول السجن ، فحذف المضاف، قاله الزجاج والنحاس، (أحب إلي) أي: أسهل علي وأهون من الوقوع في المعصية لا أن دخول السجن مما يحب على التحقيق، وحكي أن يوسف ـ عليه السلام ـ لما قال:(السجن أحب إلي) أوحى الله إليه (يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إلي، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت)، وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ قرأ:(السَّجن) بفتح السين وحكى أن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق وعبدالرحمن الأعرج ويعقوب وهو مصدر سجنه سجناً، (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) أي: كيد النسوان. وقيل: كيد النسوة اللاتي رأينه؟ فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة العزيز، وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها، وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة في امرأة العزيز والقصد بذلك أن تعذله في حقها، وتأمره بمساعدتها، فلعله يجيب فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! اقض لي حاجتي فأنا خير لك من سيدتك تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده، فقال: يا رب كانت واحدة فصرن جماعة، وقيل: كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد ولهذا سميت الحرب كيدا لاحتيال الناس فيها ؛ قال عمر بن لجأ:
تراءت كي تكيدك أم بشر
وكيد بالتبرج ما تكيد
قوله تعالى:(أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) جواب الشرط، أي أمل إليهن، من صبا يصبو ـ إذا مال واشتاق ـ صبوا وصبوة، قال:
إلى هند صبا قلبي
وهند مثلها يصبي
أي: إن لم تلطف بي في اجتناب المعصية وقعت فيها، (وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي: ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم أو ممن يعمل عمل الجهال ودل هذا على أن أحدا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله ودل أيضاً على قبح الجهل والذم لصاحبه.
كيد امرأة العزيز
قوله تعالى:(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ) لما قال، (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) تعرض للدعاء، وكأنه قال: اللهم اصرف عني كيدهن فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنا (كيدهن) قيل: لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه، وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيد امرأة العزيز، على ما ذكر في الآية قبل .. والعموم أولى، وقوله تعالى:(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ) أي: ظهر للعزيز وأهل مشورته (من بعد أن رأوا الآيات) أي: علامات براءة يوسف ـ من قد القميص من دبر وشهادة الشاهد وحز الأيدي وقلة صبرهن عن لقاء يوسف: أن يسجنوه كتماناً للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله:(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ) قال: القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات، وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب، لتشتفي إذا منعت من نظره، قال:
وما صبابة مشتاق على أمل
من اللقاء كمشتاق بلا أمل
أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه.
قوله تعالى:(لَيَسْجُنُنَّهُ) يُسْجُنُنه في موضع الفاعل أي ظهر لهم أن يسجنوه، هذا قول سيبويه. قال المبرد: وهذا غلط لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ما دل عليه (بدا) وهو مصدر أي: بدا لهم بداء فحذف لأن الفعل يدل عليه، كما قال الشاعر:
وحق لمن أبو موسى أبوه
يوقفه الذي نصب الجبالا
أي: وحق الحق، فحذف، وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه، وحذف أيضاً القول أي قالوا: ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر قاله الفراء، وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث ولو كان فعلاً مؤنثاً لكان يسجنانه ويدل على هذا قوله (لهم) ولم يقل لهن، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن فغلب المذكر قاله أبو علي، وقال السدي: كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز شكت إليه أنه شهرها ونشر خبرها، فالضمير على هذا في (لهم) للملك .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى