الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفن الساذج والكتابة الأخرى في الرسم

الفن الساذج والكتابة الأخرى في الرسم

الشعيبية طلال ومحرزية الغضاب وباية محيي الدين ـ نماذج للدراسة ـ
تحتل العلامة التراثية المهاجرة بين ثنايا الزمن موقعا مركزيا في التشكيل ألمغاربي حيث جعل منها العديد من الفنانين إطارا مرجعيا يسحبون منه معطيات تجددهم ومنابع اشتغالهم، ولا يخفى علينا ونحن بصدد متابعة حضور هذه العلامات في عدة تجارب معرفة أن الاشتغال وفق هذا الزخم الذي تمنحه الذاكرة الشعبية قد شكل دوما مجالا للإبداع والتحول لدى ثلة من الفنانين المغاربة وحذا بهم إلى البحث المضني والغني وهو السبيل الوحيد للانفتاح والأصالة .
والفن الساذج ضرب من ضروب الإبداع التشكيلي الذي عرف شهرة كبيرة فاقت حدود الوطن فهو ممارسة خالية من الخضوع لمقاييس الكتل وموازين المنظور الخطي أو قانون الأحجام ،يعتمد أسلوبا ساذجا في التعامل مع العلامات ،هي عفوية اقرب إلى اللعب والعبث بالخطوط والألوان،بحيث تتحول العلامة إلى كيانات نابضة تتفاعل مع الأشكال لتعطينا إمكانات دلالية و رمزية قابلة للتحول والتأويل وهذا ما يساعد على الكشف عن الإمكانيات الجديدة لهذه الرموز التقليدية، إمكانيات تعكس حساسية شعبية في كل ما تخلقه الأنثى بيدها ويستمتع بهذه الحساسية كل من يشاهدها “إن هدف ليجيه هو إيصال الجمال إلى أي شيء مصنوع دون النظر إلى نفعيته أو عدم نفعيته .بل إن المبدع الحقيقي هو أي صانع أو عامل أو عارض يرتقي بعمله إلى مستوى الطرافة… “1
حيث يمكن لهذه الرموز أن تذهب إلى ما هو ابعد من الوظيفة اليومية إلى الممارسة الفطرية، إلى مساحات فنية …وما التجارب التي سنتعرض إليها بالتحليل في هذا الإطار خير دليل على ذلك ،تجربة لنسوة مغاربيات أميات أبدعن انطلاقا من واقعهن رسمن بزخارفهن ملامح تجربة شعبية متميزة ،سذاجة دفعت وأسست لهذه الممارسات والتي حققن من خلالها إبداعا فنيا ساذجا،جمع ممارساتهن وقرّب بين الرؤى المختلفة لنساء منفصلات جغرافيا. تقنيات ميّزت تجربة عن أخرى فبالرغم من التشابه في حضور العلامات و الرموز وبالرغم من أن الأداة واحدة وهي الخطوط والألوان إلا أن لكل أسلوبه الذي يصبغ به عمله والمادة تفرض بطبيعة الحال قواعد التعامل معها، فكيف ستحط هذه الرموز المهاجرة الرحال في تربة جديدة وبأسلوب تعامل مغاير من حيث المادة والمحمل؟ وكيف ستكون طريقة التعامل معها وتوزيعها بناء على ثقافة تلك النسوة الساذجات؟

1. الشعيبية طلال:عندما يصبح الإبداع بحثا عن قواعد غائبة

فنانة مغربية عصامية التكوين ولدت سنة 1929 بتنين شتوكا قرب مدينة الجديدة، ومنذ معرضها الأول بكازابلانكا سنة 1966 أبهرت أعمالها العالم وأصبحت حاضرة في اكبر المتاحف في العديد من الدول ،سنة 1990 أخذت الشعبية ترسم الوجوه والنساء المغربيات و سنة 2003 تحصلت الشعبية على الميدالية الذهبية للمؤسسة الأكاديمية الفرنسية لتشجيع الفنون والعلوم والآداب.
فالشعبية طلال هذه المرأة البسيطة والبدوية هي إحدى أروع ظواهر الفن التشكيلي بالمغرب العربي، بدأ عشقها لعالم الألوان أواسط الستينات وهي تراقب باهتمام وعن كثب وبشغف كبير ابنها الفنان الشاب الحسين طلال وهو يرسم كائناته البهلوانية،سكنها من هناك هاجس امتلاك هذا العالم السحري،فأخذت رعشة التشكيل تكبر وتتفجر في أناملها ….أنامل أخذت تخط من خلال علب الألوان كيانات تنبض بالأسئلة.
كل من وقف أمام أعمال الشعيبية إلا وانتابته دهشة أمام هذا العالم الذي هو بصدد التشكل شيئا فشيئا ، سالبا ألباب وعقول عشاق الفن ولعل أهمهم الفنان الراحل احمد الشرقاوي .
لمسات أنثوية بدوية تتجرم أفكارا ورؤى بسيطة وفطرية ، هي في علاقة بما يسمى الفن الفطري أو الساذج الذي لا يخضع للقواعد الأكاديمية، إنما يهتم بالأساس بالإحساس الصادق النابع من دواخل الفنان وما يحيط به من عناصر البيئة. والشعيبية هي الأشهر والأبرع في هذا المجال، لغة خطية ولونية تتحدثها من معرض لآخر، لغة عالمية يفهمها الجميع على اختلاف لغاتهم وأديانهم وقناعاتهم .
عرضت لأول مرة سنة 1966 في الدار البيضاء ثم برواق سولتيس بباريس ،وأيضا بصالون سورا نديبوندان…
تجولت ببراءة الطفولة لديها أفخم وأفخر أروقة العالم “…تقتحم شعيبية طلال عالم الفن بجرأة ،وهي البدوية ذات الوشم الأمية التي اشتهرت في العالم أكثر من أي فنان أكاديمي وتعتبر والإدريسي من رواد الفن بالمغرب ،وهي ترسم الوجوه ببدائية الطفل البريء …”2 دخلت بأعمالها قاعة دروو لمبيعات الفن ومند سنة 1973 ستعرض أعملها على الدوام في رواق لوي دي بوف بباريس.
أعمال غدت من خلالها هذه المرأة المتواضعة رمزا من رموز بلادها وقيمة وطنية يفخر بها المغاربة، تسللت بعفويتها وإصرارها على النجاح إلى قلوب عشاق الفن وبرهنت علنا عن إمكانات المرأة العربية والمغاربية خاصة على الإبداع .وجوه الشعيبية باهرة ومتآلفة، ألوانها غير ممزوجة تستعملها مباشرة من العلبة إلى اللوحة، وكأني بها تحافظ على نقاوة الواقع من خلال محافظتها على نقاوة الألوان.
ترسم بأسلوب خاص ما تحسه وما يحيط بها ،وجوه تجتاح لوحاتها وتكتسحها ،تتجاور وتتلاصق في تناسق مبهر.. تتناسل لتغدو وجوها…. أشجارا.. أجسادا هاربة من أحلام ،علامات ورموز تعود بنا إلى الماضي.
حيث تتراءى لنا الأجساد أشجارا وعناصر أخرى يصعب تحديد ملامحها.
هلوسة لا مكان فيها لقواعد الرسم الأكاديمي.. لوسة تطلق العنان للوجوه التي تحتكر الفضاء مؤولة من خلالها الواقع ، تشكله بأسلوبها الطفولي البريء المعبر عن الفرح والأسى، والذي ينضج بصخب، مزيج هائل من الأحاسيس المختلفة ، مزيج تناقضات ولقاءات بصرية تنطبع تحت صدى الحواس وعلى إيقاعها تتشكل العلامات.
لا تقدم لوحاتها استعادة حالات ووضعيات من الواقع المحلي لمجرد المحاكاة، لوحات ذات ألوان فاتحة وغامقة تتطلع عبرها عدة وجوه لنساء ،بها أجواء من الفن العالمي .. ربما بيكاسو وماتيس ،لكن تظل روح الشعيبية تنبض عبر كل وجه نسائي ترسمه ،لوحات معبرة عن حياة هذه الفنانة الحالمة التي رسمت بصدق وبراءة الطفولة فأبدعت وجوها تجريدية عدة لكل وجه ملامحه وأسراره وقصصه.
مجموعة وجوه تحكي قصة أحلامها وأمالها وتمنح نفسها لكل من يراها ويحس بها، ربما من سيتوقف هنا أمامها سيتذكر حياته الماضية وسينبش ذاكرته العاطفية ليوقظ جراحا ومواقف قد تكون على الرغم من ألمها لذيذة وحضورها إلى الذاكرة الآن مرحب به، أو ربما يتوقف لبرهة ليلقي سؤالا على نفسه أو إلى اقرب كائن إليه ثم يمضي حائرا” وجوه الشعيبية تكتسح اللوحة في غمر فياض من التداخلات. تتجاور وتتلاصق وتتجذر لتغدو وجوهاً أجساداً. إذ لا امتداد للجسد إلا في تشاكيل نظنها أشجاراً تارة، ونخالها عناصر غامضة أخرى. وكأن هذا العالم المتماوج عبارة عن حلم كبير لا وجود فيه للمنظور أو لتقنيات الرسم الأكاديمية، ولا حضور فيه للفضاء بمعناه الواقعي بل ثمة فقط الرؤية والوجه. ترسم الشعيبية ذبذبات تأثرية، ولقاءات بصرية وحمولات تركيبية. وهي بذلك ظلت تؤول الواقع وتعيد تشكيله على طريقتها الطفولية، راسمة عالماً يضج بالصخب والفرح والأسى أيضاً، يرتج تحت ثقل المعاني الإضافية ويرفل في تلافيف صدى الحواس. وللحواس فعل عميق في هذه اللوحات إذ هي بها تنطبع، وعلى إيقاعها تتشكل”3.فكائناتها ليست بكائنات تامة تتميز بغياب التوازن، بالتكبير بمنظور خاص يركز على عنصر أساسي دون غيره .قلق وجودي وتساؤلات عدة جاءت في شكل مقتطفات تحتوي خطوطا ومساحات لونية نقية، تداوير في شكل هائج ومتضافر وهادئ في الآن نفسه،حركية تشمل دقة ثم حركة فراغ ثم ملئ ، بياض بسيط فإضاءة حادة ،وبالتالي جمع بين مختلف عناصر تأسيس اللوحة بكل براعة وإبداع ،توازن بين الخطوط والمساحات اللونية .
تتشابك الأشكال والألوان مكونة وجوها وسحنات في اتجاهات مختلفة متداخلة تؤثث كامل فضاء اللوحة ،حيث تعمل حيويّة المادة ونقاوتها على مغازلة العين تشّكيليا تشعرنا الشعيبية من خلالها بضرورة الإلمام بكل ما يحيط بنا وإعادة بلورته بأحاسيس فردية مليئة بالتساؤلات تتجاوز محاكاة الواقع .التباس تتشكل فيه الهيئات والأشكال و العلامات ،رغبة في الفعل… في البوح… في الكشف….. وجوه تحمل في طيّاتها وبين ثنايا ملامحها مجازات وتفاصيل وكأني بشعيبية تلقن الجميع درسا وتعلن نحت تجربة خاصة بها،هي لغة متفردة لغة تميزها وتفصح من خلالها عن حقيقة ظلت غائبة عن الجميع ، هي أن الفن ليس في تعلم قواعده المعروفة والمتداولة بقدر ما هو بحث متواصل لاستكشاف قواعد غائبة ومجهولة،مغلقة لم تطرق بعد أبوابها يكون للفنان شرف طرقها للمرة الأولى.
يد الفنان هي أداته هي انعكاس لتعابير وأحاسيس مباشرة وتلقائية بريئة، تنطلق من اليومي لتتجاوز من خلاله الفني.
فما تتميز به مخيلة شعيبية من غنى وتشبّع يقودها إلى اللامتوقع، حيث لم يكن متوقعا أن تخرج هذه البدوية الأمية الموّشمة من أرياف المغرب حاملة في ثنايا جسدها فنّها وحرارة فعلها المميّز إلى أخر بقاع العالم ،وفي كل مرة تضيف إليه من نفسها وتصبغه ببراءتها وخصوبة مخيّلتها وألوانها المشعة” حيث ساعدها بيير كوديبرت كثيرا وشجعها. وبعد ذلك ابتدأت بالنسبة لها مرحلة عرض رسوماتها في المعارض …” أنا أكرر و لكن هذا مهم، مثل رسوماتي وألواني فأنا ملونة في الأصل، ألواني ترمز للحياة والطبيعة. فأنا أرسم مشاهد من الحياة العادية وكذلك مواقف غريبة، رسوماتي تجعلني سعيدة. فانا جد سعيدة بالرسم، بالمنزل، وبالكلاب….”4
كتبت عنها فاطمة المرنيسي فيما يشبه الرسالة :”لقد تسربت إلى عالم محروس بصرامة ،عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من الضفة الأخرى ،بقماشة عمودية وفرشاة ولون اصطناعي ….من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت بصمت كما لاتقدر على ذلك سوى النساء العربيات إلى مواقع السلطات ،سلطة الإبداع ،سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري، وسلطة ترصيع اللوحة بقيمتها الحقيقية. وهي قيمة صارت أصالتها تقدر اليوم بأقوى العملات الصعبة عبر متاحف وقاعات العرض ….وأنت تقومين بذلك مرتديّة زيّك التقليدي ومجوهراتك نكاية بالموضات الزائلة ،ومزينة يدك بالحناء…”5.هاجرت بعلاماتها و ضمّنتها قوة نابعة من تلك السذاجة و التلقائية،علامات خاطبت من خلالها الشعبية العقول فكانت وسيلتها المثلى للإبداع و كانت نهاية الرحلة سنة 2004 حيث توفيت عن سن تناهز 75سنة بكازابلانكا ولكن إبداعاتها ستضل راسخة في الأذهان.

2. باية محيي الدين :وهج الفرشاة روضة غنّاء:

رسامة فطرية عززت الساحة التشكيلية الجزائرية عام 1947 ، لفتت الأنظار وخطفت الأضواء في سن لا يتعدى 16سنة ،فرضت وجودها فلاقت الإعجاب والاستحسان أينما حلّت. ولدت في 12 ديسمبر 1931ببورج الكيفان، عاشت يتيمة الأبوين تبناها والدان لهما اهتمامات فنيّة ،الأم مارغريت كامينا فرنسية اشتهرت برسم المنمنمات،والأب رسام انجليزي مختص في رسم البورتريه .كان أول معرض فردي لها بغالري ماغ بباريس ثم تتالت بالجزائر وتيزي وزو وعنابه ومرسيليا ومونبيليي وبروكسل .أبدعت الرسامة من خلالها منتجة رؤى تشكيلية متميزة ،توقفت هذه الابدعات سنة 1953 بسبب زواجها من الموسيقي الأندلسي الأصل الفنان الحاج المحفوظ نظرا لارتباطاتها الأسرية . ثم كانت العودة القوية سنة 1961 خصوصا بعد اللفتة الكريمة والنبيلة التي آتاها المتحف الوطني الجزائري تجاه هذه الفنانة المعطاءة والمبدعة وذلك باقتناء كمية كبيرة من أعمالها القديمة ،واسترجاع رسوماتها من الرواقي ماغ .تتوزع أعمالها بين متحف الفنون بوهران ومتحف الفنون المعاصرة بباريس ومتحف الفن الخام بلوزان.
منذ ملامستها الأولى للمادة وبداية تعاطيها للرسم التقت باية بكبار الرسامين العالميين وربما مثل هذا دافعا وحافزا لها نحو البروز والتألق،”وأعجب بها مبكرا كل من بيكاسو وبول براخ وهنري ماتيس والشاعر اندري برتون”6.
