الإثنين 1 مايو 2017 م - ٤ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / هل ينتج الفنانون التجريديون اليوم وفق الخلفيات الفلسفية والجمالية للتجريدية أم هو مجرد استسهال للعملية الإبداعية؟

هل ينتج الفنانون التجريديون اليوم وفق الخلفيات الفلسفية والجمالية للتجريدية أم هو مجرد استسهال للعملية الإبداعية؟

يقول بابلو بيكاسو “أتقن القواعد كمحترف، حتى تتمكن من كسرها كفنان” أحب جدا هذه المقولة وأرى أنها تختزل في كنفها كل ما يجب على الفنان أن يكونه، استحضرتها مرارا وتكرارا في العديد من المواقف وها أنا أستحضرها اليوم في موقف جديد وهو التساؤل حول ما إذا كان الفنانون التجريديون اليوم يجيدون فعلا قواعد الرسم حتى يتمكنوا من كسرها والتوجه إلى التجريد وهم فنانون؟
لماذا هذا السؤال؟ أليس من المهم ترك الفنان يعبر بحرية دون إخضاعه الى التساؤلات؟
أقول هذا السؤال مهم اليوم أمام ما نشهده من كميات هائلة ممن يمتهنون التجريد ولا علاقة لهم بالفن لا من قريب ولا من بعيد، وطبعا البوابة الأقرب الى دخول هذا الميدان هي التجريد بماهو حسب رأيهم أسلوب تعبير لا يتطلب منهم أن يجيدوا الرسم، وتجريدهم لا علاقة له بالخلفيات الفلسفية والجمالية التي قامت عليها التجريدية كحركة فنية لها أسسها وكما قلنا خلفياتها المتنوعة.
من المهم اليوم ودائما وأبدا أن يجيد الفنان وخاصة التجريدي قواعد الرسم الكلاسيكية لان ذلك سينعكس تلقائيا على أعماله من حيث حسن إستغلال المساحات وتوزيع واختيار الألوان والحنكة في وضع المتلقي في وضعية التساؤل والتفكير أمام الأثر الفني، من خلال الشحنات والطاقات الرمزية الشكلية واللونية التي يبثها فيها، وليس حالة الإغتراب التي يعاني منها الأغلبية اليوم. الكثير من الدخلاء اليوم على الميدان الفني يتفننون في إعطاء صورة بائسة عن التجريد والتجريديين الحقيقيين، يكررون طرقا وأساليب قديمة في وضع الألوان وسكبها ورشها على القماشة بدون دراية او حتى أدنى معرفة بخلفية ظهور تلك الأساليب. والتي جاءت أغلبها كحركات تمرد على ما سبقها ومحاولة ايجاد سبل جديدة للاقتراب والعودة الى الذات والداخل والروحي واعطائه مساحة للتجلي في المحسوس والعكس صحيح محاولة اعطاء المحسوس بعدا روحيا متساميا يقطع مع حقيقته المادية.
فلنتفق أولا وقد سبق وذكرنا “أن العنصر الذي يحدد الأثر الفني في المقاربة التجريدية ليس هو الأثر-الموضوعي بل الأثر –الذات، هي إذا مقاربة ترجع الأثر إلى الفنان، العمل الفني التجريدي من هذا المنطلق يصدر عن ذاتية الفنان عن موهبته وإبداعه بماهو تشكيل صوري للمادة”، ولكن أثر الذات على المادة لا يعني خلو هذا الأسلوب من الوعي وإعتماد الفنان كليا على التلقائية وعن جهل بما هو بصدد القيام به كما يحدث اليوم لدى الكثيرين، بالعكس فهيقل يثبت أن وظيفة الفن تنكشف تحديدا في تمثيل حقائق الروح عبر المعطيات الحسية. هو وعي جمالي(استيتيقي) يضفي مضمونا جماليا على الطبيعي. فالجمال الفني يظل بالنسبة له أرقى من الجمال الطبيعي، بمعنى أن “الاثر الفني التجريدي يحقق وظيفة ذاتية وميتافيزيقة بما هو مناسبة لتمكن الروح والفكر من النفاذ للمادة وافساح المجال للروح لان تتجلى في المحسوس” فهو يسمو بالشيئ بتضمينه مضمونا روحيا فما يثيرنا في الاثر التجريدي اذا هو ما يحمله الشي المادي ويجسده وليس هو الشيء في حد ذاته. وهذا ما يجب على من يريدون التجريد اليوم فهمه والعمل وفقه.
والتجريدي من هذا المنطلق هو في عداء تام مع المكان والفضاء المادي باعتباره عائقا يجب اخفائه بالتمثلات الفنية من خلال الاتجاه نحو العمق الذي يوجد في منطقة الوجود الإنساني زمن التجريد، هو معاداة لكل نظم الأشياء المادية، هو لا يثق بالعالم المادي والموجودات، ولحظة التجريد يجب أن تنشأ لدى الفنان حسب ورانغر “من خلال ذلك الإضطراب الداخلي الذي ينتابه ساعة وجوده بين الأشياء أو قربه منها، هي لحظة تستتبع ضربا من الموقف القلق اي الموقف الذي يعتقد أن المواضيع المادية تؤذي النظر بمعنى تمنع الفنان عن الرؤيا الفنية، حيث يقول وارنغر”إن الدفع الفني الأصيل في الفن التجريدي لا صلة له بمحاكاة الطبيعة فهو دفع يسعى وراء التجريد المحض بصفته الامكانية الوحيدة للراحة داخل غموض صورة العالم وظلمته وهو يخلق التجريد الهندسي انطلاقا من ذات الفنان وتشكل فطري محض، إنه التعبير المكتمل بل التعبير الوحيد المتصور لدى الانسان عن التحرر من كل ماهو اعتباطي ومن كل زمنية لصورة العالم المادية” من هنا نستنتج أن الاعلاء مفهوم اساسي في الفن التجريدي، اعلاء المحسوس عبر الصورة المجردة، اعلاء يدفع بالنزعة التجريدية التحررية نحو الامام من خلال عدم الميل الى المحاكاة وتفادي التشخيص وتكرار المحسوس المادي. حيث يعتبر فرويد أن الفن هو هروب من الواقع وتعويضا عن الحرمان والكبت، كما يرى أن من وظائفه أيضا أن يثير فضولنا وأن يدفع بنا إلى التفكير في المعاني التي يخفيها والدوافع الدفينة التي يعبر عنها. بمعنى أن الأثر الفني التجريدي هو أعمق فلسفيا وجماليا من أن ترش او تصبغ القماشة بعدد من الألوان والخامات لمجرد معاداة الواقع والقطع مع المحاكاة بل يجب أن يدعونا الى التفكير، والتفكير والتأمل لا يحدث من ذات لا تجيد إختيار الألوان وإستقاء الرموز وحسن توظيف اللون كظاهرة مستقلة بذاتها. يجب اذا على التجريدي أن يكون فنانا مفكرا والأكثر وعيا لأن وظيفته ستكون أعمق تجاه المتلقي الذي سيواجهه بكثير من الإلغاز والإبهام.
وبالتالي الفن التجريدي هو تحرير الاثر من المحسوس ومن القيود التي تفرضها عليه الطبيعة وقانونها الذي يخضع لفعل الزمن من تعيّر وتحوّل واندثار بما هو تثبيت وتأبيد لما ينطبع في ذات الفنان وليس محاكاة لما يوجد في الواقع، فنقطة التقاء التجريدي والأشياء تتمثل في إكسابها مضمونا روحيا، ويصبح للروحي حضور حسي بالمقابل، من خلال ترابط فعل الوجود وفعل التلوين وترابط بين اللون والمعنى هو ذلك الانتقال من اللاملون الى الملون من الكم الى الكيف. فاللون حسب مالفيتش يساهم في جمالية الاعلاء حيث أن اللوحة ليست جامدة لا توجد اشكال بل توجد قوام وحركات وقوّة حيّة من خلال أفضلية اللون على الشكل فهو لا يشخص بل يجرد، هو عنصر يعبر عن ظاهرة محضة، هو ليس جزءا من الفضاء الخارجي بل هو يعد والعبارة لكاندنسكي”وجودا ذاتيا” وظاهرة مستقلة.
فأمام الظاهرة الملونة لا تكون العين أمام معطى مادي بل أمام وجود يحيل الى شيء خارجي، اللون هو حضور يملأ الفراغ روحيا وليس ماديا حضور يسهم في بناء مسار المنعطف الروحي.
مسار المنعطف الروحي الذي تحدث عنه كاندنسكي هو المسار الذي يفضي الى شكل من الوجود الروحي اي شكل من تهديم منهجي للمادة وإجراء فني لتحقيق العود الأبدي الى الوجود الأسمى، هو تهديم لتحقق الذات العودة الى ذاتها ولمعايشة حياتها الداخلية، فالمنعطف او التهديم يفهم فلسفيا هنا على أنه عودة الى معيش الذات الى ما يمكن أن تحققه من تجارب وآفاق خاصة وهو يفهم فنيا كتجربة او كممارسة على أنه إلتزام الفنان كاندنسكي بأن يمنع نظرته إلى الإلتفات الى الاعراض الخارجية وأن يوجهها الى ذاته”أن يبني حجبا بينه وبين الأشياء” من هنا نفهم جليا توق الفنان نحو اللاطبيعي والمجرد نحو الداخلي.
وبالتالي يقصد الفنان التجريدي بحق غاية روحية عندما يحيد المادة التي يستخدمها ويظهرها ضمن افق صوفي وحدسي ويجعل بالتالي من ادوارها رمزية تحيل الى ما يحصل في الداخل، تستخدم كما لو أنها رجع صدى داخلي حيث يقول كاندنسكي في كتابه الروحي في الفن “الفنان يتسامى بالطبيعة الميتة ويماثل بينها وبين المواضيع الحيّة فهو يعامل هذه المواضيع معاملة الإنسان لأنه يتمتع بهبة رؤية الحياة الداخلية حيثما نظر” فهل يرى الكثير من التجريديين اليوم حياة داخلية في كل ما يحيط بهم؟ هل هم واعون حقا بهذا الكم الهائل من الخلفيات الفلسفية والفكرية التي يجب أن تكون خلف الأثر وفي صلبه؟ أم هم يستسهلون الممارسة الإبداعية وينتجون بمقتضى هذا الاستسهال هذا الكم الهائل من الأثار التجريدية التي تحيط بنا من كل مكان دون أن نفهم خلفياتها الا في القليل النادر؟
من هذا المنطلق فلحظة المثول أمام الأثر الفني التجريدي يجب أن تعبر عن حالة حرة، عن تداع حر، حالة تهز الفكر والنظر أكثر من الحواس. تلك الاثارة التي تحصل في النفس ساعة انتقالنا من المحسوس الى ما بعده، والإثارة لا تحصل بالمشاهدة بل بالتأمل، فمثلا لدى كاندنسكي نشهد شكلا من غياب الأبعاد التي تحيل الى المادة ويظهر لدى الرسام ميل الى العودة إلى الذات، الى الداخل.
وبالتالي ففضاء اللوحة التجريدية هو فضاء روحي خاضع لتأليفات تمتع وتثير والصورة والشكل المجرد هو ما يثير المتعة وهو الذي يحركها ويهزها. حيث يرى هيقل أن ما يهم في الفن ليس الشكل الحسي فحسب بل أيضا المضمون الروحي، فالفن كالفلسفة والدين شكل من أشكال التعبير عن الروح المطلق_الفن يدفع بنا الى التفكير لأنه رموز في حاجة الى تأويل.
بالتالي الأثر الفني التجريدي عكس ما يراه الكثيرون يجب أن يكون هو الأثر الأكثر وعيا وعمقا واحتفاء بتجليات الروحي وسموا وعلوا بالمحسوس، وهذا لا يحدث من خلال استسهال العملية الإبداعية بل من خلال فهم خلفيات هذه الحركة والإنتاج وفق ما يجعل المتلقي متفاعلا بمعنى أدق الأثر الذي لا يمتلك الأليات ليدعونا الى الهروب والتفكير في آن واحد يجيب أن يعيد أصحابه حساباتهم، يجب على الفنان التجريدي أن يفكر وأن يجيد إتقان القواعد كمحترف وبالتالي سيتمكن من كسرها كفنان وسيخاطب من خلالها المتلقي دون أن يضعه موضع المغترب في مواجهة الأثر الفني.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى