الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 12 )

على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 12 )

إبان خروجنا من كنيسة القيامة، ومحاذاتنا باحة المسجد العمري، أطللنا على المشهد الماثل بين الكنيسة والمسجد، ونحن نسترجع الصورة المقاربة لها في مكان آخر من فلسطين المحتلة له قدسية استثنائية، حيث المسجد العمري يقابل كنيسة المهد في بيت لحم، والحكاية عن بناء المسجد في القدس، تقارب حكاية بناء المسجد في بيت لحم.. وفي الحالتين هناك تعايش ووئام بين المسلمين والمسيحيين..
كان الليل قد نشر ستارته، وبدأت الأضواء تدب في المنازل والدور والمحلات وفي الطرق، وتماهت الصور حد أننا لم نفرق من البعيد بين صورة الدير وصورة المسجد، وبين العابرين في الدروب من المسلمين والمسيحيين واليهود، لكننا حين مضينا في الطريق، وضح المشهد، وبانت الصورة بكل تفاصيلها وملامحها، كنت أمضي وأنا أشاهد عددا كبيرا من اليهود يحثون المسير في اتجاه واحد، ورؤوسهم منكسة في الأرض، وكأنهم إلى نصب يوفضون.
أخبرتنا عبير زياد أن اليهود يسيرون في هذه الليلة “ليلة السبت” إلى حائط البراق، الذي يقع في الجزء الجنوبي الغربي من جدار المسجد الأقصى المبارك، وهذا الجدار يبلغ طوله حوالي (50 مترًا) وارتفاعه حوالي (20 مترًا)، وهو من الأملاك الإسلامية ووقف إسلامي، ويطلق عليه اليهود: “حائط المبكى”، ويزعمون أنه الجزء المتبقي من هيكل سليمان، وهناك يمارسون طقوسا وصلوات تأخذ طابع العويل والنواح على الأمجاد المزعومة.
حائط البراق صار من أهم المعالم اليهودية، بل يعد رمزًا يهوديًا وطنيًا، ومزارًا ليهود العالم والنصارى المتصهينين، من قادة دول وزعماء وقساوسة، الذين يعتقدون أن المسيح لن يظهر ثانية إلا وسط مجتمع يهودي، وأنه لن يعود إلا في صهيون، ولذلك لا بد من تجميع اليهود، وإقامة صهيون حتى يظهر المسيح بينهم، كما يدعون.
أخذتنا عبير من الحي الإسلامي إلى أحد المباني المطلة على حائط البراق، كان الليل قد خيم، وأسدل ستاره، وقد لمحت قبلئذ، أحد اليهود المتعصبين على سطح أحد المنازل “المغتصبة” وهو يطلق صفيره وصرخاته تزامنا مع صوت الأذان الصاعد من منارة المسجد القريب.
لم يكن المشهد ذاك مستغربًا، في مدينة يمارس الاحتلال فيها، والمغتصبون اليهود شتى أنواع الاستفزاز والمضايقة بحق الفلسطينيين في أرضهم ودينهم، وفي حياتهم ومعتقداتهم، وكل ذلك على مرأى جنود الاحتلال وأسماعهم.
كان اليهودي المتعصب، يهزأ بالأذان، ويطلق سخريته على وقعه، وجنود الاحتلال يواجهون أي فلسطيني يعترض على ذلك، ويعللون كذبا أن تصرفات اليهودي المتعصب تلك ومن على شاكلته، تدخل في إطار حرية الرأي والتعبير، وفي المقابل فإن أي استفزاز أو سخرية بحق ممارسات اليهود ومعتقداتهم، تجابه بالعنف، وقد تودي بصاحبها إلى السجن سنوات طويلة.
إنها ازدواجية المعايير، التي تمارسها سلطات الاحتلال، فتطبق أشد القوانين على الفلسطينيين، وتطلق يد المغتصبين اليهود ليعيثوا في الأرض العربية المحتلة فسادا، ولن تكون جريمة حرق المسجد الأقصى من قبل متطرف صهيوني، ادعت إسرائيل بعد حين أنه مجنون وقامت بترحيله إلى أستراليا، ربما حماية له من أي اعتداء وانتقام على جريمته، أول الجرائم الصهيونية بحق الفلسطيني وأرضه ومقدساته ولا آخرها.