والى جانب الرسم كان لهذه الفنانة ورشة خزف ضخمة قرب مرسم بيكاسو و الذي عملت معه لشهر في عام 1948 ، وهذا ربما يدل على شدة اهتمام هذه المرأة بتنويع تجربتها الفنية والاستفادة من هم حولها.
تعتمد باية محيي الدين في إنتاج أعمالها الفنية وتشكيل رسوماتها ورسم تشكيلاتها على موضوعات مبسطة اغلبها مستمدة من الطبيعة والأرض ومعالم البيئة الحيّة ،وجوه أدمية نسائية بالأساس ،أزهار وحدائق أجواء ربيعية ، مشاهد طفولية جسدتها هذه الفنانة المفعمة بالحساسية في شكل لوحات عفوية مزخرفة بزخارف متنوعة ،غارقة في الكثافة اللونية. حيث اعتمدت بالأساس على الأزرق الفيروزي والزهري والأحمر …هذا بالإضافة إلى تلك الخطوط التي تحيط بالأشكال . مشاهد أنثوية بالأساس أشجار وأزهار، زخارف نباتية وهذا ربما رجع صدى للأجواء التي تحيط بهذه الفنانة التي كانت تقيم ببيت مليء بالأزهار والورود والعصافير والفراشات ،اسماك وقطع التراثية النادرة وأعمال لكبار الرسامين، فتشبعت عينها واتسعت مخيلتها وأطلقت العنان لأحاسيسها مما دفعها للتعبير بكل طلاقة وبراءة هي براءة الطفولة لديها ،ولكن مع ذلك تميّزت تجربتها بل كانت متفردة.
أكسبت أعمالها أجواء عالية من الفرح والعفوية مزدانة بألوان السعادة والتفاؤل،فتألقت مشعة في سماء الفن ،رسمت خطاها بثبات فأنتجت نهجا وتوجها مختلفا يحمل في طيّاته ملامح عربية باهرة ،ويهمس في صمت وفي جهر إلى الهويّة والذات الوطنية. وهذا ما جعلها تتميز وتبهر وتلمع وسط الجميع .
يقول الفنان الجزائري حسن بو عبدالله والذي أنجز شريطا وثائقيا مرجعيا حول تجربتها الصباغية الراقية والمتميزة واصفا إياها “أنها هبة الله في كل كمالها” نضرا للصدق النابع من أعمالها .خطوط عفوية وألوان متجاورة بطريقة فطرية وتلقائية، لوحاتها إبداعات فنية، ثمرة سنوات من العمل مستوحاة من حكاية حياة … حياة هذه المرأة الطفلة.
امرأة فرضت أسلوبها في بلاد غريبة ، فأسست من خلاله مدرسة جديدة في الفن التشكيلي الجزائري والعربي ،سلاحها المزج بين عناصر الهوية الوطنية فلمعت وتألقت بأعمالها الفنية بألوان مغاربية مشعة تزين سماء الفن التشكيلي .خطوط غنائية وهندسية، نساء وأزهار في كل مكان ، لوحات راقصة وزاهية بالألوان مشعة بالنساء ،تراكيب تتلاعب بها بتناظر مغلوط .ظهرت لنا مرجعياتها منذ تعاطيها الأول مع الألوان و القماشة مرجعية قبايلية بربرية،مزهريات وجرار،غلال وأدوات موسيقية علامات مهاجرة من الماضي نحو المستقبل .
لوحات في حميمية مطلقة مع بيئتها ،اسماك وعصافير تتشكل من مشهد لأخر، منصهرة لتكمل أحداث المسرحية الراقصة ،عالم غريب متداخل بين حيواني ونباتي وادمي ،عالم غريب قادم من بعيد ،تخرج فيه الأسماك من قاع المحيط وتنزل فيه العصافير من سمائها لتتجلى سنفونيات تعزفها باية من لوحة لأخرى.
عالم جميل ،خيالي،عالم من الأحلام الوردية ترسمه باية ثم توقعه بكتابة اسمها ،اسم لا يمحى من الذاكرة لأنه أبدع وتميّز وكان منارة من منارات الفن ألمغاربي.حضيّت بإعجاب المختصين الغربيين وهذا شاهد على نضج وجدية تجربتها و التي كانت نهايتها على فراش الموت في نوفمبر 1998 بالبليدة بعد صراع طويل مع الموت تاركة ورائها ما يليق بالفنانين الكبار .ممثلة دافعا وقادحا للفنانين العرب نحو الاقتداء بها والعمل على إمكانيات الذات وصدق الإحساس.

3. محرزية غضاب: حياة الفنان جزء من اللوحة

رسامة عصامية التكوين ولدت يوم 29 يناير 1943 بتونس وتحديدا”الحلفاوين”، أم لعائلة كثيرة العدد، بدأت الرسم في سن مبكرة حيث عرضت أول مرة سنة1973 ثم 1975 و1977 وكذلك بعدة معارض جماعية . فنانة ذات منزع واقعي مرتبط بالمشاهد الأسرية إلى حدّ السذاجة الفنيّة ،رسومها ترجمة حرفية لقصص ملونة ذات تعابير عالية وصادقة ،تخص العائلة التقليدية قصص زواج وحناء ،مشاهد من الحياة اليومية ،تفاصيل اللباس التقليدي والمجوهرات وكل ما له علاقة بالعادات والتقاليد.تعكس واقعها اليومي بحنان وبساطة متناهية حدّ السذاجة ،تروي قصصه الداخلية بحميمية مطلقة.تقسم محرزية غضاب وقتها بين بين الأعمال المنزلية ورسم العالم الذي يحيطها مقتطفة مشاهده و علاماته من داخل المنزل وخارجه ،مشاهد لامكتملة وهذه إحدى مميزات الفن الساذج .تعكس من خلاله هذه الفنانة واقعها بكل صدق نافية كل مسافة قد تنفصل فيها ذاتها عن موضوع لوحاتها.تستعيد محرزية من خلال فرشاتها وألوانها علاقتها الحميمية بنهج الحلفاوين ،علاقة تحن إليها الفنانة ، بشغف ولهفة تجدها مصبوغة في لوحاتها إلى حدّا التمثل الكلي وكأني بها تعايشه من جديد وفق تصور جديد ….تصبح من خلاله هي الواقع في حد ذاته “…إذ بعد أن كانت في الحلفاوين جزءا من الواقع ،أصبحت في مرسمها جزءا من اللوحة،وتلك قيمة من قيم الأصالة في فن محرزية غضاب ، لا يستهان بها….”.7 رسامة وامرأة هي محرزية وفي أعمالها تلعب المرأة دور البطولة المطلقة بدون منازع ،تسرد من خلاله فنانتنا مختلف نشاطات المرأة اليومية، وما تقوم به من أعمال ومجهودات تجعلها محور العائلة ومحور اللوحة .إضافة إلى صورة المرأة الأخرى ،امرأة مختلفة عن الأولى وهي المرأة العروس، فإما أن نجدها أمام المرآة تسرح شعرها وتثبت زينتها ،أو جالسة مزدانة بالحناء والحرقوس والوشم ،ألون براقة ذهبية وفضية .أحداث وألوان وأشكال تتألف لتحيلنا على عالم المرأة المغري والخلاب ،المليء بالأنوثة والجمال ،علامة تراثية هي الخمسة والسمكة والهلال …..تتناسق لتطل علينا بحلتها البهية لتشعرنا بالحركية من خلال البهرج الذي يحيط بها رغم سكونها.صورتان لعملة واحدة، امرأة معفاة من كل مجهود، عروس تشع من خلال اللوحات بزخرفتها التقليدية، أما من الجهة المقابلة تظهر لنا امرأة عاملة وكادحة داخل منزلها تحتوي بحنان عائلتها مثلما يظهر ذلك جليا في هذه اللوحة .الكل منشغل والأعمال كلها تدور وتحوم حول المرأة التي تتوسط اللوحة هي المحور والأم .