السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي سعد محمد رحيم لـ ” أشرعة “: أنطلق في كتاباتي من رؤية خاصة أبعادها “الحياة” و”الحرية” و”الحب” و”المصير” و”الموت”

الروائي سعد محمد رحيم لـ ” أشرعة “: أنطلق في كتاباتي من رؤية خاصة أبعادها “الحياة” و”الحرية” و”الحب” و”المصير” و”الموت”

الحائز على جائزة كتارا.. والمرشح لجائزة البوكر لعام 2017

* لا أروم تهريب خطاب سياسي مسبق بوساطة الرواية
* الخطير في الكتابة السردية هو الوقوع في أسر البلاغة الطنانة

دمشق: من وحيد تاجا:
أكد الروائي والقاص العراقي سعد محمد رحيم انه ينطلق في كتاباته كلها، الفكرية منها والسردية، من رؤية خاصة ذات بعد وجودي ثيماته الحياة والحرية والحب والمصير والموت.
وسعد محمد رحيم قاص وروائي وكاتب عراقي، ولد في العراق* ديالى 1957.
حاصل على بكالوريوس اقتصاد من كلية الإدارة والاقتصاد *.عمل في التدريس وحقل الصحافة.
صدر له 6 مجموعات قصصية، وأربع روايات، فضلا عن العديد من الكتب الفكرية والنقدية، وحصل على جوائز عديدة منها جائزة الإبداع الروائي في العراق عن روايته (غسق الكراكي)، وجائزة أفضل تحقيق صحافي في العراق، وجائزة الإبداع في مجال القصة القصيرة/ العراق عن مجموعة (زهر اللوز)، وجائزة كتارا للرواية العربية، فئة الروايات غير المنشورة 2016، ومرشح لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية (القائمة القصيرة) 2017 عن روايته “مقتل بائع الكتب”…

* كيف كانت البدايات..
ومن هم الكتّاب الذين تركوا أثرا فيك وشكلوا مرجعيتك..؟
** مبكراً جداً تملّكني هَوَس الكتابة..
لعلّ لحظة التجلّي الأولى كان وأنا في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري..
يومها وقعت على نصوص منهاج مادة المطالعة للصف الخامس الابتدائي فرحت أقلِّدها، ولا شك بشكل ساذج..
كان ذلك اكتشافي الأول لطاقة الكلمة وسحرها..
من ثم فوجئت بعدد وفير من الروايات البوليسية في مكتبة أحد أقربائي فالتهمتها ذات صيف بعيد..
بعد ذلك أرشدني صديق حاذق إلى أسماء مؤلفين كبار فوجدت كتب بعضهم في تلك المكتبة..
الكتاب المبهر الأول الذي استحوذ على مشاعري كان (يوميات نائب في الأرياف) لتوفيق الحكيم..
ووجدتني أقرأ أكثر من عشرين كتاباً لهذا المؤلف الفذ..
قرأت (الأيام) لطه حسين أيضاً وبضعة كتب أخرى له، قبل أن اكتشف نجيب محفوظ..
خلال هذه الرحلة الممتعة بت أتحسس بشكل غامض قوام الكاتب الذي بدأ يتشكّل في إهابي..
مع رواية (ميرامار) لمحفوظ أعلنت للمرة الأولى في حضرة صديق نصف مندهش ونصف ساخر بأني سأعمل المستحيل من أجل أن أغدو روائياً..
وحتى هذه الساعة ما زلت في ريب من نجاحي في تحقيق حلمي ذاك.
بمرور السنين تنوّعت مصادر قراءاتي من الأدب الروسي إلى الأدب الأمريكي والأوروبي والياباني، إلى قراءات في حقول الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد والاجتماع والتاريخ، الخ..
حين تقرر أن تغدو روائياً عليك ألاّ تكتفي بقراءة كتب الأدب فقط.
* المتتبع لإعمالك الروائية أو الفكرية يلحظ خطا واحدا متواصلا يبحث ويستقصي “المصير الإنساني ووجوده في حياة قانونها الخسارة والاندحار”..
هل نتحدث هنا عن مشروع روائي أو فكري للكاتب سعد محمد رحيم؟
** لست أزعم أن الخسارة والاندحار قدر نهائي ثابت للإنسان..
وإذا كان هذا الجيل، لاسيما في بلداننا العربية قد أخفق إلى حد بعيد في صناعة مشروع حضاري ناجز، فيبقى هناك دوماً بصيص من النور والأمل يلوح في أفقنا ويمنحنا شيئاً من التفاؤل.
حاصرتنا الخسارات والهزائم، وكان لابد من أن ينعكس هذا المآل على كتاباتنا..
ولم يكن من المعقول أن نقول إن كل شيء على ما يرام فيما الأرض تحت أقدامنا زلقة والهاوية قريبة..
صوّر كتاب القرن التاسع عشر بمهارة مذهلة أوضاع روسيا وأوروبا المتردية وآمال شعوبها.
وكانت كتاباتهم، لاسيما في حقل الرواية وثائق دامغة عن تلك الأوضاع، وشهادات عقول ذكية، وخطابات تنوير ساهمت في عمليات التغيير الكبرى فيما بعد.
وهذا ما يجب أن يحصل عندنا أيضاً.
أنطلق في كتاباتي كلها، الفكرية منها والسردية، من رؤية خاصة ذات بعد وجودي ثيماته الحياة والحرية والحب والمصير والموت.
وهي تندرج جميعاً كما أحسب في ضمن مشروع الغاية منه فني وتنويري في آن معاً..
لا أروم تهريب خطاب سياسي مسبق بوساطة الرواية..
لست مع الرواية التي تُكتب لدواعٍ سياسية محضة.
بل مع الرواية التي تتخلّق بشروط الفن وقيم الجمال، برؤية إلى العالم شاملة وناضجة..
مثل هذه الشروط وهذه القيم وهذه الرؤية من شأنها أن تجعل من الرواية المنجزة وثيقة سياسية ذات تأثير صارخ.

* تميل دائما في قصصك ورواياتك إلى المزاوجة بين لغة الشعر ولغة النثر، والتي تصل، أحيانا، إلى حد المبالغة، في تغليب الصفات الشعرية على الصفات السردية؟
** القاعدة التي استوعبتها منذ البدء هي أن جمال النص الأدبي في صفاء لغته أولاً.
لكنني في الفترات المبكرة من حياتي الأدبية أثقلت نصوصي بالجمل الشعرية الفضفاضة متوهماً أن هذا هو الأدب الجيد…
كنت أكبح عفويتي في الكتابة وأخلق لنفسي العثرات..
فيما بعد عانيت في سبيل استعادة تلك العفوية.
الأدب هو اللعب باللغة، واللعب باللغة يشترط امتلاك حساسيةٍ وحدسٍ وشغفٍ في العلاقة مع اللغة.
مع روح اللغة..
في جعل اللغة مرنة ومطواعة، وأن يكون التعاطي معها تلقائياً إلى حد بعيد.
في ضبط الإيقاع بين الذهن الذي يفكِّر ويتخيّل، واللغة المبذولة ممكناتها، والأصابع التي تكتب.
الخطير في الكتابة السردية هو الوقوع في أسر البلاغة الطنانة..
في اختيار كلمات لا تناسب موقعها في الجملة..
في فقدان الإيقاع الذي ينظِّم كلية بناء النص ومنه النص النثري.
وحين نقول النثر الأدبي فهذا لا يعني اللغة الجافة الخالية من الطراوة..
ففي لغة السرد، مثالاً، لابد من توافر شحنة شعرية تمنح النص مسحة من السحر، لاسيما مع انفتاح الأجناس الأدبية بعضها على بعض.
* ملفتة علاقتك الحميمة بالمكان، والذي يبدو من خلال تناولك لتفاصيله الدقيقة، وكأنه جزء فاعل في حركة وتكوين وبناء الشخصيات السردية..
؟
** علاقتي حميمة مع الأمكنة التي عشت فيها..
إنها مرتع ذكرياتي وأحلامي.
وهي منبع الصور التي اختزنتها في داخلي فراحت تعينني في عملية الكتابة..
لكل مكان شخصيته وعلينا أن نفهم هذه الشخصية ونحسن طريقة التعامل معها إذا ما أردنا أن ننقلها في شكل صور إلى النص.
وأظنني من النوع الذي يتآلف مع الأمكنة بسهولة حتى تلك التي أمرّ بها بشكل عابر، فسرعان ما أفترض أن هذا المكان هو مسرح لمشهد درامي سردي..
والمكان يضفي على شخصية ساكنيه أشياء من روحه وطبيعته..
فالبشر أبناء أمكنتهم كما هم أبناء زمانهم.
وهذا ما يجب أن يستوعبه كل كاتب يهمّه صياغة العالم بوساطة الكلمات.
أبغي رؤية الاستثنائي في المكان.
وحتى أمكنتي المتخيلة في بعض أعمالي السردية أضع عليها مسحة تجعلها فريدة.
وأعرف أن في كل مكان إذا ما أمعنا النظر ودققنا في التفاصيل يمكن أن نجد ما هو ساحر وجميل.
* ثنائية الصحفي الاستقصائي،..
والروائي المبدع..
كيف كان تأثير كل منها على الاخر في رواياتك ؟
** لي خبرة وإن لم تكن واسعة في الصحافة الاستقصائية..
بعد احتلال العراق وسقوط النظام السياسي السابق في ربيع العام 2003 كُلفت من قبل جريدة المدى بكتابة تحقيقات وتقارير تخص الوضع الساخن في مدينتي التي أعيش فيها، وهي بعقوبة (60 كلم شمال بغداد)..
لم تكن المهمة سهلة، وكان عليّ أن أتنقل من غير أن أثير الانتباه، وأن ألتقي الناس والمسؤولين وأنا على حذر.
وكنت أنشر تقاريري وتحقيقاتي الصحافية، في معظم الأحيان، وليس عليها اسمي.
كانت تجربة مثيرة وممتعة ولا تخلو من الخطورة بطبيعة الحال، لاسيما أن أصدقاء وزملاء لي من الكتّاب والصحافيين قد هُددوا، وبعضهم جرت تصفيتهم..
وفي النهاية تعرّض منزلي لعمل إرهابي فتهدم نصفه، ولكننا، أنا وعائلتي، والحمد لله، نجونا بأعجوبة وغادرنا المدينة.
تعلّمت من تلك التجربة الكثير..
وما كان لي أن أنجز رواية “مقتل بائع الكتب” بالشكل الذي ظهرت به لو لم أشتغل صحافياً يبحث عن المادة التي تعينه على كتابة تقاريره وتحقيقاته في تلك المدينة وفي ذلك الزمن.
* يلاحظ تشابه التقنيات في كل من “غسق الكراكي” و”مقتل بائع الكتب” من جهة عدم الالتزام بالنسق التتابعي التقليدي..
واعتماد النسق الاسترجاعي والدائري والمتداخل، والتكرار.
فما الذي يحدد اللجوء إلى هذه التقنية أو تلك..
وكيف تنظر إلى موضوع التجريب والحداثة في العمل الروائي..؟
** لا انطلق من خطاطة شكلية وأحقنها بحكاية وموضوع، وإنما أجعل المتن الحكائي هو الذي يقترح الشكل الملائم له.
وفي البدء تكون لديّ صورة غامضة عن شخصية في موقف أو مشهد يجسِّد علاقة بين أكثر من شخصية في حالة تواصل أو صراع، ومن ثم يأخذ كل شيء مساراً ذات طبيعة درامية، ويتطور الموقف أو المشهد إلى مواقف ومشاهد أكثر تداخلاً وتعقيداً، ومن خلال ذلك يتشكل النص على وفق النسق أو الأنساق المتوافقة معه.