سدّوا عليّ النور في زنزانة
فتوهّجت في القلب.. شمس مشاعل
كتبوا على الجدران رقم بطاقتي
فنما على الجدران.. مرج سنابل
رسموا على الجدران صورة قاتلي
فمحت ملامحها ظلال جدائل.
***
من سور يطل على حائط البراق، أمكننا رؤية المشهد البانورامي، لمجموعة كبيرة من اليهود وهم يؤدون طقوس “المبكى”، كانت الصورة مفزعة إلى حد كبير، إذ بدت لنا عن قرب أعمال الحفر الجارية منذ سنوات طويلة بحثا عن الهيكل المزعوم، وقريبا كانت مجموعة من المتشددين يجلسون فيما يشبه الحلقة التعليمية حول أحدهم وهو يشير إلى الخرائط الموضوعة أمامه، أخالها لساحة المسجد الأقصى، وهو يحدثهم عن التاريخ والجغرافيا التي صنعوها بأوهامهم، وزيفوا صفحاتها بأكاذيبهم.
حائط البراق كما شاهدته من مكاني، هو جزء من السور المحيط بالمسجد الأقصى وما حوله، لا يختلف عنه فى شيء، وهو يمثل الجزء الجنوبي الغربي من السور ويجاوره مباشرة باب للمسجد هو باب المغاربة.
حدثتنا عبير عن حي المغاربة الملاصق للجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، والذي قامت سلطات الاحتلال بهدمه بما فيه من آثار ومدارس ومساجد وتكايا وزوايا ومبان، وشردت أهله .. نسفوا المنازل المحاذية للحائط، وأقاموا أمامه ساحة كبيرة ليتجمعوا فيها، واستولوا على مفاتيح باب المغاربة، ولا تزال معهم حتى الآن.
كنا نشاهد جزءا من الحفريات المتعددة التي تجريها إسرائيل حول الأقصى منذ احتلالها الغاشم للقدس، كان أهمها تلك الواقعة في منطقة تسميها السلطات الإسرائيلية بالحوض المقدس، وتشمل المسجد الأقصى المبارك والقسم الجنوبي من الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وقرية سلوان الواقعة جنوبي المسجد الأقصى المبارك، وتركزت معظم هذه الحفريات غربي سور المسجد الأقصى المبارك من باب الغوانمة شمالاً إلى باب المغاربة جنوبًا مخترقة المناطق تحت أساسات الأبنية الإسلامية التاريخية، مما تسبب في خلخلة الأساسات وتشقق الأبنية التاريخية الأثرية وجعلتها في حالة خطر دائم، وأخطر هذه الحفريات ما وقفنا عليه، من مكاننا المطل على حائط البراق، الواصلة تحت باب المغاربة، وهذه تهدف إلى توسيع ساحة الصلاة لليهود أمام حائط البراق وهدم ما تبقى من آثار إسلامية في تلك المنطقة، وتركيب جسر حديدي بدلاً من الطريق الترابي يبدأ من منطقة التجمع وينتهي عند باب المغاربة.
ومع حفريات باب المغاربة، تقوم إسرائيل بمشاريع عدوانية أخرى، حيث بلغ عدد الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال في أنحاء فلسطين عشرين حفرية على الأقل، كانت برامجها وأهدافها واضحة وجلية للمتخصصين، وعندما كانت تكتشف أية طبقة من الآثار الإسلامية كانت تلقى الإهمال والضياع والتدمير أثناء البحث في طبقات أعمق وأقدم.
كانت الصورة الماثلة أمامي تقول الكثير من الوجع والألم، كنت أقرأ بعض سطورها في صوت عبير وهي تحدثنا عن معلم تاريخي سقط هنا، أو خيانة تمت هنا، وعن حكاية الجنود المدججين بالأسلحة الذين يقتحمون الأحياء السكنية، ويفرضون عليها طوقا من الحصار، بحجج البحث عن مطلوبين، أو مصادرة أملاك المواطنين.
نعود للبلدة القديمة، والتجوال في الحي الإسلامي بحاراته المتداخلة، بدءا من حارة السعدية وحتى حارة باب حطة وحارة الواد، أشاهد لافتات للمدارس اليهودية في البيوت التي صادرتها إسرائيل من سكانها الأصليين، وفي الطريق يتدلى علم إسرائيلي كبير من أحد البيوت العالية، تخبرنا عبير عن حكايته: “هذا بيت شارون اشتراه من رجل مقدسي، بشكل سري”.. وتواصل سرد الحكاية: حين عرف الناس بخيانة المقدسي، غضبوا عليه، ورفضوا أن يصلى عليه حين وفاته في المسجد الأقصى..
ورغم أن وجود العلم الإسرائيلي في البلدة القديمة، ليس غريبًا، إلا أن الخيانة حين تكون من أهلها، تبدو قاسية جدًا، ففي الوقت الذي يرفض الكثير من المقدسيين بيع منازلهم، بأسعار خيالية، ويرفضون كل الضغوط التي تمارس عليهم، ويلازمون بيوتهم ولو خر السقف عليهم، وتزلزل بنيانها، لا يفرطون بشبر واحد منها، يظهر من بينهم من يوجد موطئ قدم لجنود الاحتلال والمستوطنين ليعيثوا في البلدة القديمة الفساد.
هذا نشيدي
وهذا صعود الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس…
في شهر آذار تستيقظ الخيل.
سيّدتي الارض!
والقمم اللولبيّة تبسطها الخيل سجّادة للصلاة السريعة
بين الرماح وبين دمي.
نصف دائرة ترجع الخيل قوسا
ويلمع وجهي ووجهك حيفا وعرسا.
***
تجري طفلة صغيرة في دروب البلدة القديمة، وأجري أنا نحوها، أمد لها ذراعي، وتفتح هي ذراعيها كطائرة تهم بالتحليق، تقفز من مكانها، وأحملها عاليا، ثم تتلاقى ضحكاتنا، ونمضي معا في دروب القدس العتيقة.
***
هذه القدس أيها المثقل بالحلم، المسكون بصورتها.. مندفعًا إليها بالحنين الذي يتلبسك مذ أن وطئت أرض فلسطين، وعبرت جسر الملك حسين، لم يكن الوصول إليها، والصلاة في أقصاها أمرًا سهلا، لكنك في الآخر وصلت إليها، وصليت صلاة خالدة في ذاكرتك، ما تنفست الحياة.
كم من الحكايا التي ستصوغها عن هذه اللحظة الخالدة، وكم من الصفحات ستمتلئ بحكايتك، أنت الذي ما برحت في تذكر حادثة، إلا وقفزت حادثة أخرى إلى مخيلتك، تبسط ملامحها، وتنشر أشرعتها، علك تمخر عبابها، وتمضي مستذكرا الشخوص والأمكنة التي طفت بها !.
هذه القدس، دمعة حائرة، لا تعلم في أي مآق ستسيح، وإلى أي قلب ستشكو عذابها، وتسرد آلامها، تقف على ناصية الطريق، تنظر إليها بصمت، لا تقوى على تبيان كينونته، أمن دمع القدس، أنت تصمت، أم من حالك وحال الأمة الإسلامية والعربية التي أغمضت جفونها، وراحت في سبات عميق، لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم.
وكما دخلت القدس من باب الساهرة، مدفوعا بالحنين.. خرجت من باب العمود بذات الحنين الذي لم يهدأ، رأيتني أجري على السلم الواصل إلى شارع نابلس، أفتح ذراعي للريح، وأطلق روحي تحلق عاليًا في المكان، وأنا أحتضن ضحكة فرح حطت قريبا مني، أرفع دالية الطفلة المقدسية عاليًا، تبسط مثلي ذراعيها، وتحتضن موجة الفرح، لا أمشي، أطير، أصير غيري في التجلي. لا مكان ولا زمان.