مشهد عائلي من الطراز الأول تسرده لنا محرزية بأناملها الرقيقة، أنامل تنم عن رغبة جامحة في احتضان كل ما يحيط بها ونقله على سطح لوحاتها، محاولة للإحاطة بكل التفاصيل بأدق التفاصيل .ألوانها تزداد توهجا تعكس سعادة وفرح هذه الأسرة، احمر واصفر وازرق واخضر ألوان تحيط بالمكان ،التفاف اسري وتماسك عائلي أرادت من خلالها فنانتنا الأصيلة إبراز الأجواء العائلية ودور المرأة الرئيسي داخل هذا الحرم.ولا يقتصر دور المرأة في لوحاتها داخل البيت فقط بل يمتد إلى الخارج ،وهي ملتحفة بالسفساري الأبيض مساهمة في حركة المجتمع الواسع لها فيه دور سواء كان ذلك داخل الأسواق أو في الشوارع والأنهج وفي حقول البرتقال …. امرأة سعيدة بكل المقاييس في كلتا الحالتين سواء كانت ربة بيت مجتهدة أو عروس متزينة ،امرأة محرزية قنوعة بحالتها تقوم بواجبها الأزلي دون كلل أو ملل . في حركة دائمة ومستمرة لا يهدا لها بال حتى تنهي عملها الدؤوب داخل وخارج البيت .تركز محرزية غضاب داخل لوحاتها على الجانب اليومي الواقعي دون غيره ،تحرر من خلال لوحاتها المرأة من عقدها وتساؤلاتها ،لا تظهر لنا منشغلة بأشياء تتعدى واقعها ومحيطها الضيق ،لا تظهر حيرة تجاه أي مظهر من مظاهر الوجود.وحتى وان لم تحضر المرأة في لوحاتها بطريقة مباشرة فان حضورها يكون بطريقة غير مباشرة مثلا في هذه اللوحة تحضر المرأة ،في لوحة داخل اللوحة ،صورة المرأة المثالية في عيني هذا الرجل التونسي الذي يرتدي الجبة والشاشية التونسية ممسكا في يديه اللتان يضعهما خلفه سبحة متأملا المعرض الفني لوحات نسائية ،بعيني المتفحص والمراقب حيث”تحمل البيئة حضورها اليومي ،فالبيئة حالة عامة تحتوي الإنساني وتشكل ذاكرة الفنان لأنها تحمل مقومات الصدق عبر الذكريات التي يتكون معها الإنسان ،وتمثل الذكريات حالة من الاسقاطية المبدعة …”8امرأة مستأنسة لحياتها ،تصبح محرزية من خلال لوحاتها بمثابة المراقب لنفسه في المرآة حيث تعاود الحنين إلى مختلف نشاطاتها فتعكسها من جديد على أسطح لوحاتها لتسترجعه ولتصبح العلاقة تواصلية بين الذات واللوحة .إبداع غلبت عليه سذاجة الفعل وأسلوب السرد، ذات في تطابق شبه كلي باللوحة وبالموضوع الذي تحتضنه “…لما يؤكده من إلغاء للمسافة ،مابين الذات واللوحة ،هو ما تحقق تقنيا من خلال الإبقاء على التمظهر الواقعي للشكل إلى حد السذاجة الفنية وغلبة الروح السردية .ويكفي توفر هذا الشرط الأساسي لتامين تطابق الذات مع اللوحة وتطابق الذات الساردة مع الموضوع المسرود…”.9

هوامش
1-، عفيف بهنسي ، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الأولى ،ص79
2- عفيف بهنسي العمران الثقافي ، بين التراث والقومية ، دار الكتاب العربي دمشق القاهرة ، الطبعة الاولى
http://matarmatar.net 3-
5- http://www.fonon.net/modules.
-6 http://www.magharebia.com
7- خليل قويعة ، تشكيل الرؤية ، تأملات في تجارب تشكلية من تونس ، المطابع الجديدة للجنوب، الطبعة الاولى،ص 94
8- يوسف عايدابي ، العالمية وحوار الذاتيات في الفن ، ندوة علمية ، دائرة الثقافة والإعلام ، الطبعة الأولى ، ص85
9 خليل قويعة، نفس المصدر السابق ص 98

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية.

إلى الأعلى