وهذا ما حدث في أثناء كتابتي للعملين المذكورين على الرغم من أن المسافة الزمنية بينهما تصل إلى خمس عشرة سنة.
ومع هذا هناك تباين في اللغة والأسلوب بين الروايتين اللتين تصوِّران شخصيات وعوالم وأحداث مختلفة.
باعتقادي أن تحديث النص الروائي يتعلق بمضمون رؤية الكاتب إلى الذات والعالم..
وكلما كانت الرؤية ناضجة ومتقدمة كلما عثر الكاتب على ضالته في تحديث أسلوبه ولغته.
وماذا يقول الكاتب في نصه وكيفية قوله أمران متلازمان، وإلا سيكون النتاج مختلاً وهشاً وضئيل القيمة.
فنحن نجرِّب دائماً، وكل عمل جديد فيه قدر من التجريب، والإيغال في التجريب قد يخرّب العمل السردي إذا ما فقد الكاتب طرف الخيط واستغرق في المعمّيات.
* أيضا هناك تقارب بشكل ما بين نصي الروايتين..(اليوميات..الرسائل.. مها المهاجرة إلى ألمانيا.. وجانيت الباريسية)؟
** ربما هناك تقارب وتشابه في بعض مسارات الروايتين، وهذا من طبيعة الأمور..
ففي الحياة ذاتها على الرغم من تعدد صورها وحالاتها نجد ثمة متشابهات ومتطابقات..
مها العراقية المهاجرة غير جانيت الباريسية المقيمة في مدينتها..
وحتى تجربة محمود المرزوق المهاجر، بطل رواية (مقتل بائع الكتب) لا تُناظر تجربة مها في (غسق الكراكي) وإلى حد بعيد، كما هي طبيعة شخصيتيهما..
أما بخصوص اليوميات والرسائل فهي وسائل تعبير وتواصل بين شخصيات تُغني النسيج السردي وتمنح الرواية شيئاً من الحيوية وتخرجها من المسار الرتيب للأحداث، وتساهم في تنويع وجهات النظر.
وهذه تقنية مطروقة في كثر من الروايات.
يستخدمها كل روائي بحسب منظوره الفني.
* استوقفني اسم روايتك “غسق الكراكي”..
كيف تم اختياره..وهل لهذا علاقة فعلا بالرؤيا التي تتحدث عنها في الرواية..؟
** في البلدة التي عشت فيها طفولتي واسمها (السعدية) كانت الطيور المهاجرة تأتيها بأعداد كبيرة ومنها الزاغ والزرازير واللقالق والأوز البري.
وكان هناك نوع آخر يقبل بعدد قليل يذهلني منظره عند الغدران، أو حين يحلِّق، وهو (الكراكي). وكان مشهد رحيل الطيور في نهاية الموسم يملؤني بالأسى والحنين..
كانت الكراكي تختفي على حين فجأة، فأنتظر عودتها في السنة التالية، فقد كان وجودها يثيرني لأنها نادرة، هاهنا، وغريبة وجميلة.
حين بدأت بكتابة (غسق الكراكي) اقترن موت بطلها في الحرب، في ذهني، بصورة الكراكي الراحلة..
جعلت من مرأى كركي في ساعة الغروب في اليوم الأخير قبل رجوعه إلى دياره معادلاً صورياً موضوعياً لرحيل بطل روايتي، فكان هذا العنوان.
وهناك مقالة نقدية للأديب الشهيد مؤيد سامي عن كيفية اشتغال عنوان (غسق الكراكي) في متن الرواية.
* الملفت في رواياتك، بشكل عام، هو ذلك التماهي بين الواقع والمتخيل، إلى الدرجة التي يصعب فيها التمييز بين الحدود الفاصلة بينهما؟
** كل روائي مرجعه الواقع مهما اشتط به الخيال..فهو يرتِّب الواقع ويعيد خلقه عبر الخيال، غير مكتفٍ بمحاكاته.
ولكي تشتغل آلة الخيال بجودة فائقة لابد من أن يكون الروائي قد تشبّع بصور الواقع وروحه وتاريخه.. فالخيال لن يكون خلاقاً من غير حساسية واقعية.
وهذا ما أدركته لحسن الحظ وأنا في بدء مسيرتي الأدبية، المسافة بين الواقع والخيال تتلاشى في أثناء الكتابة.
وكلما كان الكاتب صادقاً أكثر مع نفسه كلما بدا ما هو متخيل في كتابته وكأنه من رحم الواقع.
الشخصية التي ابتكرها في رواية أسعى لأن أفهمها جيداً في إطار حياتها والظروف التي كوّنتها، وأعطيها حريتها في التصرف وفي القناعات، وأتعاطف معها حتى وإن كنا على خلاف في الرأي والموقف.
وربما يفسِّر هذا ما ذهبت إليه بسؤالك.
* يلاحظ أن معظم الشخصيات الفاعلة في رواياتك هم من المثقفين والمتعلمين..
وفي الوقت نفسه قدمت صورة المثقف بوصفه الإنسان “اللامنتمي، الحائر، القلق، السلبي إلى حد ما، المملوء بالتهكم، المتسائل من غير توقف، والمتقلب على جمر السياسة”؟
** نعم، ملاحظتك هذه دقيقة تماماً..
غالباً ما أختار الشخصية المثقفة ليكون البطل أو الراوي في أعمالي الروائية، لأن المثقف في واقعنا العراقي والعربي شخصية إشكالية في الغالب، له وجهة نظر، ويمتلك القدرة على التعبير عنها، فالمثقفون كانوا فاعلين اجتماعيين وسياسيين، وما زالوا..عملوا على تغيير الوضع القائم، أو في الأقل حلموا بذلك.
ودعوا إلى التمردات والثورات، وفكروا بمشاريع وطنية وقومية كبيرة مُني معظمها بالفشل.
فحياة المثقفين في مجتمعاتنا العربية ذات طابع درامي أكثر من حياة أية شريحة اجتماعية أخرى.
التوصيف الذي أعطيته للمثقف بأنه اللامنتمي القلق والمتسائل والخائض في معترك السياسة يصلح دائماً لشخصية روائية مثيرة ولافتة للانتباه، فهذا حال كل أبطال السرد العظام..
جلجامش كان مثقفاً له رؤية في الوجود، في الحياة والحب والموت..
دون كيخوته نفسه لم يخرج من بيته إلا بعد قراءته لعدد كبير من روايات الفرسان.. أبطال ديستويفسكي مثقفون.. ينطبق الأمر على كثر من شخصيات الروايات الكبيرة.
* وبالتالي ما هو دور المثقف برأيك..
وكيف ترى موقفه من ثورات الربيع العربي من جهة، وعلاقته مع السلطة السياسية من جهة أخرى؟
** الموقع الذي يختاره المثقف في الخريطة الاجتماعية، والرؤية التي يتبناها، هما اللذان يحددان طبيعة وظيفته ودوره.
وإذا كان لهذا الدور وتلك الوظيفة بُعد سياسي بالضرورة فهذا لا يعني أن يأخذ المثقف مكان السياسي ودوره، فعلى المثقف، وأقصد به، ها هنا، الفاعل في إنتاج الثقافة تحديداً، أن يكون في قلب الواقع، وعلى مسافة منه، في الوقت نفسه، لكي يرى التفاصيل بوضوح.
فصورته ناقداً ومعارضاً ومفصحاً عن قيم الحق ترسم فحوى وظيفته.
أما فيما يتعلق بالربيع العربي الذي أعدّه الحلم الذي أُجهض، فقد بدأ بانتفاضة سلمية لمثقفين تنويريين مدنيين وانتهى غالباً إلى تصدّع مجتمعاتنا قبلياً وطائفياً..
هذا التحوّل الملتبس والغامض هو من جهة، وبحسب رأيي، نتاج مجتمع لا يمتلك حتى الآن شروط تأسيس وخلق حياة سياسية مدنية، عمادها العدالة والديمقراطية وقيم المواطنة، ومتجاوزة للهويات الفرعية.
وهو من جهة أخرى إفراز لتدخلات دوائر استخبارية إقليمية ودولية استضعفتنا، وتجد مصلحتها في تخريب حياتنا.
* في كل رواياتك كان البطل يطمح ويتمنى كتابة رواية؛ “حلم حياتي الكبير أن أكتب رواية”..
فضلا عن أننا رأينا الروائي سعد في كل الشخصيات فهو (كمال في غسق..)، و(سامر في ” ترنيمة)، و( ماجد في مقتل..).هل نحن أمام سيرة ذاتية من نوع اخر؟
** إن لم تكن الرواية التي تكتبها مستمدة في تفاصيلها من سيرتك الذاتية، فظلال من هذه السيرة لابد من أن تمتد إلى تضاعيف روايتك..
نحن نكتب حياتنا..
نعكس في كتابتنا صوراً من العالم الذي خبرناه.
وحتى مخيلتنا هي ابنة مغامرتنا في العالم..
أعترف أن في كل شخصية ممن ذكرت شيء مني..
لكني لا أحبذ أن يطابق القارئ بيني وبينها، لأنها أيضاً ليست أنا بأية حال، فلكل منها مزاياها المستقلة وتجربتها المختلفة عن تجربتي..
الرواية صَنعة خيال، وعملٌ فني القصد منه جمالي أولاً يشيع المتعة عند قارئه.
ويعُرّفه على عالم بديل مكافئ لعالمنا ثانياً..
* بالتالي إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته..؟
** هذه المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة..
كيف يستطيع الكاتب أن يمنح لشخصياته الاستقلال والحرية الكافية من غير أن يفقد إرادته الضابطة لبنية الرواية وإيقاعها..
قد يتدخل المؤلف للحد من غلواء شخصية ما، وسيطرتها على مساحة أكبر من استحقاقها..
إذا ما تمادت شخصية ما في فعلها فلربما تتحول إلى عنصر مخرِّب للنص..
براعة الكاتب تكمن في ضبط اتجاه العمل مع البقاء على الحياد في ما يتعلق بصراع الشخصيات ومواقفها المتضادة..
والحياد يعني أولاً أن لا يصدر الكاتب حكماً على أي من شخصياته المتخيلة، كأن يقول عن إحداها بأنها شريرة أو مجرمة أو طيبة أو جبانه..
دع القارئ يستنتج هذا كله.
والحياد يعني ثانياً أن تجعل كل شخصية تتصرف على وفق طبيعتها وسياق الحدث الذي تتورط فيه.. التصنّع يقتل النص.
* رأى البعض في (ترنيمة امرأة..
شفق البحر) أن “سامر وصديقته” قد أخذا مساحة كبيرة في السرد، مما ساهم بضمور أو تلاشي الشخصيات الثانوية، وبقاء الحدث ساكنا، ما رأيك؟
** سامر وكلوديا هما بطلا الرواية الرئيسان..
استحوذا على مساحة واسعة من السرد، ومن الحكاية.. مُنحا فرصاً كبيرة للتعبير عن نفسيهما.
وأعتقد أن هذا هو ما يحصل في معظم الروايات..هناك في أية قطعة سردية، وفي أكثر الأحايين، شخصيات رئيسة وأخرى ثانوية..
لكن هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى في (ترنيمة امرأة) أُهملت، وسُلب حقها في التعبير.
يلتقي القارئ بشخصيات خالد وحنان ومايكل أيضاً، والتي استطاعت أن تثبت حضورها في الرواية من خلال علاقتها بالبطلين، وبالتعبير عن نفسها.
والنقاد الذين تناولوا الرواية في مقالاتهم ودراساتهم لم يستطيعوا تجاهل الشخصيات التي ذكرتها وغيرها من شخصيات الرواية.
لأنه من غير وجود هذه الشخصيات الثلاث ما كان للرواية أن تظهر بالشكل الذي ظهرت به.
هناك نمو في الحدث، وتحوّل في وعي الشخصيات وقناعاتهم، فكيف، إذن، يمكن أن يكون الحدث ساكناً.
* المكان والهوية تيمة أساسية في كل رواياتك..
ولديك موقف واضح ضد الهجرة والغربة..
والدعوة للعودة إلى الوطن.. ما هو مفهومك للهوية الان في ظل العولمة ؟
** لست ضد المهاجرين والمغتربين..
أعرف الظروف العسيرة والقاتلة التي قادت الملايين إلى الهجرة من أوطانهم؛ الفقر والاستبداد والظلم وانعدام الفرص، والأخطر من ذلك؛ الإرهاب والحروب.. نعم، أتمنى أن يعود المغتربون إلى أوطانهم ليساهموا في بنائها، لكني لا أمتلك الحق في لومهم إن لم يفعلوا، فهم أحرار، ولكثرٍ منهم ظروفهم القاهرة التي تحول دون عودتهم.
دخولنا إلى عصر العولمة غيّر مفهوم الهوية..
لم يعد البشر محاصرين في جزر معزولة.
وكان للهجرة والاغتراب دورهما المؤثر في ذلك.
تشظّت الهوية بعدما صار التواصل بين المجتمعات أسهل من أي وقت مضى، وأصبح للفرد أكثر من انتماء واحد، وجرى اختراق الحدود التي وجدت في العصور الماضية.
ولا أقصد بالحدود؛ الجغرافية منها فقط، وإنما السياسية والاقتصادية والنفسية.
فضلاً عن قنوات التفاعل الثقافي التي تعددت بفضل اتساع أنطقة السفر والهجرة والاتصالات والمعلوماتية والإعلام والترجمة والتبادل العلمي والمعرفي..
ولكن بالمقابل كان لكل هذا ثمنه الباهظ من الأزمات والمشكلات التي يطول الحديث عنها.
* كان هناك دعوة إلى التصالح مع الغرب بشكل او بأخر في كل من “غسق..” و”ترنيمة..”..؟
** الفجوة المعرفية والتكنولوجية والثقافية التي بيننا وبين الغرب مهولة، وهي التي تعترض إلى حد بعيد أية صيغة متقدمة للتفاعل الحضاري معه.. لا يستطيع الغرب إلا أن ينظر إلينا نظرة استعلائية حذرة.
وفي وضعنا الحالي لسنا مؤهلين لنكافئ الغرب في أي مقترح للشراكة العادلة العابرة للحدود.
وإذن علينا أن نخرج من سلبيتنا وعطالتنا وحياتنا الاستهلاكية المبتذلة ونكون منتجين في حقول العلوم والمعارف والصناعات كافة لكي نفرض على الآخرين احترامنا.
فما يحكم العلاقات الدولية ليس القيم الأخلاقية والدعوات النبيلة، وإنما حقائق القوة.
الغرب ليس كتلة صلدة ذات هوية جوهرانية واحدة، وكذلك نحن.
وهذا التقسيم الذي يضع العالم في خندقين متقابلين متصارعين وإلى الأبد زائف ومصطنع، أوجدته مؤسسات ذات مصالح خاصة.
وعلينا أن نجترح عملياً قنوات للتواصل مع شخصيات ومؤسسات غربية ذات فعالية في مجتمعاتها، لتبديد الكثير من سوء الفهم الذي يطبع تصورات كل طرف عن الآخر..
وهذا، بطبيعة الحال، لا يكفي.
أقول أخيراً؛ ما لم نصلح أنفسنا وأوضاعنا لن نرغم الآخر على محاورتنا بشكل جدّي ومثمر.
* لماذا إصرارك على إبعاد “شبح” مصطفى سعيد (بطل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح) عن سامر في ترنيمة امرأة..؟
** لا علاقة لسامر بمصطفى سعيد..
تجربة هذا تختلف جوهرياً عن تجربة ذاك.
وكل منهما خبر العلاقة مع الآخر على وفق رؤيته وطريقته والظروف التي صادفته..
تجربة مصطفى سعيد تنتمي للسياق الكولونيالي، فيما تجربة سامر تلامس إفرازات عصر العولمة..
عبرَ مصطفى سعيد البحر، وهو يافع، باتجاه الغرب للدراسة والإقامة لمدة طويلة نسبياً، بموافقة الإدارة الاستعمارية.
كان بلا ذاكرة مثقلة، فنما وعيه شيئاً فشيئاً بإشكالية العلاقة بين من يقيمون في هذه الجهة من البحر ومن يقيمون في الجهة الأخرى.
أما سامر فذهب تحت وطأة ذاكرة معذبة وجريحة، كان عبوره لا شرعياً، وإقامته مؤقتة، ظاناً أنه ربما سيعثر على حل لمعضلته الوجودية، لكن الأمر لم يكن كذلك..
كان مصطفى سعيد أكثر تماسكاً ويقيناً وهو يختار مصيره، فيما بقي سامر حائراً حتى اللحظة الأخيرة.. فكلٌ منهما ابن زمانه.
* يلاحظ اتجاه في الرواية الجديدة نحو الغوص في المحرّمات (الجنس والسياسة والدين)..
هل تراها موضة أم ضرورة؟.
وكيف تتعامل مع هذه المواضيع في ضوء الرقيب الداخلي المزروع فينا..والرقيب الخارجي المتمثل في السلطة السياسية..؟
** لا معنى أن تكتب رواية من غير أن تتحرش بالمحرّمات.. كل رواية في سياقنا التاريخي الحالي يجب أن تكون خطاباً تنويرياً ناقداً ووثيقة اعتراض وإدانة.
فلا تنوير من غير ازدهار فن الرواية.
وإذا كانت حالنا لا تسر فلا بد من أن نوظِّف آدابنا وفنوننا كي نخرج من الخانق الذي نحن فيه.
لست أدعو الكتّاب إلى الانطلاق من أفكار مجردة وتلبيسها رداءً حكائياً.
وإنما أن يكون الكاتب ممتلكاً لرؤية إلى الذات والعالم تعينه على إثراء الأفق الدلالي لنصه.
على الكاتب أن يبطش بالرقيب الداخلي، وأن يراوغ الرقيب الخارجي ويتحداه، وإلا لماذا لا يختار لنفسه مهنة أخرى؟.
أنا من جيل تعلّم كيف يناور بالكتابة، حتى صارت المناورة عندنا تقنية سردية.
* سؤال أخير..
وصلت روايتك إلى القائمة القصيرة للبوكر هذا العام..
وقبلها فزت بجائزة كتارا.. وكنت فزت بجائزة الإبداع الروائي في العراق.. ما الذي يعنيه الفوز وما الذي يرتبه على الكاتب..؟
** لا أكتب على وفق المقاسات الافتراضية للجوائز.. أكتب بحسب ما يمليه عليّ تفكيري ومزاجي وضميري.. أحاول مقاربة الواقع من زاويةٍ هي لي، وبلغة موقّعة ببصمتي، وبأسلوب يعكس شخصية الروائي التي في إهابي..أقول؛ أحاول، وأعاني، ولا أعلم إن كنت أنجح أو أخفق.. هذا متروك لتقويم الآخرين وذائقتهم..
للمتلقين من نقاد وقراء..في كل لحظة أحيل العالم إلى مجال نظر ذلك الروائي..أتمثله في روح الروائي الذي يسكنني وأعده المادة الخام لروايات أحلم بكتابتها..هذه حياتي منذ زمن بعيد..
وأسعى أن تظل كذلك وإلى الأبد.
الفوز بجائزة أدبية لأي كاتب لحظة نادرة مفرحة، لكنها بالمقابل تضعه أمام مسؤولية مضافة، تفرض عليه أن يبقي معاييره عالية في مجال الإبداع، وأن يطوِّر لغته وأدواته الفنية ويُنضج رؤيته.
لأن من يعتقد أنه حقق كل شيء بنيله لجائزة ما، سيجد نفسه بعد ذلك في حالة تراجع وهبوط.

إلى الأعلى