أعود لسيرتي الأولى، أتذكر وقبل أن أودع ثرى الأقصى، وصية أحدهم أن أحمل له حجرًا من القدس، لحظتها رأيت رفاق الرحلة يهرعون إلى الحجارة، وكأنهم قرأوا رغبتي، هم مثلي يحملون حجارة من القدس، تذكارا للزيارة، أقترب من سور المدينة، أفتش فيه عن حجارة بلون القدس، ورائحتها، وبعض من تاريخها، حين سبكت حوافر الخيل تربتها، وعلا وطيس المعركة قرب أسوارها، ثم أنتزع من السور المحيط بالبلدة القديمة حجرين تذكارا لي، ولمن طلب مني.. وأمضي فرحا.. رغم ألم الفراق.
تودعنا عبير زياد، بعدما استكملت مهمتها معنا، أطلق آخر ضحكاتي مع دالية، قبل أن تلحق بأمها، وأشير إليها كما أشرت للقدس بتلويحة وداع، يسكنها أمل بالرجوع إلى هذه المدينة، وأمل أكبر بأن ترجع القدس لنا..
كانت القدس تحتوينا بكل جهاتها، وتسكننا بكل التفاصيل والملامح التي مررنا عليها، كانت صفحات التاريخ تبسط سطورها، في كل زاوية مررنا بها، وكل شارع وقفنا عليه، وعند كل بناء كان ثمة علم فلسطيني مخبوء، ينتظر أن يعانق الريح، ويرفرف بسلام..
أخذتنا دروب القدس والبلدة القديمة، وحكايات عبير وسردها الممتع عن برنامجنا التالي فيها، فتأخرنا عن موعدنا في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في القدس، ساعة أو تزيد قليلا كانت كفيلة لأن نخسر شيئا من الجمال الذي كان ينتظرنا.. فقد ذهب الأطفال إلى بيوتهم وهم من كانوا ينتظروننا بآلاتهم الموسيقية وألحانهم الشجية، وأغانيهم البديعة.. خسرنا سماعهم، ولكننا سعدنا بالتجوال داخل المعهد، والسماع من القائمين عليه عن حكايته، والصعوبات التي يواجهونها، جراء المضايقات الاسرائيلية، والتهديد بإغلاق فرع القدس.
هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين
على عتبات القيامة مثل القرابين
هل هذه الأرض حقا مباركة
أم معمّدة بدم
ودم
ودم لا تجففه الصلوات
ولا الرمل.
***
في العرس المقدسي الذي دعينا إليه، قبل أن نقفل عائدين إلى رام الله، مودعين القدس وأهلها، رقصنا طربًا وفرحًا، أمسكنا بيد العريس وبعض من أهله وعشيرته، ورقصنا الدبكة الشامية، ثم غنينا ما استطعنا من فنون عمانية وشامية.. وتآلفنا مع الشخوص المتدفقة على المكان.. وكان طعم الفرح ملازما لنا في طريق العودة، رغم الضنى والتعب.. وأنا أنظر من بعيد لصورة القدس التي بدت تتلاشى شيئا فشيئا.. وجدتني أعود إليها من جديد.. وهذه المرة، كما كنت أرتحل إليها قبل قدومي، حلما سرمديا، يأخذني للصلاة في القدس، وصوت الزعيم الخالد يهز كياني: “سنصلي سويًا في القدس الشريف.. شاء من شاء وأبى من أبى بعونه تعالى”.
وتغني القدس:
يا أطفال بابل
يا مواليد السلاسل
ستعودون الى القدس قريبا
وقريبا تكبرون
وقريبا تحصدون القمح من ذاكرة الماضي
وقريبا يصبح الدمع سنابل
آه يا أطفال بابل.

للحكاية بقية

خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى