الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / النحو في تعليم العربية للناطقين بغيرها

النحو في تعليم العربية للناطقين بغيرها

تثير مسألة القواعد وتدريسها العديد من الإشكالات النظرية والتطبيقية التي وما زالت واحدة من أكثر المواضيع جدلية في علم اللغة التطبيقي، وقد تعرضت مكانة هذا الفرع بالتذبذب إذا تراوحت النظرة إلى تدريس القواعد بين العناية المبالغ فيها التي ربما وصلت إلى روح التفرد، وبين الإهمال والتجاهل شبه المطلق، وبين هذين القطبين نشأت أنماط متفاوتة من وجهات النظر التي قد تلتزم بقدر معين من القواعد لما ترى فيه من إمكانات مساعدة دفع عملية التعلم واكتسابها، وبالنظر في هذه الخلفية فإنه لا مناص لمناهج تعليم اللغة الثانية من وضع استراتجيات في تقديم النحو والقواعد المتصلة به بأسلوب شيق وسهل يجذب مكتسب اللغة إلى تعلّمه، ولعلّ أول ما ينصرف إليه الذهن في هذا الصدد هو الكيفية التي يمكن أن ينجز بها تدريس هذا الجانب بالشكل الذي يخدم مصلحة الاكتساب.
تتركز أهداف تعليم اللغة الثانية، في العمل على إكساب المتعلم المهارات اللغوية الأساسية اللازمة لإنجاز ما يحتاجه من اتصال عبر اللغة المتعلّمة، لذا فإنّ النحو الذي نقدِّمه للأجانب الذين يدرسون العربيَّة كلغة ثانية أو أجنبية، يَجب أن يكون مغايرًا عمَّا نقدِّمه لأبناء اللُّغة، من حيث طريقةُ العرْض والتَّنظيم، والكمّيَّة والنَّوعية؛ وهذا لأنَّ طبيعة الطَّلبة تَختلف تمام الاختِلاف من جوانب كثيرة، كالخبرة والقدرة اللغويَّة والبيئة اللغويَّة والاجتماعيَّة والأهداف التعليمية، والاختلاف أيضًا قد يكون في الدَّوافع والسُّلوك واحتياجات الطَّلبة في النَّحو واستعداداتهم في تعلُّمه.
تُعتبر قواعد اللُّغة العربية من أكثر المجالات غموضًا وصعوبة في منهج تعْليم اللغة بشكل عامّ، وهذه الصعوبة لا تقتصِر فقط على متعلِّميها من غير الناطقين بها؛ بل تنسحِب أيضًا على أبنائها، ويَرى كثيرٌ من المتخصِّصين في تعليم اللُّغة العربية هذه الصُّعوبة ويقدِّرها؛ فيقول حسين قورة: “إنَّ قواعدَ اللغة العربية متشعِّبة ومتعدِّدة، ومبنيَّة في تشعُّبها على أُسُس نُطْقيَّة وفلسفيَّة لا يكاد يدخُل إليها الدَّارس من أبناء العربيَّة نفسِها ليسبُر غورَها حتَّى ينزلق إلى متاهات قد يضلُّ فيها المسالك، تلك المسالك التي عبَّر عنها عيسى الناعوري بأنَّها فلسفات لغويَّة تكثر فيها التَّسميات والقياسات، والتَّفريعات والتَّخريجات والجوازات”، هذه وجهة نظر عربيَّة، فإذا أخذنا وجهة نظر غير عربيَّة، نجد فيشر في معرِض حديثِه عن معالجة القواعد في كتُب تعليم اللُّغة العربية يقول: “لقد قام العرب بوضْع نظام خاصّ بالقواعد بالنِّسبة للغتهم، وقد تمَّت صياغةٌ لهذا النظام من أجل العرب الرَّاغبين في تعلُّم العربية الفصيحة، ولكنَّه لا يناسب غير العرب”.
إنَّ قضيَّة تعليم النَّحو العربي للأجانب يشغل عقول المدرِّسين ومصمِّمي برنامج تعليم العربية للأجانب، وتلك المشكلات تتمثَّل عادة في اختيار الموضوعات المناسبة، وطريقة التدريس، والأمثلة والتدريبات، وفي تَحديد الأهداف، ويقول محمود كامل الناقة: قبل أن نَقوم بتقْديم أيِّ جُزْء من القواعِد، علينا أن نسأل أنفسنا: هل ما نقدِّمه مفيدٌ ونافع للدَّارسين؟ هل هو ضَروري لتحْقيق أهدافهم من تعلُّم اللغة؟ هل هذا هو الوقْت المناسب لتقديمه؟ لماذا ندرس النَّحو بهذا المحتوى وبتلك الطَّريقة فقط دون غيرها؟

إنَّ الطالب الأجنبي في المرحلة العامَّة من التعلّم ليس لديه قدرة لغوية كافية كما يملكها الناطق الأصلي، وإنَّه يعيش في بيئة غير عربيَّة وفي مجتمع أجنبي، ولديْه عادات تَختلف عن العربيَّة، وهذه كلها بالطَّبع لم تهيِّئه لتعلُّم اللغة العربيَّة كما حدث عند الطَّالب العربي، وكذلِك بالنِّسبة للأهداف من تعلُّم العربيَّة أيضا تختلِف بين الأجنبي والعربي، فليس هناك وجه للمقارنة بين صنفين من الطلبة؛ ولهذا فإنَّ النَّحو الذي يراد تعليمه لهذيْن الصِّنْفين من الطَّلبة يجب أن يختلف إلى حدٍّ ما، ولا بدَّ كذلك أن يَحمل صفات خاصَّة ومميِّزة تفرقه بالنَّحو الذي يراد تعليمه لأبناء العرب.
ومن الملامحَ الأساسيَّة أو المواصفات المهمَّة للنَّحو العربي في برنامج تعليم العربيَّة لغير النَّاطقين بها، ولعلَّ هذه الملامح يمكن أن تكون أُسسًا ومعاييرَ مفيدة يَبني عليها مؤلِّف كتاب النَّحو، أو مصمّم برامج تعليم العربية لغير النَّاطقين بها، وتلك الملامح هي كالآتي:

1-الغائيَّة:
أنَّ النحو الذي نريد أن نعلِّمه لا بدَّ له من أهداف وأغراض واضحة ومرتبطة بالمهارات اللغويَّة، وتلك الأهداف يجب أن تكون متماشية مع أهداف التَّعليم والتعلُّم، وهي خلق السلوك اللغوي السَّليم لدى المتعلمين، وكما يقول رشدي أحمد طعيمة: “إنَّ هدف تدريس النَّحو ليس تَحفيظ الطَّالب مجموعةً من القواعد المجرَّدة أو التَّراكيب المنفردة، وإنَّما مساعدته على فهْم التَّعبير الجيِّد وتذوُّقه وتدرُّبه على أن ينتجه صحيحًا بعد ذلك، وما فائدة النَّحو إذا لم يُساعد الطَّالب على قراءة النَّصّ فيفهمه، أو التَّعبير عن شيء فيجيد التَّعبير عنه؟
وهناك دروس نحويَّة تقدَّم في الكتُب النحويَّة بدون أهداف واضحة، يُمكن ربْطها بالمهارات اللغويَّة، وبالإضافة إلى ذلك تُوجد موضوعات نحويَّة تُعرض وتشْرَح بالتَّفاصيل تشْمل الخلافات المذهبيَّة وآراء النُّحاة، ومثل هذه المواد أو الخبرة التَّعليميَّة بالتَّأكيد لا تُساعد الطَّلبة على تكوين السلوك اللغوي السليم كما قصده طعيمة وعلي مدكور في تعريفِهما من قبل؛ ولهذا فإنَّ تَحديد الأهداف لكلِّ درسٍ نحوي وربْطها بالمهارات اللغوية ضروري؛ لأنَّها تساعد المدرِّس في عملية التَّعليم، خصوصًا في إجراء التَّدريبات التي تهدف إلى رفع مستوى الأداء اللغوي، إضافةً إلى ذلك أنَّها تحدِّد نشاطات المدرِّس حتَّى لا ينحرف كثيرًا عن تلك الأهداف المرسومة.

2- التكامل:
المقصود به هنا: هو تنظيم الدُّروس النَّحويَّة بطريقة متكامِلة؛ أي: بربْطها بالفروع اللغويَّة الأُخرى كالإنشاء والقراءة والحوار، وألاَّ ندرِّس النَّحو كمادَّة مستقلَّة عن فروعها اللغويَّة، ويقول داود عبده: “إنَّ تعلُّم اللغة كوحدة متكاملة لا كفروع مستقلَّة: فرع القراءة، وفرع القواعد، وفرع الإملاء، وفرع التعبير، وفرع الخط.. وهو أمر يُمكن تطبيقه على أيِّ نصّ لغوي؛ لأنَّ الوحدة اللغويَّة موجودة في أيّ نصّ لغوي مهما كان، وبالتَّالي فإنَّ طريقة الوحدة في تعليم اللغة ليست متوقِّفة على وجود كتاب معدٍّ لهذه الغاية”، في المنهج القديم نَجِد أنَّ النَّحو يُدرَّس كمادَّة مستقلَّة ومنفصلة عن الدُّروس اللُّغويَّة الأُخْرى؛ كالتَّعبير والحوار، وقراءة النَّصّ والإملاء، وبِهذه الطَّريقة يشعر الطَّالب بوجود حاجزٍ أمامَه، ويتصوَّر أن تلك الدروس مختلفة تمامًا عن الأخرى، بالرَّغم أنَّها كلها فروع اللغة التي ترتبط بعضها ببعض.

3- التناسُبية لمستوى الطالب:
إنَّه لا بدَّ من تنسيق منهج النحو العربي حتى يكون مناسبًا بمستوى الطَّلبة الأجانب، من حيث المحتوى واللغة واحتياجاتهم، ولا بدَّ أن نربط اللغة والمنهج بالمهارات اللغويَّة لدى الطَّلبة، وأن نراعي مستوى اللغة عندهم يَختلف اختلافًا كبيرًا عن الطلاَّب العرَب؛ ولهذا فإنَّ المنهج النَّحْوي للأجانب يَجب أن يكون سهلاً ومناسبًا لمستوى الطّلاب الأجانب لغويًّا وكمِّيًّا.

4- التدريبية والتطبيقية:
إنَّ النَّحو العربيَّ الَّذي يقدَّم للطَّالب الأجنبي أو لغير النَّاطقين بالعربيَّة يجب أن يحتوي على مجموعة من التدريبات الكافية، وقال الركابي تأكيدًا على ذلك: “ألاّ يقتصر المدرّس في درس القواعد على مناقشة ما يعرض من الأمثلة، واستنباط القاعدة وتقْريرها في أذهان التلاميذ؛ بل عليْه أن يكثر من التدريبات الشفهيَّة المتركِّزة من أسس منظَّمة من المحاكاة والتكرار؛ حتَّى تكون العادة اللغوية الصحيحة عند التلاميذ”، إنَّ الهدف من التَّدريبات هو تثبيت القواعد النَّحويَّة في ذهْن الطَّالب، ونقلها في الاستعمال الواقعي في حديثهم وكتابتهم، ولقد أشار محمود كامل الناقة إلى الأدوار الثلاثة التي يُمكن أن تلعبها التدريبات في برنامج تعليم اللغة الأجنبية: أولاً: أنَّها تستطيع أن تحدّد وتوضِّح الأهداف المقرّرة من المنهج، وثانيًا: أنَّها تستطيع أن تُثير دوافع الطَّلبة للتعلُّم، وثالثًا: أنَّها تستطيع أن تقيِّم تحصيل الطلبة في الغرفة الدراسيَّة.

5- الأمثلة:
إنَّ القواعد المقدَّمة للطلبة يجب أن تكون أمثلتها كثيرة وكافية، وسهلة ومرتبطة بحياة الطلبة، وكثرة الأمثلة تساعد الطَّلبة في استِنْتاج القواعد النحويَّة المدْروسة، وعند اختيار الأمثلة يجب أن نُراعي كذلك معيار السهولة من حيث الكلِمةُ والتَّراكيب، وأن نستبعِد الأمثلة التي فيها خلافات عند عُلماء النَّحو، والافتراضات التي لم تكن موجودة في اللغة؛ وذلك لأنَّه يجعل عمليَّة تعليم النَّحو صعبة.

6- السياقية والموقفية:
المقصود بالسياق هنا: هو أنَّ الأمثلة القاعديَّة والنَّحويَّة يجب أن تُوضع في سياقات لغويَّة أو جملة مناسبة، ويقول حسني عبد الهادي: “تذكَّر دائمًا أنَّك تشرح النَّحو الذي هو علم الجملة، ففكِّر في درسك بالجملة واشرح بالجملة، وابْنِ بدقَّة صورة الجملة العربيَّة في أذهان تلاميذك”، إنَّ الدراسة النَّحويَّة لا بدَّ أن ترتبط بمواقف الحياة فضلاً عن السياق اللغوي.
السياق اللغوي الاتّصالي وسيلة لتعليم التَّركيب اللُّغوي أو القاعدة، وهذه الطريقة ترى أنَّه لا ينبغي الحديث حول اللغة قبل أن نعرِف كيف نتحدَّث بها، وهي تُنادي بأن يتعلَّم المبتدئ القواعد عن طريق السَّيْطرة على الجمل الأساسيَّة واستِخْدامها وظيفيًّا، ولعلَّ هذا يذكِّرنا بأنَّ الَّذي يتعلَّم لغته الأمَّ يتعلَّمها هكذا قبل أن يدخل المدرسة، إنَّه لم يجلس في ركن منعزِل ليحفظ قواعد اللغة، ولكنَّه خرج إلى المجتمع ولعِب مع الأصدقاء وأقرانه وخالطَ الكِبار والصِّغار وتعلَّم منهم وعلَّمهم؛ ومن ثم عليْنا أن نتيح نفس الفرصة لمتعلّم اللغة الأجنبيَّة لكي يسيْطِر على التَّراكيب والجمل الأساسيَّة أوَّلاً، ثم ننتقِل به بعد ذلك إلى تقْديم القواعد في صورتِها الوصفيَّة.

7- الإفادة:
إنَّ القواعد النحويَّة التي نقدّمها للطلبة يجب أن تكون أيضًا من النَّوع الذي يستفيد منها الطلاب، وتساعدهم في رفع مستوى الأداء اللغوي، وهناك كثيرٌ من الموضوعات النَّحويَّة التي تتعلَّق بالنَّحو، في المنهج أو المقرَّر الدِّراسي لا تُساعدهم في ذلك؛ بل تَجعل عمليَّة التعلُّم صعبة ومعقَّدة؛ ولهذا ينفر منه الطَّلبة، وكما قال زكريا إسماعيل: “هناك الكثير من الموضوعات المغْرِقة في التخصص، فلا داعي لتدريسِها في مراحل التعليم العامّ؛ لأنَّها لا تخدم الهدَف الأساسي من تدريس النحو، وهو ضبط الكلام وصحَّة النطق والكتابة”،إنَّ دراسة النحو يجب أن تُوجّه إلى مهمتين أساسيتين، هما: التعليم والاكتساب، فعمليَّة التعليم يمكن أن تنطلِق من طريقة نحويَّة عامَّة وسهلة وغير معقَّدة، وبعيدة من المصطلحات التي لا تعطي فوائد كثيرة للطَّلبة، وأمَّا عملية الاكتِساب، فيُمكن أن تحدث من خلال الأمثلة الكافية، وبهذه الطَّريقة يستطيع الطَّلبة الاستفادة منها، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.

8- الضرورية:
إنَّ المنهج النَّحويَّ يجب أن يتَّصف بالضَّروريَّة؛ أي: بتقديم الدروس النحويَّة الضرورية فقط للطلبة، طبقًا لمستوياتهم التعليميَّة، وهذا الملمح له علاقة بالفائدة؛ وهذا لأنَّ شَكل النحو الذي يفيد الطلبة كثيرًا في الكلام والكتابة هو الشَّكل الذي يجب تقديمه وتدريسه للطلبة، وبعبارة أخرى: إنَّ شكل النحو الذي لا يُفيد الطلبة أو أقلّ فائدة لهم يَحسن استبعادُه، أو تأجيل تدريسِه إلى وقت آخر حتَّى يصل الطلبة إلى مستوى الأداء اللّغوي العالي، أو في مستوى التخصّص، ففي مرحلة تعلّم اللغة ينبغي أن يُقدم للطَّلبة النحو الأساسي حتَّى يستطيعوا تطبيقه بطريقة صحيحة، سواء في الكلام أم في الكتابة.

9- التدرُّجية:
المقصود بالتدرج هنا هو تقديم النَّحو بطريقة تدريجية؛ أي: من السَّهل إلى الصَّعب وإلى الأكثر صعوبة، ومن الضَّروري إلى الأكثر ضرورة، ويقول ابن خلدون: “اعلم أنَّ تلقين العلوم للمتعلّمين إنَّما يكون مفيدًا إذا كان على التدرّج شيئًا فشيئًا، وقليلاً قليلاً”، والتدرّج على حسب تعريف محمود كامل الناقة: “إدخال نواة التَّراكيب قبل التَّركيب الموسَّع، ويقصد به عدم الإدخال في صورة من صوره الموسعة قبل إدخاله في أبسط صوره، وقال داود عبده: إنَّ اكتساب اللغة عند الأجانب قائمٌ على اكتِساب القواعد اللغوية كما لاحظنا، يتمّ بتعلم التراكيب الأقلّ تعقيدًا أوَّلاً، ثمَّ الأكثر تعقيدًا بتطبيق القواعد اللغوية، وأضاف: “خُذْ مثلاً الصفة وأفعل التَّفضيل، الطفل العربي أو الطَّالب الأجنبي يتعلَّم قاعدة صياغة أفعل التفضيل من الصفة على وزن أفعل، يستطيع أن يصوغ أكبر من كبير، أو أشطر من شاطر، وأشْجَع من شجاع، أمَّا إذا كان الطفل أو الطَّالب الأجنبي قد تعلَّم أشجع قبل أن يتعلَّم شُجاع، فإنَّه لا يستطيع استنتاج الصفة من ذلك، فقد يكون الصّفة على وزن فعيل أو فاعل، أو فعال أو فعل”.

10- الأهمّيَّة:
المقصود بالأهمّيَّة هنا: أنَّ الخبرات النحويَّة المقدَّمة للطلبة لا بدَّ أن تتَّصف بالأهميَّة، وضرورة تعليمها لغرض الاستِعْمال في الحديث اليومي وفي الكتابة حسب مستوى الطَّالب، لا لغرض المعرفة فقط، فإنَّ عنصر الأهمية له علاقة وثيقة بعنصر الضروريَّة والفائدة، كما سبق الحديث عنها من قبل، هناك بعض الموضوعات النحويَّة التي لا تهمّ الطلبة، ولا يَجوز تقديمها لهم؛ لضيق مَجال استخدامها في النَّشاطات اللغويَّة شفويًّا وكتابة بطريقة مباشرة، وتلك الموضوعات تدرس على أساس أنها من الظَّواهر اللغوية، ولتوسيع معلومات الطَّلبة فقط، لا لغرض تطبيقي مطلقًا، ومن الموضوعات التي لا تهمّ الطَّلبة في مرحلة التعلّم واكتساب اللغة: الاشتغال والاستغاثة، والإعراب التقديري، والتَّنوين والحذْف، مثل حذف الفاعل والمفعول، والعامل والتَّقديم والتَّأخير، والمصدر المؤوَّل، والمعرب والمبني، وأنواع الخبر والتَّنازُع والتَّصغير؛ لأنَّ هذه الموضوعات تناسب المتخصّصين، المهمّ أنَّ المعلومات المقدَّمة في مرحلة التعلّم واكتساب اللّغة لا بدَّ أن تكون من المعلومات التي لها فائدة مباشرة ومهمَّة، ويجب ألا تنحرف عن الأهداف المرْسومة في برنامج تعليم النَّحو، وهي لتقويم الألسنة من الخطأ واللَّحن، وإنَّ الموضوعات النَّحويَّة التي تتَّصف بالتفاصيل يَجب إبْعادها عن الطَّلبة في هذه المرحلة.

11- التَّطبيقيَّة:
المقصود بالتطبيقيَّة هنا: أنَّ القواعد النحويَّة المدروسة يمكن تطبيقها في الكلام والقراءة والكتابة، حيث يستطيع الطَّلبة تطبيقها ويمارسون بها اللغة في داخل الفصل وخارجه، وهي ليْست مجرَّد نظرية وقواعد وافتراضات، ويقول علي جواد الطَّاهر: “إنَّنا نراعي الجانب العملي من النَّحو، وتتسع فيه طريقة منبثقة من كيان الطلبة، ثمَّ نقف عند تمرينات صفّية وبيتيَّة”، وإنَّ التطبيق ليس من لوازم النحو وحْده، وإنَّما من لوازم الموادّ اللغويَّة الأُخْرى كلّها؛ كالمطالعة والتَّعبير والنصوص، وإنَّه لفرصة ثمينة تلك التي تبين للطَّلبة وحدة اللغة العربيَّة وتكامل أجزائها، وتدلُّهم على صلة اللغة بالحياة وحاجة هذه الحياة إلى اللغة”.
إنَّ النشاط اللغوي الذي يمارسه الدَّارس مرتبط بخبراته وما يدور في حياته اليومية، وإنَّ دراسة النَّحو تهدف إلى تقويم اللسان والقلم؛ ولهذا فإنَّ موضوع النَّحو الذي يُختار لا بدَّ له من علاقة تطبيقية بذلك النشاط اللغوي لدي الطلبة؛ إذ ليس من المعقول أن نختار موضوعًا خارجًا عن ذلك النشاط، وكذلك التدريبات والأمثلة الجافَّة لا تساعد الطلبة في ممارسة اللغة وتطبيقها؛ ولهذا فإنَّ الافتراضات والخلافات المذهبيَّة والموضوعات التي ينْدر استخدامها يجب إبعادها من كتب تعليم النحو في المرحلة الهامَّة؛ لأنَّها لا تتنافى مع مبدأ التطبيقية.

12- الوضوح والسهولة:
إنَّ المعلومات النحويَّة وموادَّها التي تقدّم للطَّلبة في الدروس النحويَّة يجب أن تُصاغ بسهولة ووضوح، من حيث طريقةُ العرْض والأمثلة والمناقشة والتدريبات، وإنَّ المعلومات النَّحويَّة المعقَّدة والطويلة والكثيرة أحيانًا تجعل الدروس صعبة وغير محبَّبة عند الطلبة، وقال إلياس ديب في ذلك: “فلنجعل شعارنا في تعليم القواعد البساطة والوضوح، فقليلٌ يفيد ويُستوْعَب ويُفهم ويُستخدم خيرٌ من كثير يُحفظ ويردَّد بدون فهم، ثمَّ يتلاشى كضباب كثيف خانق”.

13- الشيوع:
المقصود بالشيوع هنا: نسبة كثرة تكْرار استخدام موضوع النحو في لغة الكتابة والحديث، وإنَّ نسبة كثرة استِخْدام موضوع معيَّن تعتبر معيارًا؛ حيث يمكننا أن نضع هذا الموضوع في قائمة أوليات النَّحو التي لا بدَّ من تدريسها، ويعني هذا أيضًا أنَّه من الأحسن أن نؤجِّل تدريس النَّحو الذي هو أقلّ شيوعًا وأقلّ استِخْدامًا؛ لتجنُّب صعوبة النَّحو وكثْرة الموضوعات في الكتاب المقرَّر.

وفي مُحاولة تكوين منهج دراسي جديد للنَّحو العربي، أُجْرِيتْ هناك دراسات عديدة على التراكيب العربيَّة وموضوعات النَّحو التي تتمتَّع بمعيار الشيوع، وغير الموضوعات النحويَّة التي حدَّدها محمود أحمد السيد عند حديثي عن ملمح الضَّروريَّة قبل
ومن هنا نقول: إنَّ اختيار الموضوع الذي يراد تدريسُه للطَّلبة – خصوصًا للأجانب – يجب أن ينبنِي على هذا الملمح، وإنَّه ليس بمفيد أن نختار قاعدة أو أسلوبًا أو مركَّبًا يقلُّ استخدامه أو أنَّ استخدامه نادر، وبهذه الطريقة نستطيع أن نجعل الموادّ المقرَّرة أكثر تقبُّلاً لدى الطَّلبة؛ لأنَّنا نقدّم شيئًا مفيدًا، ونعطي لهم فرص التَّطبيق والممارسة للغة.

مصطفى بن حمد أمبوسعيدي
محاضر بكلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
mhs1979am@hotmail.com

إلى الأعلى