الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في قصيدة (علبة شموس) لـ “الجازية”

قراءة في قصيدة (علبة شموس) لـ “الجازية”

فكرة الموت وتحديه بالكتابة المتمرِّدة..!!
القصيدة هي منجم الشاعر، هناك تحت الأرض يمد يديه باتجاه الحلم / الضوء، يستخرج الصورة الشعرية من خياله الخصب، من ذهنه المبدع ، يحاكي بتلك الصوّر مشاعر المشاهد /المتلقي، وما يميّزُ بين شاعرٍ عن شاعر آخر هو القدرة على الابتكار والتقاط الأفكار الجديدة التي يأتي إستخدامها وفق فكرة موضوع القصيدة، وفي الحقيقة قليلة هي الأسماء التي تجيد الابتكار!، فحينما تمر أمامنا مثل هذه النصوص الجيدة ، لا بدّ أن نتوقف أمامها ، نتأملها ، نعيد قراءتها ، نحاول تأويلها ، نحاول أن نُمهِّد للآخرين طريقة قراءتها بصورة صحيحة وواعية.
وهذا ما أحاول أن أفعله بإمكانياتي البسيطة مع النص الرائع للشاعرة /الجازية ، الذي نشرته مجلة جواهر العدد رقم(31). ولا أجزم بإن قراءتي ستكون متطابقة مع أبعاد النص ؛ فالنص الجيّد هو النص المفتوح على أكثر من قراءة وتفسير ، هو النص الذي يقبل أي قراءة توازي النص الأصلي بصورة منطقية لمعايير ذلك النص.
(علبة شموس )، هو عنوان القصيدة ، ومن مطالعتنا للعنوان نستشف إننا أمام قصيدة مختلفة ، جديدة ، تستحق أن نتمعنّ فيها طويلا، فالعنوان هو وجه القصيدة دائما ، ولو تخبأ أحيانا تحت قناع التشبيه أو الاستعارة والمجاز اللغوي فإننا نحاول تخمين ملامحه وتقريب أبعاده المتلاشية في نقطة ضوء قريبة ، حتى ننزع القناع !.

محاور النص :
(المحور الأول)
النص توزع على ثلاثة مقاطع كل مقطع تكوّن من أربعة أبيات ، جاء المقطع الثالث مكملا للمقطع الأول في القافية ، بينما كان المقطع الثاني متداخلا بينهما كأنه آلة موسيقية أخرى ، ولكنها حافظت على نفس الإيقاع الموسيقي وأعطت لِلحن النص الشعري جمالا وحسّا جديدا. فكرة النص هي فكرة وجودية تتحدث عن الموت هذا الكائن الموحش ، المتوحش، المخيف ، الذي يتربّص بالأرواح ولا يترك خلفه سوى الذاكرة التي تضيء دائما بالأحبة.
والنص عبارة عن حلم شاعر يسترجع ذاكرته التي امتلأت بالغيّاب ، كما أن الشاعرة تحدثت عن الموت كمستقبل مخيف قادم لا نملك أمامه سوى اليأس .

الموت : وحشة غصون/ وحزمةٍ من يباس
تفتح على الروح عصفورٍ “بمنظر” حزين
رمادي العمر .. لوكان الرماد المقاس
شفني على شكل كومه من حطب .. في كمين

من أول كلمة في القصيدة جاء الموت معلنا حضوره في الطبيعة التي تحيط بنا ، وأرادت الشاعرة أن تعرِّف هذا الموت حينما وضعت النقطتين أمامه : وعرّفته (بإنه حزمة من غصون يابسه )، هذا التشبيه الجميل الذي يمثِّل الموت في أكمل صورةً له ، كما أنه يمثّل لنا الحالة النفسية التي تمُر بالشاعرة أثناء كتابة القصيدة ، حالة الوحشة والخوف والوحدة التي تمازجت مع صورّ الموت المرعبة .
تفتح على الروح عصفورٍ “بمنظر” حزين
كنت أتمنى لو “تفتح” كانت “يفتح” ليعود ضمير الفعل إلى الموت الذي يفتح باب الروح على العصفور/الإنسان . أمّا تفتح فيعود ضميرها إلى “حزمة الغصون اليابسة “، وهي أيضا الموت نفسه ، لأنها تعريفه أو ظله الأخر، فالصورة الشعرية لن تتغير من حيث أن الفاعل هو الموت ، ورغم صعوبة صياغة تركيب الصورة الشعرية إلا أن الشاعرة تمكّنت من الوصول إلى إنجازها بطريقة ذكية ، ومن المعروف أن هناك عادة قديمة كان يمارسها الفراعنة في الموت فهم يقومون بربط طائر فوق الميت، هذا الطائر كان يرمز للروح، أمّا في القصيدة فهو يرمز للإنسان المنزوي في هذه الروح المستسلمة لحارس الموت المخيف ،لابد أن نضيف بإن القصيدة تحمل لغتها البنائية أفكارا فلسفية جميلة ، فالفكرة الفلسفية أن الحياة ما هي إلا ظل، هي بشكل آخر توازي إن عمر الإنسان ما هو إلا رماد وهذا الرماد في النص جاء من بقايا إحتراق كومة الحطب/الإنسان .
كما أنّ لغة القصيدة تميّزت بحرفنة اللعب بالمفردات لإعطاء معانٍ جديدة ، وبصورة مدهشة تخدم تصاعد مستوى النص وتخدم إكتمال الصورة الشعرية التي هي بالأساس شكل الفكرة، فمثلا كومة تصبح كمين وأشعل تصبح أشلع وتطش تصبح تلطش وهذا جمال آخر مضاف لتمكن الشاعرة من أدوات كتابة قصيدتها بوعي وثقافة شعرية كبيرة.

كيف أطفي اليأس وأشعلني وأعيد الغراس؟
وأطهّر القلب من فتنة أغاني الحنين؟
كيف أشلع “أسفلت” هذا الحزن ..ومن الأساس
وأسوّر القلب هذا سور من ياسمين؟

بيتان يكمّلان الصورة الكلية للفكرة الأم (الموت)، والبيتان عبارة عن أسئلة موجهة للذات لا أكثر، فالقصيدة هي حوار داخلي (مونولوج) ما بين الشاعر وذاته ، وهذه الأسئلة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن فراغ تسافر فيه ضمن هذا الكون الشاسع الواسع العدمي ، فاليأس هو حالة الإنسان في مواجهة مصيره الذي لامفر منه ، وربما الذي يستطيع فعله الشاعر لمواجهة هذا المصير هو الكتابة عن الموت فقط .وحتى الفعل كيف أطفي اليأس؟ وفعل الأمل الآخر..كيف أشعل..ني ؟ هما مكملان لمنطق الصورة الكلية للمقطع الأول في القصيدة التي تم مشابهة الإنسان فيها بكومة خشب والعمر بالرماد ، فالإطفاء هو نقيض الإشتعال ، كما أن الموت نقيض الحياة.
المحور الثاني :
المقطع الثاني كما ذكرنا تتغيّر فيه القافية بينما يبقى الإيقاع الموسيقي ثابتا، أي أن البحر الشعري لم يتغيّر :
من بزغة الحلم، وغناي الأمل والطقوس
طفلة تطش النجوم ويستريح المكان
تلعب بمجدولها تلطش أماني عروس
تتشعبط بأي درب ولاتحس بأمان
تتعثر بحزنها/تقدح فتيل الهجوس
يترصد لذاكرتها: بيت/أثاثه:حنان

تشعل أصابيعها لون..وتعبّه شموس
لوحة مضيئه توقعها ب:والله زمان

هذا المقطع المختلف في القافية والذي يشكل بداية أخرى للنص ، نلاحظ من قراءتنا الأولى له بإن الدفقة الشعورية التي تحكّمت بنفسية الشاعرة اثناء كتابتها للنص تختلف عن المقطع الأول ، فهو يرتكز على الذاكرة كبؤرة ينطلق منها النص مرة أخرى، وحصرٌ بسيط لبعض الرموز الشعرية التي شكلت صوّر هذا المقطع تنبهنا لهذا الإختلاف ،لاحظوا رموز المقطع الثاني الحلم/الأمل/الطفولة/النجوم/الأماني/العروس/… بينما في المقطع الأول :الموت/الروح/عصفور/رماد/العمر/حطب/اليأس/الحزن….ورغم هذا الإختلاف في نوعية الهذيان إلا أن القصيدة حافظت على وحدتها العضوية ولم تحد عن موضوع الموت، فكل هذه الدلالات ما هي إلا ذاكرة الموت التي تحتفظ بكل ما علق بها من وجوه وأسماء الغائبين أو الراحلين بأجسادهم إلى أعماق الأرض أوالصاعدين بأرواحهم إلى أفاق السماء حيث الخلود الأبدي. وتلك الطقوس التي كانت تمارسها الشاعرة في طفولتها والتي شكلتها لنا في أربعة أبيات اتسمت بجمال صورها الشعرية ، صور تعتمد على الخيال في تركيبها ، (طفلة تطش النجوم) ،(تتشعبط بأي درب) ،(تتعثر بحزنها) ،(تقدح فتيل الهجوس)،(تشعل أصابيعها لون وتعبّه هجوس) ، كل هذه الصور التي أعتمدت الإستعارة الجميلة في صياغتها كانت حقا مدهشة وناجحة .كما أن هذا المقطع بالذات اتسم بالحركة وهذا يلاحظ في الأفعال التي استخدمتها الشاعرة (تطش /تلعب بمجدولها/ تلطش/تتشعبط /تتعثر/تقدح/تشعل/تعبّه)، وكأن هذا المقطع فعلا هو مقطع سينمائي ، وهذا الزخم الكبير في الصور الشعرية ، وفي ما أنتجته العلاقات الجديدة بين الكلمات من صوّر جديدة ابتكرتها الشاعرة بذكائها وشاعريتها الخلاّقة للجمال قد أعطت للنص روعةً وسحرا أخر ، يجعل القاريء مندهشا ومستمتعا بالقراءة ، فكل هذا الإبتكار يحتاج إلى قاريء يجيد تشكيل الصور الشعرية في ذهنه بشكل مبدع .

المحور الثالث:
في منتصف قلب تتعلّق /أسامي ..وناس
حضورهم حي ..ذكراهم ..وهم غايبين
تقبض عيوني/بلحظة فقد..ومض انغماس
عين تشب الحنين الموت وتطيح عين
تتوقظ الذاكره/ حلوى وطعم التماس
وخز يجي بآخر أحلى شي/غربه وبين
يوقف مثل سد في وجه انفلات الحماس
ويكسّر العمر /والذكرى/وانا أبن الذين

المقطع الأخير من القصيدة جاء مختزلا للمقطعين الأول والثاني ، نلاحظ أن الشاعرة بدأت بالإنصهار في الموت وكأنها فعلا تحتضر في هذا المقطع ، فإذا كان المقطع الأول حمل ملامح الموت بكل أشكاله والمقطع الثاني تميّز بدلالات الطفولة ، فإن المقطع الاخير جاء ممتزجاء بهما جميعا ، وحمل رموزا مشتركة ومنها الحضور/الذاكره/الغياب/الحنين/الموت/الغربه/ وهكذا كما أن المقطع به الكثير من الصوّر المتضاده وهذا يعني أن الفوضى والشتات أستحكمت في ذهن الشاعره وكانت فعلا في قمة إنفعالها . في منتصف قلب تتعلق أسامي وناس (تشبيه جميل للقلب كأنه ميدالية نعلق فيه الذاكرة )، كما أن المفردات المتضادة كانت كثيرة فمثلا:
حضورهم _________________ غايبين
تقبض عيوني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لحظة فقد
عينٍ تشب ____________ وتطيح عين
وخز __________________ أحلى
سد ___________________ إنفلات

هذا التضاد في المترادفات قد خلق علاقات جميلة بين الكلمات أعطى للنص قوة وحضورا يستفز القارىء على إعادة تأويل النص ، إن قوة أي نص تكمن في لغته ، فعندما تكون اللغة لها دلالات جديدة أنتجها المبدع من وحي رؤيته العميقه وخبرته الطويلة مع الكتابه يشعر أي قارئ بأنه أمام كشف جديد. وبرغم أن هذا النص كُتب على بحر شعري متعارف عليه أي قالبٍ جاهز إلاّ أن لغته لم تأت لتعبئة هذا القالب ، بل كان لكل مفردة معنى شعري ودلالة شعرية ، ونستطيع أن نأتي ببعض الأمثلة وسوف نأخذ من كل مقطع بيتا (المقطع الأول والثاني أنوذجا)
في المقطع الأول :
كيف أشلع اسفلت هذا الحزن ومن الإساس
وأسوّر القلب هذا سور من ياسمين

لنحاول تغيير صدر البيت ونرى ماذا سيحدث لقوة المعنى :
كيف –أقلع- أسمنت- هذا الحزن ومن الأساس
فقد قمنا بتغيير أشلع بأقلع ، وأسفلت بأسمنت ، ورغم أن الفكرة لم تتأثر إلا أن قوة المعنى صارت أضعف عن ما قبل ، فالفعل أشلع هو أكثر عنفا وقوة ودليلا على أن المشلوع شيئا مستحكما صعبا قويا وهو الأسفلت ، والأسفلت يرمز إلى الطريق المعبّد ، وهو في القصيدة كما يتضح من سياقها طريق الحزن الذي عبّده الموت بوحشيته وفجيعته . بقي أن نقول لو كانت الشاعرة غيّرت الأسفلت بالأسمنت لتغير الرمز من الطريق إلى الجدار وهذا يناقض عجز البيت الذي يحمل هو الآخر صورة شعرية جميلة في تسوير القلب بالياسمين ، فالسور ما هو إلا الجدار بشكل أو آخر . إذن هذا دليل على أن كل مفردة أتت في مكانها الصحيح وبحتمية وجودها وليس هناك كلمة أخرى أقوى وأدلّ على المعنى منها. وهو يثبت مدى وعي الشاعر بأدوات كتابتها الشعرية.
تشعل أصابيعها لون ..وتعبّه شموس
لوحه مضيئه توقعها ب: والله زمان

كيف تشتعل أصابع الشاعرة ؟ طبعا يحدث ذلك في لحظة الكتابة ، حينما ترتبك الأصابع وتنفعل الأعصاب وتقود الفكرة الأولى الخيال لتعبئة بياض الذهن بالتعاويذ الشعرية. والقصيدة ما هي إلا لوحة يرسمها الشاعر بالكلمات، لها زمنها الذي يتشكل في إيقاعها الموسيقى ولها مكانها الذي يتمثل في مساحة الكلمات وشكل القصيدة. واللغة هي التي تضيء القصيدة ، اللغة هي الشمس التي تمد الدال والمدلول بالحياة ، ولعل توقيع اللوحة هو إبداع فكري فلسفي آخر ، فحينما يصبح الإسم إيحاء لمعنى ، تلميح لفكرة ، إشارة لرمز مجرد ، مطلق ، يصبح للقصيدة روحا تشع في كل إتجاه ، ونحن دائما حينما نتذكر الأشياء العزيزة علينا ، الأشياء التي فقدنا ملامستها بأصابعنا واشتقنا لتمسيدها بأرواحنا ،لايسعنا أو بالأحرى لا نستطيع حين تقاطعها مع ذاكرتنا إلا أن نقول : والله زمان .أخيرا ، أتمنى أن أكون قد اقتربت من روح النص الجميل بقراءتي المتواضعة..

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى